لسوء حظ لم استطع رؤية الطيار علي مراد فى أحد الاجتماعات التى اقيمت له. وضايقنى هذا فلقد كنت أريد أن أرى الرجل الذى رفض تنفيذ اتفاقية واي بلانتيشن فى موقف درامى أثار اهتماما كبيرا. وإذا كان بإمكانى أن أسجل مايحدث فى الشارع المصرى, فلقد تحول علي مراد فى يوم وليلة إلى بطل يرفعه الناس إلى الذرى. وبالطبع بطولته تعود إلى موقفه فى رفض تفتيش طائرته المصرية من قبل الإسرائيليين فى مطار غزة. ولكن (التلميع) الأساسى لبطولة علي مراد أتى من (غباوة) رؤسائه. فعندما قام بهذا العمل كان عليهم أن يدرسوا الموقف, ويعرفوا أن الشارع المصرى على الأقل فى هذه اللحظة يكن كراهية شديدة للصهاينة بدءا من استر وسالومى إلى باراك وشارون. وأن الناس بحدسهم الصادق يدركون أن قدسهم قد ضاعت لولا بعض الأمل. وحتى أخلص أصدقاء إسرائيل وعملائها لا يستطيعون الدفاع عنها. لقد طفح الكيل, وفاضت الكأس. ولم يعد بالإمكان فى الشارع مناقشة النقاط القانونية التى تستثنى الإسرائيليين من بين جميع قوات الأمن على وجه الأرض لتفتيش طائرة. فى هذه الحالة تحول رؤساء علي مراد إلى عبدالعاطي البيرواقراطى الشخصية الكاريكاتيرية التى ابتكرها صلاح جاهين, وقاموا بتحويل الطيار الى المحاكمة فتلقوا على وجوههم أسوأ ردود فعل. وفى نفس الوقت وضعوا إكليل الغار على جبين البطل بأيديهم دون قصد. وهمس لى صديق ممن حضروا بل ونظموا اللقاءات مع علي مراد انه ليس كما نتوهم فلما سألته مندهشا عما يقصد قال لى ان علي مراد أكد أكثر من مرة أنه ليس ضد السلام مع إسرائيل ولا كامب ديفيد ولا هو ضد التطبيع مع اسرائيل, وان كل مايريده هو الحفاظ على كرامة شركته بالا يسمح لجنود دولة أجنبية بتفتيش طائرته. وبالتالى الحفاظ على كرامة وطنه. وأحسست بإكبار أكثر للرجل. فهو ليس سياسيا ولا مشغولا بالسياسة. انه رجل يحافظ على كرامة مهنته حتى لو أوصله ذلك إلى أسوأ مايمكن أن يصل اليه رجل سياسى. ولقد ذكرنى هذا بالرجال الذين وضعوا شرف المهنة نصب أعينهم. وكان أول من رأيتهم فى حياتى العملية هو اللواء محمد محمود الباجوري وربما كان محمود محمد الباجورى فالذاكرة ليست مرجعا هنا وليس الى جوارى الآن ما أعود إليه لأتأكد من الاسم. وكنت آنئذ فى نهاية الدراسة أو ربما كنت قد تخرجت منذ فترة قصيرة. وقال لى سعد الدين وهبه ان الرجل يريد كتابة مذكراته. وانه أي سعد الدين وهبه اقترح عليه أن يراجع هذه المذكرات مع أحد الصحافيين. واقترح أن أقوم بهذه المهمة. ولم ينبهنى سعد الدين وهبه إلى الموقف الذى جعله يقترح هذا الاقتراح ربما لظنه أننى سأنتبه إليه. وهى ثقة أدهشتنى فيما بعد. وكان اللواء الباجوري مديرا للأمن بوزارة الداخلية فى الفترة من 1952 إلى 1954 وبالتالى قد يكون أهم مدير للأمن تولى هذا المنصب. فضلا عن انه كان يتعامل مباشرة طول الوقت مع جمال عبدالناصر الذى كان من نصيبه تولي شئون الداخلية, وكان وزيرا لها فى بداية الثورة. ولكن اللواء الباجورى كتب ذكريات من نوع آخر تماما مثل مقتل فلان الذى كان عمدة لقرية كذا. وكان العمدة عائدا من المدينة راكبا حمارا, فأطلق عليه مجهول النار فقتله. وتولى الباجوري الذى كان نقيبا آنئذ التحقيق. وعرف أن هذا (المشوار) كان من المفروض أن يقوم به أخو العمدة وانه يشبهه فى طوله وزيه وأنه كان بينه وبين ابن العمدة خلاف حاد ربما لأن ابن العمدة كان متزوجا من ابنة عمه ثم حدث خلاف كبير. وجمع الباجوري الخيوط بين يديه. وضغط على الابن يكشف فى النهاية أن الابن قتل أباه. فلقد انتظر الابن عودة عمه من المدينة. ولم يكن يعرف أن أباه ذهب بدلا منه. وأطلق الابن الرصاص على العائد. ورجع إلى القرية ليكتشف أنه قتل أباه. فرصة مثيرة وكان معجبا بها, ويغمز لى بأن القاتل هو عم فلان الذى أصبح فى منصب مرموق لكننا لن نذكر هذا!! ولكنى وبالتأكيد سعد الدين وهبه قبلى لم أكن أتوقع هذا من الرجل الذى تولى الأمن فى ثلاثة أعوام من أهم أعوام ثورة يوليو. وسألته عن الأمور السياسية, فرفع يده فى وجهى: مالنا ياابنى وهذه الأشياء! ومع ذلك عندما أنس الي حكى لى الكثير مالم تعيه الذاكرة. ولسوء الحظ ليس من صفاتى كتابة مذكرات. ولم يكن المسجل موجودا أيامها, ولو كان موجودا ماكنت أملك ثمنه. ولو كنت أملك ثمنه ما كان يوافق على التسجيل. وقال لى ان رجال الثورة أرادوا (تسخين) جبهة القناة حيث كانت ترابط قوات بريطانيا, وكانت مصر تسعى لاجلائهم. وقام (الوزير) جمال عبدالناصر بتجهيز مجموعات تقوم بأعمال فدائية ضد القوات البريطانية. وتكلف هذا ثلاثة آلاف جنيه, وأمر عبدالناصر الباجورى بصرف هذه التكاليف من (المصاريف السرية) وهو مبلغ كان موجودا دائما فى وزارة الداخلية للصرف فى شئون لا يمكن اعلانها. ولو أن أحدا من الباحثين تفرغ لدراسة تاريخ (المصاريف السرية) لأضاف جانبا هاما للتاريخ. وفى كثير من الأحيان كان يشترى به العملاء, ويساعد به أصدقاء لهم أسماء رنانة. وكانت العملية سرية ويجب أن تظل سرية لذلك لم يأخذ اللواء الباجورى (وصولات) ممن أخذوا هذه الأموال. وسأل عبدالناصر كيف يسوي المسألة, فوعده بأنه سيكتب له ايصالا باسمه. وكان الباجورى رجلا نزيها يخشى من مواطن الشبهة لذلك ظل يطارد عبدالناصر ليكتب الوصل. ثم دخل عبدالناصر المستشفى لاجراء عملية الزائدة الدودية. وأصاب الرعب الباجوري. الأعمار بيد الله لكن قد يموت الوزير فى العملية, وعندها ماذا يقول الباجوري وماذا يفعل؟! وذهب الباجورى الى المستشفى يزور رئيسه, وفى يمينه (بوكيه) ورد وفى اليسار وصل يطلب توقيعه. وفهم عبدالناصر مايحسه الباجورى فوقع الوصل. ووضعه الباجوري على ما حكى لى فى الخزانة مع أموال المصاريف السرية! ولقد تذكرت اللواء الباجوري بسبب قصة تعيينه فى هذا المنصب الهام خاصة فى أيام مثل هذه الأيام. فلقد طلب عبدالناصر ليعرض عليه المنصب. وبدلا من أن يبتهج أو يشكر عبدالناصر, أو حتى يعتذر قال له: - عليك أولا أن تعرف ياحضرة البكباشى أننى كنت ضابطا فى الحرس الملكى, ولقد عملت فى خدمة الملك فاروق بمنتهى الأمانة لم أقصر فى عملى والحمدلله ولا لحظة واحدة. - قال له عبدالناصر باقتضاب: - أعرف وأعرض عليك منصب مدير الأمن. فقال له الباجورى: - وسأعمل فيه بمنتهى الأمانة كما عملت فى زمن الملكية! وبالتأكيد كان عبدالناصر يعرف أن الباجورى رجل يقدس مهنته, ولذلك اختاره فى هذا المنصب فى هذه الأيام. رجل آخر ذكرنى به الباجوري وهو صلاح الشاهد الذى عمل فى القصر الملكى الى جوار الملك فاروق, ثم عمل الى جوار الرئيس جمال عبدالناصر, ثم الرئيس السادات. ثم خرج ليعمل فى أمور (البيزنس) ولأنه لم يكن خبيرا بها ولأنه لم يكن خبيرا بالحياة خارج مهنته أورده هذا موارد الهلاك. ولم تكن نهايته فى سعادة بدايته. علي مراد هذا الرجل الذى يدافع عن كرامة مهنته هو أيضا بطل مثل الرجل الذى يقاتل دفاعا عن كرامة وطنه!