أسأل الله تعالى ألا تكون الملحمة الفلسطينية الدامية الدائرة في القدس والخليل وغيرهما من مناطق الضفة وغزة من تدبير قيادة السلطة الفلسطينية فلو انها كذلك فإنها ـ قياسا على سوابق ـ سوف تجهض, عمدا قبل ان تبلغ منتهاها وتؤتي ثمارا ناضجة. وبالقدر نفسه احب ان اتصور ان هذه الانتفاضة ـ على عنفوانها وتسارع ايقاعها الرهيب ـ ليست انفعالة حماسية عابرة. ثمة مؤشرات يمكن ان توحي بأن القيادة الفلسطينية الحكومية هي المخطط والمدبر. فقيادات الاجهزة الامنية الفلسطينية تتحدث عن اتصالات مع نظرائهم الاسرائيليين حول (وقف اطلاق النار) .. وعلى مستوى اعلى يتصل رئيس الحكومة الاسرائيلية مع الرئيس عرفات طالبا منه (تهدئة) الاوضاع وكأن عرفات هو الذي اشعل فتيل الغضبة الجماهيرية لكن رغم هذا الايحاء السلبي لا تتوافر ادلة قاطعة تثبت ضربة لازب ان المبادرة في هذا السياق بين رجال السلطة الفلسطينية. ان من الانطباعات التي ارتقت الى مستوى حقائق ثابتة ان القيادة الفلسطينية تنظر في المعضلة الفلسطينية على اساس ان يكون الشارع في خدمة المسار التفاوضي لا ان تكون المفاوضات في خدمة ما يريده الشارع, علما بأن السقف التفاوضي الذي تتبناه القيادة بعد سلسلة من التنازلات الجوهرية لمدى سبع سنوات تقلص الى مستوى الاختناق. ونقر بأن انتفاضة جماهيرية كاسحة وعارمة وبلا قيود او حدود او تحفظات مترددة تزعج القيادة الفلسطينية بقدر ما تزعج الاسرائيليين, فالقيادة الفلسطينية تخشى من ان انفلات الشارع قد يفرز وضعا لصالح التيار الاسلامي الفلسطيني على حساب القيادة التقليدية المتمثلة في سلطة الحكم الذاتي. على هذا الاساس تتعامل القيادة الفلسطينية مع الشارع بطريقة (السويتش) : يفتح (السويتش) ليغلي الشارع.. وسرعان ما يغلق عندما ترى القيادة ان الغليان الجماهيري بلغ درجة قد يتعذر بعدها السيطرة على توجه الشارع. هذا المنهج يعكس نوع التفكير الذي تسترشد به القيادة الفلسطينية. فالهدف الاستراتيجي الاعظم ليس تحقيق حلم الدولة الفلسطينية كاملة الاستقلال والسيادة بقدر ما هو الابقاء على القيادة نفسها. وقد آن الآوان لان يسترد الشارع الفلسطيني زمام المبادرة, ولكن كيف يتسنى له استرداد المبادرة اذا كانت الفصائل المعارضة بغض النظر عن اختلاف توجهاتها الايديولوجية متفرقة ومشتتة. غير ان الشعب الفلسطيني ليس بلا تراث, وفي هذا الصدد فإن من المتاح الاستفادة من درس تجربة انتفاضة الثمانينيات وهما في الواقع درسان: أولا: لقد تواصلت تلك الانتفاضة التاريخية لمدى اكثر من ثلاث سنوات ابتداء من أواخر عام 1987 لا لأن الغضب العام كان اشد حدة آنذاك وانما لانه كان للانتفاضة قيادة موحدة كانت تمثل كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني داخل الاراضي المحتلة. ثانيا: ان الانتفاضة ذهب ريحها لأن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة عرفات في الخارج عمدت الى مقايضة الانتفاضة بالاستثمار الدبلوماسي السلمي قبل ان تبلغ ذروتها.. وبذلك جرى تنفيس الغضبة الجماهيرية بلا ثمن. فهل تستفيد فصائل المعارضة من مرارة هذين الدرسين فتعمد الى استرداد المبادرة في الشارع بخلق قيادة موحدة كخطوة أولى؟