منذ زمن بعيد وقضية التعامل مع سلوكيات الطلاب والطالبات في مدارسنا تعتبر نقطة خلاف وجدل بين أهل التربية والأسر والمعلمين ومدراء المدارس, والجدل مطلوب وصحي بشرط أن يقود دائما لنتيجة تصب في مصلحة هؤلاء الأبناء, فلأجلهم كانت المدارس, ولأجلهم رصدت الميزانيات, ولأجلهم أيضا كان المدرسون والمدراء وكل الوسائل المعينة لتحقيق أهداف العملية التربوية التعليمية في المجتمع. وسلوكيات الطلاب في المدارس ليست أمرا جديدا, فقد طرحت في الاعلام وفي الندوات وفي الكتب, وغالبا ما تنتهي مناقشتها باعتبارها افرازا طبيعيا للتنشئة الأسرية, فهي مسئولية الوالدين, وهنا تلقي المدرسة بالكرة في ملعب الأسرة مبرئة نفسها من التهمة, أو انها أحد ارهاصات المراهقة, وهنا يتم التسليم بالأمر على أن هذه السلوكيات قضاء وقدر, إذن فلنصبر على هؤلاء المشاكسين حتى يهدأ فوران المراهقة ويهديهم الله إلى سواء السبيل! والأمر وان احتمل التفسيرين, إلا انه ليس بهذه البساطة, فليست الأسرة وحدها صاحبة المسئولية في أمر التربية, خاصة في أيامنا هذه, وبعد أن دخل الشارع والأصدقاء والفضائيات والمدرسة والمركز التجاري كأطراف منافسة للأسرة في التربية, والمراهقة أيضا ليست السبب الرئيسي في هذا العنف أو الانحراف, نقول ذلك حتى لا نحمل الأسرة كل المسئولية وحتى يشعر الجميع بعظم المسئولية, فيدققوا في تصرفاتهم وعلاقاتهم مع هؤلاء الأبناء. لننظر إلى ذلك الأب أو الأم التي أوصلت ابنها أو ابنتها إلى المدرسة وتوجهت إلى عملها, ولننتقل إلى الطالب أو الطالبة اللذين دخلا إلى مدرستيهما فأوقفهما الاخصائي الاجتماعي جانبا لأنهما تأخرا خمس دقائق عن طابور الصباح, إذن فلا حق لهما في اختراق النظام والسير بين الطوابير, ولننتظر بعد انتهاء الطابور لنعرف مصير هؤلاء الطلاب. أحيانا يعطى هؤلاء مهلة أو إنذارا لعدم تكرار التأخير, وأحيانا لا يسمح لهم بدخول الحصة الأولى, وأحيانا يتم توبيخهم في طابور الصباح من قبل مدير المدرسة.. وكلها سلوكيات تقديرية تعود لنظرة الإدارة وعلاقتها بطلابها. أما ان يغلق باب المدرسة دون هؤلاء, وان يجبروا على العودة من حيث أتوا, دون تدقيق وتفريق في الأعمار والظروف فهذا ما لا نتفق فيه مع بعض إدارات المدارس. وبالفعل فأثناء ذهابي للعمل صباحا.. أجد طلابا في سن المراهقة يحملون كتبهم يسيرون في الشوارع على غير هدى.. فهؤلاء بلا شك محرومون من دخول المدرسة بسبب تأخير قد يكون خمس أو عشر دقائق! أين يذهب هؤلاء بعد اغلاق بوابات المدارس في وجوههم صباحا؟ هل يتوجهون إلى منازلهم فعلا؟ هل تتابع الإدارات خط سيرهم؟ هل تتأكد من وجهتهم؟ ماذا لو حملتهم أقدامهم وغضبهم إلى أماكن لا تحمد عاقبتها؟ ألا يوجد عقاب آخر يحفظ هيبة النظام كما يحفظ أمانة هؤلاء في المدرسة؟ بعض مدراء المدارس أفادوا بأن هذا التصرف يأتي بناء على تعليمات من مدير المنطقة! هل هذا الكلام صحيح أيها السادة مدراء المناطق التعليمية؟ هل دُرس هذا القرار جيدا قبل تطبيقه وان كان يطبق منذ سنوات طويلة وقد دفع الكثير من الأبناء الثمن من أخلاقهم ومستقبلهم. إن أبسط مكان يتوجهون إلىه مقاهي الشيشة أو المراكز التجارية أو تجمعات الانحراف المختلفة.. فهل هذا ما يهدف إليه القرار؟ وهل يتساوى العقاب مع النتيجة؟ بودنا لو بحث أهل التربية عن وسائل عقاب أكثر حزما وأجدى نفعا وأقل ضررا وخطورة من الطرد واغلاق البوابة في وجوه الطلاب.