منذ الأيام الاولى للثورة وجدت الصحافة المصرية نفسها في أكثر من مأزق, وأحيانا وجدت نفسها في الحبس, لقد اتفق مصطفى وعلي أمين وهيكل على عقد اجتماع منظم في (أخبار اليوم), ليبحثوا فيه الاوضاع الجديدة التي تمر بها البلاد, وليقرروا فيه خطوط سياسة صحف ومجلات الدار, لكن فجأة اعتقلت السلطة الثورية الجديدة مصطفى وعلي أمين ضمن من اعتقلتهم من حاشية القصر ورجال الملك. وذهب هيكل إلى جمال عبدالناصر محتجاً, على حد قوله, ولكن جمال عبدالناصر طلب منه إلا ينظر للمسألة من زاوية شخصية وقال له: إن اعتقالهما (إجراء وقائي بعد معلومات تفيد أن مصطفى امين اجرى اتصالا يوم قيام الثورة مع جهة أجنبية خارج مصر, وبما أن الظروف لا تحتمل أي مناورات فانه اصدر أمر الاعتقال حتى تنجلي الحقائق, على حد قول هيكل في كتابه (بين الصحافة والسياسة) . وعاد هيكل في المساء ومعه محمد التابعي لمزيد من الرجاء والإلحاح, وأخيرا تقرر الافراج عنهما, وأخذهما هيكل ومعه محمد التابعي وكامل الشناوي لمقابلة جمال عبدالناصر, وفي تلك الجلسة أزيلت آثار كدمات أول لكمة تلقتها الصحافة من قبضة السلطة الجديدة, لقد كانت بالفعل لكمة, مهما كانت التفسيرات والمبررات. دعوة للتطهير لكن ما لفت الأنظار في تلك الفترة المبكرة جداً من عمر الثورة هجوم هيكل المباغت والمفاجىء على الصحافة, لقد طالب بعد 20 يوما فقط على الثورة بتطهير الصحافة, وكان ذلك في أكبر مقال نشره في (آخر ساعة) (في 13 اغسطس 1952) بعد تغير نظام الحكم وقال: (صاحبة الجلالة الصحافة وأفراد بلاطها السعيد يقومون هذه الأيام بدور غريب عجيب, بعض أفراد هذا البلاط السعيد استباحوا لأنفسهم مقعد النائب العمومي وجلسوا يوجهون الاتهام ذات اليمين وذات اليسار ويحددون من الذي تعلق رقبته في حبل المشنقة ومن الذي يكتفى بوضعه وراء القبضان.. وبعض أفراد هذا البلاط السعيد مضوا يقلدون كلاب الصيد, تشم الأثر وتملأ خياشيمها بالروائح الطائرة في الهواء ثم تجري وهي تنبح على الهاربين وتأتي بهم من مكامنهم الخفية وتنهش لحمهم وتسيل دمهم. وبعض أفراد هذا البلاط السعيد مضوا يقلدون باباوات سان بيتر وصكوك الغفران الشهيرة التي كانوا يمنحونها للتائبين العائدين إلى حظيرة الإيمان ومضوا يقررون أن هذا بريء وهذا مجني عليه وهذا لم يكن ذنبه إلى آخر صيغ صكوك الغفران التي كثرت هذه الأيام. (دعوني اشرح وجهة نظري وأنا أحب أن أكون صريحاً إلى ابعد الحدود, إنني أعتقد ـ وأنا واحد من أفراد البلاط السعيد لصاحبة الجلالة ـ أننا نحن ـ من أفراد هذا البلاط جميعا ـ آخر من يحق لنا أن نصنع هذا, آخر من يحق لهم أن يستبيحوا لأنفسهم مقعد النائب العمومي موزع الاتهام, وآخر من يحق لهم أن يقلدوا كلاب الصيد ويبحثوا عن الفرائس, وآخر من يحق لهم تقليد باباوات سان بيتر ومنح صكوك الغفران, آخر من يحق لهم شيء من هذا لسبب واحد, هو أننا في حاجة أيضاً إلى تطهير. (من سوء الحظ إننا ـ بلاط صاحبة الجلالة ـ نملك قوة هائلة نحاسب بها الناس, ولكن تمنع الناس من أن يحاسبونا, ومن سوء الحظ أننا ـ بلاط صاحبة الجلالة ـ نملك أن ننتقد الناس, ولكننا لا نسمح لأحد أن ينتقدنا لأننا نحن الذين نسيطر على ما يجب أن ينشر وما ينبغي ألا تراه عيون القراء. (إني أقولها بصراحة ـ وأنا اعتقد أنها ستجلب لي متاعب الدنيا والآخرة ـ إن بلاط صاحبة الجلالة في حاجة إلى تطهير كبير, لقد كان الملك السابق كارثة على مصر, هذا صحيح, وكان زعماء الأحزاب السياسية كارثة على مصر, هذا صحيح, وكان محترفو السياسة كارثة على مصر, هذا أيضاً صحيح, ولكننا ـ نحن بلاط صاحبة الجلالة ـ كنا كارثة أخرى, ويجب أن نعترف أن علينا مسئولية كبرى في كل الذي صارت اليه الاحوال, ولقد بدأت مصر كلها تنادي بالتطهير وعلينا نحن أيضا أن ننادي مع مصر بالتطهير, تطهير أنفسنا قبل تطهير الآخرين. (إن الصحافة اليوم ليست ملك أصحاب الصحف ولا ملك المحررين, إنما الصحافة اليوم مؤسسة عامة تؤدي دوراً بالغ الخطورة, انها أشبه ما تكون بعجلة القيادة للرأي العام وينبغي أن تتوافر كل الضمانات لعجلة القيادة فلا يكون بها خلل ينحرف بالمركبة إلى اليمين حيث ينبغي أن تكون إلى اليسار, أو ينحرف بها إلى اليسار حيث ينبغي لها أن تكون إلى اليمين, لا يستطيع أحد أن يركب سيارة أصيبت عجلة القيادة فيها بخلل, خصوصاً إذا كان سيقطع بها طريقا شاقا مليئا بالمنحنيات والمنعرجات. (إني لا أطالب بالحد من حرية الصحافة بل العكس أنا أعتقد أن الصحافة الحرة هي المعنى الوحيد للديمقراطية, ولكن اسمعوا ما حدث في انجلترا, وانجلترا هي بلد حرية الصحافة مهما اختلفنا في الرأي حول سياسة الانجليز, بعد الحرب العالمية الأخيرة ثار في مجلس العموم لغط حول الصحف البريطانية واتجاهاتها وقرر مجلس العموم تأليف لجنة برلمانية لفحص حالة الصحافة البريطانية وتضمن هذا ما يلي: ـ فحص الحالة المالية للصحف البريطانية ومن هم اصحابها ومن هم حملة الأسهم وما هي مصادر تمويلها. ـ فحص حالة الصحافيين وما هي اتجاهاتهم وما هي الآراء والتيارات التي تسيرهم في الطريق الذي يسيرون فيه؟. (حدث هذا في إنجلترا بلد الحرية الصحفية التي لا تعرف حدوداً. اما في مصر فإن الحكومات تصرف مرتبات سرية لعدد من الصحافيين, اما في مصر فإن تيارات كثيرة ومصالح متشابكة معقدة ـ بل ومريبة ـ تعمل عملها في الصحافة وليس هناك من يطالب بحساب أو بعقاب. وبعد فدعوني اقترح ثلاثة حلول ولتكن لنا الشجاعة في مواجهتها: ـ ينبغي إلغاء المصاريف السرية للصحافة فوراً. ـ ينبغي ان تعلن اسماء جميع الصحافيين الذين استحلوا لأنفسهم أموال المصاريف السرية في جميع العهود. ـ ينبغي أن يقوم ديوان المحاسبة بفحص حسابات جميع الصحف المصرية لنعرف ما هي مصادر تمويلها وكيف تعيش. (هذا هو الطريق للتطهير, تطهير أنفسنا قبل تطهير الآخرين, وبعدها دعونا نصنع ما نريد, نستبيح مقعد النائب العمومي, ونقلد كلاب الصيد, ونمنح صكوك الغفران كما كان يفعل باباوات سان بيتر) . انتهى. لقد كان هذا الهجوم المبكر من هيكل على الصحافة مثيرا للدهشة وملفتا للانتباه, ولابد أنه زرع بذور العداء بين عدد كبير من الصحافيين واصحاب الصحف, وهي البذور التي تفتحت أشجاراً, ثم أنجبت الأشجار ثمارا من الغل والثأر فيما بعد, وهي ثمار شعر هيكل بمرارتها عندما وجد نفسه وحيداً عارياً بعيدا عن سلطته وسلطانه, ان صراع الديناصورات الشرس الذي شاهدناه بعد خروج هيكل من (الاهرام) كانت جذوره عميقة ممتدة في تربة الصحافة المصرية لحوالي 22 سنة وقد عبر عن نفسه بكل هذا العنف الذي جرى لأن الكبت كان شديدا, والبخار كان مكتوما لسنوات طويلة. وقد اعتبر الصحافيون الدعوة لتطهير الصحافة هي أول استعداء للسلطة الجديدة من داخل المهنة للتدخل في شئونهم وتقييد حريتهم وتفتيش عقولهم على الرغم مما في مقالة هيكل من إيمان ظاهر بحرية الصحافة, ولم يمنع الغضب الذي قوبل به هيكل بعد نشر مقاله من الاستمرار في دعواه, وكرر مطالبه في مقالة أخرى نشرها في (آخر ساعة) في ربيع عام 1953 بمناسبة مؤتمر الصحافة العربية الذي كان يعقد في القاهرة ولم تمر هذه المقالة بسهولة. المصاريف السرية لم يسكت الصحافيون هذه المرة, ولم يبتلعوا ضربات ولكمات هيكل القوية, وشعروا أن ما يقوله ظاهره الرحمة وباطنه القسوة, خاصة في وقت لم تكن العلاقة بين الصحافة والثورة على ما يرام, في وقت كانت فيه الدبابات والسيارات تقف بالقرب من دور الصحف مستعدة ومتحفزة, ولم يكن الضباط الذين وجدوا السلطة في ايديهم يؤمنون بالرأي الآخر, ولا يقبل معظمهم الجدل والاختلاف. بعد نشر المقال قررت نقابة الصحافيين تحويل هيكل إلى مجلس تأديب بتهمة إهانة المهنة, وكانت فرصة لأن يرد هيكل بمقال اشد عنفا, نشره في (آخر ساعة) في 23 ابريل عام ,1953 قال فيه: (لقد وقفت نقابة الصحافيين ضدي وأحالتني الى مجلس تأديب ووقف الرأي العام معي فتلقيت مئات من المكالمات التليفونية والبرقيات والرسائل, كلها تشعرني إني لست وحدي, هكذا رد الفعل عن نقابة الصحافيين وهكذا كان رد الفعل عند الرأي العام, فهل يمكن ان تكون هناك هوة أعمق من هذه وأعرض؟ اريد أن اقف امام مجلس التأديب لاكرر له ما قلته) . وكرر هيكل بعض ما سبق ان قاله في مقاله السابق, واستطرد: (وسوف أروي لمجلس التأديب بعد ذلك مثلا صغيرا, مثلا سمعه من أحد اعضاء مجلس قيادة الثورة وكان قد عاد لتوه من رحلة خارج القاهرة لقد قال لي وعلى تقاطيع وجهه امتعاض وهذا تعبير مهذب لحقيقة ما كان مرتسما على وجهه, قال: هل تعلم ماذا اكتشفت اليوم؟ لقد تبين لي أن واحداً من الصحافيين الذين كانوا معي كتب الى جريدته وصف زيارتي لبلد معين قبل أن أدخل هذا البلد, إنه لم يكلف نفسه مشقة الانتظار ورؤية شعور الناس والانفعال به ثم وصفه بعد ذلك وإنما جلس يرص العبارات الكبيرة التي ابتذل معانيها لأنه لم يكتبها وليدة إحساس أو تأثر) . فيما بعد, وجد هيكل في حديقة نقابة الصحافيين ـ وهي التي كانت توصف بهايد بارك ـ من تعجب من نشر هذا المثال الذي يعرف في لغة الصحافة (بالفبركة) بينما نسب لهيكل نفسه انه اثناء تغطيته لمؤتمر للملوك والرؤساء العرب في سوريا أنه نقل الكلمات الافتتاحية لهم في الجلسة العلنية على أنها احاديث اجراها معهم ونشرتها (اخبار اليوم) على هذا النحو وقد شاعت هذه القصة طويلاً, ولم يتوقف خصوم هيكل وعلى رأسهم مصطفى أمين وموسى صبري وناصر الدين النشاشيبي في استخدامها في التشهير به, بل أن موسى صبري في مذكراته يقول: إن مصطفى أمين أصدر قرارا بفصل هيكل بسبب ذلك, ولكن كامل الشناوي وعلي أمين توسطا لإلغاء القرار. ويستطرد هيكل في مقاله: (أريد أن اقف امام مجلس التأديب لأكرر له ما قلته من مطالب كنت أتصور أن تتقدم بها نقابة الصحافيين الى المسئولين بدلا من ان تقدمني انا إلى مجلس تأديب) وكرر هيكل المطالب الخاصة بوقف المصاريف السرية ونشر أسماء من كانوا يتقاضونها وتشكيل لجان قضائية لفحص ذمة الصحف. ثم يقول: (أريد أن أكرر هذه المطالب وأزيد عليها, أزيد عليها أنني لا أريد أن أدخل في مهاترة بالألفاظ ولا أريد أن أتهم احداً أو اتجنى على أحد إنما أريد الحقيقة كاملة لأني أريد أن تبقى صحافة مصر عزيزة مجيدة على نفس المستوى العالمي الذي سجله لها طليعة من روادها وأبطالها يوم اندفعوا عزلا إلا من الإيمان لمقاومة جيوش الشر الزاحفة ويوم استحالوا بقوة هذا الايمان وحرارته الى نار تحرق حصون الظلم ونور يبدد إطباق الظلام. إنما أريد الحقيقة كاملة لأني أريد أن يبقى طريق الصحافة المصرية كما كان في أكثر من فترة من تاريخها على جانبيه بقايا المعارك وعلى أرضه آثار المقاومة وبجوار أعلامه المنتصرة ترتمي القيود المحطمة وفي ترابه يختلط العرق والدم والدموع. وبعد, أين مجلس التأديب؟ أريد أن اقف امامه) انتهى. عنده حق لا يمكن إنكار أن هيكل كان عنده الحق فيما كتب, لكن كان الخوف ان يستخدم هذا الحق في فرض الباطل على الصحافة, وسحب حريتها منها, وتحويلها من صاحبة جلالة الى صاحبة عصمة, ومن ممثل ادعاء الى متهم لا يخرج من قفص محكمة الجنايات أو محكمة الرأي العام, وقد نشرت بالفعل قوائم المصاريف السرية التي كانت بعض الصحف وبعض الصحافيين يتقاضونها, وكانت ضربة مؤلمة للمهنة كلها, وأصبح الشك وعدم الثقة من نصيب كل من يعملون فيها كلهم. ولم تكن قوائم المصاريف السرية هي كل عيوب وخطايا الصحافة ... لقد روى هيكل عن صحافي كان يوصل قطع الحشيش لعائلة صاحب الجريدة التي يعمل فيها. وروى عن كاتب كبير كان ينفق كل أمواله على ترف الحياة, واضطر الى أن يكتب سلسلة مقالات مقابل مبالغ كبيرة من المال.. ولكن هيكل نفسه قد أخذ عليه أنه كان يعد صياغة مواد اعلانية ولم يجد خصمه السادات سوى ذلك للطعن فيه. لقد راح السادات يفتش عن خطأ مالي يستخدمه في التشهير بهيكل, لكنه لم يجد سوى حكاية الاعلانات الساذجة, وهي ساذجة لانها لا تقارن بمبنى (الأهرام) الذي بناه هيكل وتكلف حوالي خمسة ملايين جنيه استرليني من دون هفوة مالية ولو عابرة, من دون ذرة غبار يمكن أن تعلق بذمته المالية, وقد حدث أن كان يزور هيكل ـ أيام الحرب بينه وبين السادات ـ نجم التلفزيون الأمريكي مايكل والس في محطة الـ (سي بي اس) . وبينما كان هيكل يودعه كعادته إلى باب المصعد قال له مايكل والس: (محمد.. هل عندك مشكلة مع الضرائب؟) . وتعجب هيكل, فاستطرد والس: (لقد كنت عند الرئيس السادات وقال انه سيحاكمك بتهمة التهرب من الضرائب وسيقوم بسجنك لخمس سنوات) . ولم يأخذ هيكل كلامه مأخذ الجد, لكنه سرعان ما فوجئ باستدعاء أمام المستشار عدلي حسين ـ المحافظ فيما بعد ـ الذي وجه إليه ثلاثة اتهامات: ـ انه كان يتقاضى من الأهرام 300 جنيه شهريا لا يدفع عنها ضرائب. ـ انه كان يقتسم المكافآت التي يمنحها لبعض المحررين معهم. ـ انه أخذ مبلغ 13 ألف جنيه من (الأهرام) دون وجه حق. وبحضور محاميه ممتاز نصار ومحاسبه عبدالعزيز حجازي قال هيكل للمستشار عدلي حسين ردا على هذه الاتهامات: ان مبلغ الثلاثمئة جنيه هي مصاريف مكتبه ولم يكن يلمسها بيده وإنما كانت تتسلمها وتنفقها مديرة مكتبه نوال المحلاوي. وكانت تنفق منها على الشاي والبن, وكانت تحصل منها على مكافأة 30 جنيها, وكانت تدفع مثلها للدكتور عبدالملك عودة المستشار بمكتبه, وكانت تدفع منها عشرة جنيهات لكل موظف وساعٍ في المكتب. وبالنسبة للاتهام الثاني قال هيكل: انه كان يستخدم المكافآت لتعويض المحررين الذين يتسمون بالنشاط عن مرتباتهم التي يتقاضونها مثلهم مثل غيرهم, واسألوا علي حمدي الجمال, وعبدالحميد سرايا, وغيرهم, هل كنت أقتسم المكافآت معهم أم كانوا يحصلون عليها كاملة. اسألوهم وهم الآن على علاقة طيبة مع السلطة, وأضاف هيكل: ان مرتبه من (الأهرام) كان 5000 جنيه سنويا وانه كان يتقاضى 2000 جنيه استرليني من حقوق نشر مقال (بصراحة) كان يدفع نصفها لصندوق تعليم أبناء العاملين في الجامعة. وبالنسبة للاتهام الثالث فإن هيكل تذكر في تلك اللحظة قصته. لقد جاء إلى القاهرة صحافي هندي كان على علاقة وطيدة بالمشير أحمد إسماعيل علي وبالمخابرات العامة وقد أبدى استعداده للسفر إلى اسرائيل والتعاون معنا ولكنه رفض أن يتقاضى أموالا من الدولة وفضل أن يأخذها من صحيفة كأنه كان يكتب لها, وحسبت تكاليف الرحلة فكانت 13 ألف جنيه, طلب السادات من هيكل أن يدفعها من (الأهرام) وطلب هيكل من الدكتور فؤاد إبراهيم العضو المنتدب أن يرسل له المبلغ, وأرسله, وبعد أيام سأله الدكتور فؤاد إبراهيم عن التسوية الدفترية والمحاسبية للمبلغ, فاتصل هيكل بالرئيس السادات الذي قال له انه سيوقع على المبلغ بصفته رئيس الاتحاد الاشتراكي مالك الصحف, وكتب الايصال ووقعه وأضاف إليه شكره لجريدة (الأهرام) على أداء هذه المهمة الوطنية التي ساهمت في انتصار أكتوبر. وأرسل هيكل الايصال للدكتور فؤاد إبراهيم وطلب صورة منه كعادته, لكن ماكينة تصوير الإدارة كانت معطلة فأخذ هيكل الأصل وأرسل صورة منه إلى الإدارة, وعندما وجد هيكل نفسه متهما راح يفتش عن الايصال لكنه لم يجده, ولكن بالصدفة ولستر الله دخلت عليه زوجته وهي تحمل آخر الملفات التي جاء بها من (الأهرام) وكان الايصال فيها, وقد قدمه إلى المحقق قائلا: هل تعرف خط الرئيس السادات؟ فنفى, فقال له: هل تعتقد انني يمكن أن أزور توقيعه؟ فنفى, فقدم هيكل دليل براءته. إن كل هذه المقدمات ضرورية لنفهم لماذا صنعوا من حبة الاعلانات قبة, فالذي حدث انهم لم يجدوا قبة حقيقية. جذور الحرب إن جذور الحرب بين هيكل وخصومه في الصحافة قديمة وتتمتع بذاكرة قوية وهي خصومة متراكمة تزيد ولا تنقص, وبعضها يمكن وصفه بالموضوعية, والبعض الآخر لا يمكن تصنيفه خارج منطقة المشاعر الدفينة. لكن تبقى ان الصحافة كانت قضية من القضايا التي اهتم بها هيكل وفتح عليها النيران بضراوة بعد الثورة, بل انه لم يتردد في تقديم الاقتراحات المبكرة لتنظيمها, إن عبارة (تنظيم الصحافة) وردت لأول مرة في مقال هيكل نشره في (آخر ساعة) (عدد رقم 1017) في 21 ابريل 1954. كان عنوان المقال: (4 اقتراحات للصحافة). وقد قال فيه: (أمام الصحافة المصرية الآن فرصة مواتية لتنظيم شئونها وارساء مهنة الصحافة ونشاطها على أسس وطيدة تمكنها من أن تنهض برسالتها الخطيرة في تكوين الرأي العام وتثقيف جمهور الشعب وتوجيه تفكيرنا السياسي والاجتماعي توجيها سديدا, فلا يصح أن يقف الأمر عند حل مجلس نقابة الصحافيين وتأليف مجلس جديد أعضاؤه أعف يدا من المجلس القديم, ولا يجدي كثيرا أن تنتهي عملية الاصلاح عند اذاعة بعض أسماء من ثبت انهم تقاضوا مصاريف سرية واستمرار البحث وراء الآخرين الذين تحوم حولهم الشبهات وان لم تثبت ادانتهم, ولا يكفي أن يكون قصارى هذه الحركة اقامة نقابة خاصة للصحافيين بدلا من النقابة القديمة التي شذت عن القاعدة النقابية الأولى فجمعت بين أصحاب الصحف والصحافيين فكانت نقابة شوهاء أنكرتها نقابات الصحافيين في العالم, وإنما يجب أن تتخذ من هذا كله سبيلا إلى تنظيم الصحافة المصرية تنظيما تستقر عليه أوضاعها في المستقبل أمدا طويلا, و(آخر ساعة) تريد أن تساهم في هذا التنظيم بعدة آراء أو عدة مقترحات تبديها, وهي تتقدم بهذه الآراء أو هذه المقترحات إلى أصحاب الصحف والعاملين في الصحافة.. وإلى قراء الصحف أيضا, وتستقي آخر ساعة هذه الآراء مما سبق ان اتجه إليه تفكير بعض من أرادوا اصلاح شئون الصحافة في الدول التي سبقتنا في مضمار الصحافة فسبقتنا في معاناة مشاكلها وسبقتنا في حل هذه المشاكل. الاقتراح الأول: تحديد أرباح الصحف وصاحب هذا الاقتراح هو الصحافي الانجليزي الكبير ويكهام ستيد وهو يرى ان أكبر خطر على الصحافة هو سعيها للربح فهي في هذا السعي تلجأ إلى الإسفاف وإثارة غرائز الجماهير والتبذل فيما تنشر من أخبار ومقالات وقصص. ويقول ستيد: ان الصحف يجب أن تحتذي بهيئة الاذاعة البريطانية ولا تحقق ربحا أكثر من 8% من رأس المال ولا يجوز أن تتجاوز هذه النسبة. هذا هو الاقتراح الأول فهل يوافق عليه من حيث المبدأ أصحاب الصحف المصرية؟ الاقتراح الثاني: تشكيل مجلس مستقل يشرف على الصحافة, وصاحب هذا الاقتراح هو مجلس العموم البريطاني, ويحدد مجلس الصحافة المستقل حقوق الصحفيين وواجباتهم, ويكون أعضاء هذا المجلس ممن يتصفون بالنزاهة والعدالة, ويوكل إليهم الاشراف على الصحافة المصرية لصالح الصحافة ذاتها ولصالح الشعب كله. الاقتراح الثالث: عهد شرف للصحفيين, وصاحب هذا الاقتراح هو الأمم المتحدة, وينص العهد أو الميثاق على أن يتحرى الصحفي الدقة فيما ينقله من أخبار والأمانة في رواية كل ما يأتيه منها دون اخفاء شيء منها لمصلحة خاصة, وينص على رعاية المصلحة القومية العامة والبعد عما يضر بهذه المصلحة من الشائعات والأراجيف, وينص على احترام سمعة الغير والنأي عن سوء الأخبار التي تنال منهم في حياتهم الخاصة دون أن يكون من وراء هذا منفعة عامة. الاقتراح الرابع: الزام الصحافة باحترام حرية الصحافة, وصاحب هذا الاقتراح هو إيرون كانان رئيس تحرير أفضل الصحف الأمريكية (كريستيان ساينس منيتور) . فحرية الصحافة قد تتعرض للتقلص من الصحافة نفسها, فهناك قيود الحزبية التي تجعل من أصحاب الصحف أداة في يد الحزب الذين يتبعونه, وهناك قيود الاعلان, فالمصدر الأول للصحف الكبرى هو الاعلان التجاري, وهو ما يخضع سياسات تحرير الصحف لسطوة ومصالح كبار المعلنين, وهناك قيود من داخل الصحف نفسها.. على رأسها الاستمرار في الخطأ ورفض نشر التصويب والحقيقة. ولم يؤخذ بهذه الاقتراحات, فقد ساد بين الصحافيين اعتقاد بأنها محاولة التفاف من جانب السلطة الثورية الجديدة على حرية الصحافة, خاصة بعد أن نشر إحسان عبدالقدوس مقاله الشهير (الجمعية السرية التي تحكم مصر) أثناء أزمة مارس 1954 وترتب عليه اعتقاله والقبض عليه ودخوله السجن, وبعد أن خرج منه استقبله جمال عبدالناصر, وفهم منه ان الزمن تغير, فراح يكتب الروايات العاطفية والاجتماعية مبتعدا عن السياسة. وفي غرفة مكتب إحسان عبدالقدوس اناء الشرب الذي كان يستعمله في السجن, وتوترت العلاقة بين كامل الشناوي وجمال عبدالناصر بعد أن راحت التقارير السرية تذكر ان كامل الشناوي (يلسن) ويسخر من جمال عبدالناصر ويلقي عليه النكات, ووجد كامل الشناوي نفسه أكثر في كتابة القصائد العاطفية والدخول في مغامرات نسائية فاشلة, وشعر عباس العقاد بالقلق عندما سمع جمال عبدالناصر يقول بعد نجاته من حادث المنشية انه هو الذي علم الشعب المصري العزة والكرامة, لقد كانت السلطة الثورية الجديدة غير قابلة للنقد ومن ثم كانت تجد في الصحافة مشكلة ليست هينة, وفي الوقت نفسه كان الفساد في الصحافة هو الثغرة التي نفذت منها لتقليص حريتها بدعوى تنظيمها. ومن جانبها حاولت السلطة الثورية الجديدة أن توجد لها صحافة خاصة بها تعبر عنها, فأصدرت مجلة (التحرير) وجريدة (الجمهورية) . وقد شدت (التحرير) الناس إليها, لكنها بعد سنوات تدهورت وأغلقت. أما (الجمهورية) فقد صدر ترخيصها باسم جمال عبدالناصر, وظل الفارق بين الثورة والحكومة فيها ضائعا, وفيما بعد صدرت مجلة (بناء الوطن) لتنضم لعائلة الثورة الصحافية, وعلى الرغم من الامكانيات المادية التي أتيحت لها إلا أن مصيرها كان محتوما, الاغلاق, فالصحافة لا تتنفس إلا في الهواء الطلق.