جابريال جارسيا ماركيز في رحلة روحية مختلفة هذه المرة.. رجل الغرائبية الزمانية والمكانية اعتمد هذه المرة الاختلاف عن سوابقه اذ قدم بطله داخل دائرة زمنية ومكانية بل لقد قدم البطل ولأول مرة واحدا فقط.. خارج تقاليده في البناء الروائي والمتمثل في تقديم مجموع اشخاص ومجموع ازمنة خدمة لغرض واحد هو عادة مجال حركة النص الروائي في ثالوث الانسان والمكان والزمان. وجابريال هذه المرة يعترف في مقدمة كتابه (بحار تحطمت سفينته) اسلوب الرواية الصحفية وهو مقتطع سابق لمرحلة منفاه في باريس والذي يحيلها الى ايام ضياع هذا البحار وسط المياه الزرقاء.. (ماركيز) حينها كان صحفيا دون الثلاثين من عمره مقيما في كولومبيا.. قدم القصة للقراء بمعية وبموافقة مدير الجريدة التي كان يشتغل لها (ماركيز) في بداية مشواره كاتبا وصحافيا. ماركيز يتحمل اعباء السرد على لسان البطل مع استحضار دائم لقدرة ماركيز على الاجتذاب حتى المحطة الأخيرة عبر 14 فصلا والمتوزعة عبر 139 صفحة وذلك من خلال الترجمة العربية للنص الاصلي من قبل عماد ابو السعد وفي اصدار لدار العودة بيروت. جابريال يتجاوز, السردية في النص المكتوب الى مرحلة التساؤل عن كيفيات تشكيل بطل قومي في وطن ما ويقدم بطله انموذجا.. ولكنه يعاود الخطى الى الوراء ويقدم في سخرية ملموسة نهاية هذا البطل.. يقول في مقدمة الكتاب.. لقد انتهى شيخا متعبا خلف مكتب ما لشركة باصات.. بل يذهب الى تلخيص المسيرة كاملة والذي جنح على طوف من خشب لمدة عشرة ايام بدون طعام وماء واعلن بطلا قوميا وقامت بتقبيله ملكات الجمال واصبح ثريا بفعل الدعابة ثم نبذته الحكومة وعاش منبوذا على مدى الازمان. ولكن من هو الرجل..؟ هو ضابط في اسلحة الدفاع الكولومبية ركب فوق رادعة بحرية مع ثمانية من زملائه الضباط.. غرقت مركبتهم ماتوا جميعا ولم ينج منهم سوى هذا الضابط.. لقد قدمه ماركيز مصارعا للموت بكل اشكاله ولمدة تسعة ايام داخل اهوال البحر.. لقد قاوم واستمر ونجا رغم تلك التفاصيل الهائلة التي يقدمها (ماركيز) عبر مسار الرحلة في لحظة الغرق وصولا الى لحظة النجاة بأحد شواطئ قرى كولومبيا النائية والبعيدة. جارسيا.. من داخل البحر قدم تجربة بحار مع البحر.. وعكف على التفصيل في شراسة البحر وتفاصيله ومفاجآته الغادرة على تشكيل الصدمة والخاتمة في أية لحظة كما فعل ايضا في خبرة بحار وقدرته على التجلد والتكيف مع مختلف الوضعيات.. اعقدها اطلاقا هي هذه القدرة على البقاء حيا ولمدة تسعة ايام من غير طعام ولا ماء. ماركيز خرج من دورانه في ملكه الساحر الابداعي ولكنه كشف لنا عن جانب شخصي فيه وهو وفاؤه فإعادة نشر القصة هذه المرة هي التزام قطعه الكاتب على نفسه في زمنه الكولومبي الاول.. فقط.