عندما تسلم الرئيس بشار الأسد دفة الحكم في سوريا ألقى خطابا تاريخيا شاملا, بمناسبة تأديته القسم الرئاسي أمام مجلس الشعب, كرس الجانب الاكبر منه للوضع الداخلي السوري, داعيا الى استراتيجية اقتصادية تنموية تجمع بين الشفافية والتغيير المتدرج, مشددا على دور المؤسسات التي ينبغي ان تمثل سمعة الوطن ووجهه الحضاري, وتعكس فكرا ديمقراطيا ينبثق من خصوصية الوطن وخلفيته الثقافية وتراكماته التاريخية ومعطياته الحضارية, ولا ينفصل عن حاجات المجتمع ومقتضيات الواقع. ولأن الديمقراطية ليست مجرد الانتخاب او حرية الكلام والنشر فقد حض الرئيس على ان تكون الديمقراطية حقوقا للآخرين, قبل ان تكون حقوقا لنا, لتصبح طريقا ذا اتجاهين تمر عبره الممارسات السياسية والاقتصادية بعيدا عن المصلحة الشخصية والنظرة الانانية, ليغدو الوطن في نهاية الطريق هو الهدف الاسمى, والغاية العليا لحركة الفرد والجماعة. وقد جاءت الاحداث لتؤكد هذا التوجه الاستراتيجي للرئيس وللمدرسة السياسية التي يتبعها. فإذا كان الهدف تقدم الوطن وسعادة المواطن والتصدي للتحديات الكبيرة التي تواجه الشعوب, فلا أهم ولا اقدر من الشفافية على اتاحة الفرصة لتحقيق ذلك كله. فالشفافية هي التي تضمن الصدق في الاداء والصدق في المساءلة, لأن العمل العام من حيث طبيعته البشرية يعتريه الخطأ, ولو لم تكن هناك هذه الشفافية في مراقبة مؤسسات الدولة فسوف تستشري الأخطاء ويكبر حجمها في الظلام. ولا شك في أن هناك مياها كثيرة سوف تندفع في نهر المسيرة السورية في غضون الاشهر القليلة المقبلة من عهد الرئيس بشار, وظني ان كثيرين يراقبون هذه المسيرة سواء في العواصم الغربية او في العواصم المحيطة, بعضهم يراقب بعيون متحفظة, والبعض الآخر بعيون محبة يملأها التفاؤل بالمستقبل. ولعل النظرة المتابعة تكشف ان سوريا في العهد الجديد قد تجاوزت مناطق الخطر في الخاصرة اللبنانية, وهو ما عكسته الانتخابات اللبنانية الاخيرة. فهذه الانتخابات التي يرى بعض المراقبين انها كانت معركة (كسر عظام) ـ اذا صح التعبير ـ قد خرجت بالوجه السوري ناصع البياض, فلم تترك سوريا لأحد مجالا للوم, او طريقا للغمز واللمز. ذلك ان الانتخابات اللبنانية كانت لبنانية لحما ودما, وقد عكست الصناديق ارادة الناخبين واختياراتهم بعيدا عن اي ضغوط خارجية. العلاقات السورية ـ اللبنانية بالغة الحساسية, وهو ما يتيح مجالا كبيرا للمناورة, وربما للمزايدة, ولكن الانتخابات الاخيرة اثبتت بشكل واضح ان الوجود السوري في لبنان انما يهدف الى تحقيق مصلحة اكبر من المصالح الضيقة (التي يتخيلها البعض) وهي حماية الخاصرة السورية. اما وقد انسحبت اسرائيل من الجنوب اللبناني, فإن التفكير السريع فيما هو مطلوب من سوريا في لبنان هو ما يجري التفكير فيه الآن في دوائر صنع القرار في دمشق. لعل واحدا من اهم اركان سياسة الرئيس الراحل حافظ الاسد سواء محليا أو عربيا أو دوليا هو ركن الصدقية الذي كان يعتمده حيال العدو والصديق على حد سواء, وهو ما جعله يحظى بثقة اصدقائه واعدائه في انه سيفي دائما بوعوده ازاء اي قضية من القضايا التي كان طرفا فيها. ولقد ورث الرئيس بشار هذه الخصلة السياسية من والده الراحل, وهي ـ ولا شك ـ تمثل ركنا مهما وحاسما على الصعيدين الداخلي والخارجي. من هنا تجيء اهمية البيان السياسي الذي وقعة تسعة وتسعون مثقفا سوريا ونشرته الصحف الاسبوع الماضي, حيث يعطي مثالا مؤكدا لهذه الصدقية السياسية التي نتحدث عنها. والذين وقعوا على البيان ليسوا من طلاب المناصب, كما انهم لا تنقصهم الخبرة والدراية السياسية, بل انهم جميعا قد خبروا العمل الثقافي والسياسي, وكان الهاجس السوري هو همهم وغايتهم, كما تهيأت لهم خبرات واسعة جعلتهم يوقنون بأن مصير أمتهم العربية رهن للاختيار بين طريقين: اما طريق التعددية والتفاعل بين الرأي والرأي الآخر وحكم المؤسسات, وإما طريق الفوضى التي يحتمها الحكم الشمولي القطعي. لقد كتب البيان بصيغة لا يملك المتابع الا ان يحترمها فهي لم تعتمد لغة المزايدة او الانتهازية, كما لم تلجأ الى لغة الغرباء عن الثقافة العربية وتاريخ العرب الحديث من اخفاقات وسرقة للشعارات, بل هو بيان حضاري ان صح التعبير. فالبيان يطالب بالديمقراطية بوصفها وسيلة للتحديث والتواؤم مع العصر, لا شكلا من اشكال الحكم المفرغ من محتواه الحقيقي. يقول البيان: (اذا كانت بعض الدول الكبرى تستخدم هذه العبارة (الديمقراطية) بشكل انتقائي لامرار سياستها وتحقيق مصالحها, فإن التفاعل الحضاري بين الشعوب بعيدا عن منطق الهيمنة وسياسة الاملاء, قد سمح لشعبنا في الماضي ويسمح له في المستقبل, بأن يتأثر بتجارب الآخرين ويؤثر فيها, مطورا في خصوصيته غير منغلق عليها) . يشير البيان الى ان سوريا امامها ثلاثة تحديات في بداية القرن الواحد والعشرين هي السلام, والانفتاح والتحديث, وهي ثلاثة اعمدة تتمحور حولها التحديات التي تواجه سوريا في المستقبل. لقد حظيت سوريا في الثلاثين سنة الماضية باستقرار ليس له مثيل في تاريخها الحديث, هذا الاستقرار هو الذي جعل من الممكن بناء شريحة اجتماعية واسعة من الطبقة الوسطى مستقرة وآمنة, ومن الطبيعي في تطور الشعوب ان هذا الاستقرار يفرز مطالب سياسية تبنى عليه وتواكبه. بيان المثقفين السوريين هو ايضا طلاق مع الماضي الثقافي والسياسي الذي خبره جيلنا, فقد كان الرفض لكل ما هو قائم هو منطلق (المعارضة) بأشكالها المختلفة, وكان هذا الرفض يمثل غذاء للجماهير, مما جعل الحاكم في كثير من الاصقاع يسلك, في ردة فعله, مسلك التصفية والتربص, وهو ما أوجد مناخا مريضا في العمل السياسي قاطبة لا يزال بعضنا يعاني منه واقعيا او معنويا, وهو مناخ اقل ما اسفر عنه انه عطل العمل الوطني عن اللحاق بالعصر, وأخرج أسوأ ما في الانسان من بغضاء ورغبة في الانتقام المتبادل, حتى قيل ان الذين قتلوا من العرب بأيد عربية اكثر من عدد شهدائهم في حروبهم مع اسرائيل! بيان المثقفين السوريين بيان واقعي عملي يسير جنبا الى جنب مع ما يتوخاه بشار الاسد, وهو يمثل ما عكسته روح خطابه الذي ألقاه في حفل تنصيبه رئيسا للجمهورية, وهو ربما يسري في ضمير كل الجيل الجديد وكل اهل الخبرة البعيدين عن الفساد في سوريا. ولعل من الحكمة ان ننظر الى هذا البيان على انه بيان شجاع, ليس في توقيت اعلانه في هذا الوقت فحسب, ولكن شجاعته الاكبر تتمثل في انه نبذ من سطوره كلمات المزايدة والانفصال عن الماضي وتجربته. فمن حق الوطن ان يحرص على جبهة وطنية متماسكة, لها قواعد محددة ومعروفة في اللعبة السياسية, حريصة على حق المواطن في ابداء الرأي والمشاركة في تطوير البلاد وحرية الاجتماع والصحافة. ان سوريا بلد عربي كبير وفاعل, وهو يملك دورا مؤثرا على الصعيدين الاقليمي والدولي, ومن ثم فإن استقرار سوريا يمثل رقما مهما في معادلة استقرار الشرق الاوسط. فضلا عن تمتع هذا البلد بالكثير من الامكانات الاقتصادية في مجالات عدة, الى جانب التراكم الفكري والثقافي والخبرة البشرية, وكل ذلك يمثل في جملته سندا للعرب ودعما لطموح الامة العربية. ومن حسن الطالع ان التغيير السلمي المتدرج الذي تنشده الادارة الجديدة في دمشق, هو نفسه مطلب اهل الرأي ايضا في سوريا. وإذا كانت الزراعة لها مواسم, كما كان يقول المرحوم الملك الحسن الثاني, فكذلك السياسة لها مواسم, ومن ثم فلقد حان موسم التطور السياسي السلمي في سوريا بقيادة رجل شاب, أكد ـ اول ما أكد ـ ان الصدقية هي عملة نادرة تمسك بها والده الراحل فأجمع على احترامه اعداؤه قبل اصدقائه, ويتمسك بها بشار بدليل صدور هذا البيان للمثقفين السوريين الذين قالوا في نهايته: (ان أي اصلاح, سواء أكان اقتصاديا ام اداريا ام قانونيا, لن يحقق الطمأنينة والاستقرار في البلاد ما لم يواكبه الاصلاح السياسي المنشود. فهو الوحيد القادر على ايصال مجتمعنا (السوري) شيئا فشيئا الى بر الامان) .