قبل ان يحزم المناضل العجوز ياسر عرفات وجماعته حقائبهم من معسكر كامب ديفيد جلس اليه كلينتون ووزيرة خارجيته ليقنعاه انهما يقدمان له فرصة العمر الاخيرة ليسجل اسمه كمناضل, وكرئيس دولة فلسطين صنع سلاما لشعبه وامته, وطلبا منه ان يوافق على كل ما تقدم من مقترحات وحينما شعر المناضل العجوز الذي تكسرت ايام عمره على صخرة سيزيف بأن بخار المساومات بدأ يغلف هواء تلك الغرف الصغيرة التي جمعت الثلاثة ووجد نفسه يجر في حديث يشبه احاديث السماسرة العظام الى التوقيع باسمه على خسارات تهز تاريخ شعبه ونضاله, احمرت عينا العجوز وازدادت ارتجافات شفتيه ونهض المارد العربي فيه وقال لهما انا رجل كبير في السن جئت ابحث عن سلام عادل واحمل امانة كبيرة فلا تجعلوني بعد هذا العمر أفعل ذلك, وحينما قال له كلينتون انه لن يجد فرصة اخرى ولن يجد من يسانده في الشرق الاوسط اذا عاد ولم يترك بصمته على وثيقة التسليم وانه اذا لم يستغل فرصة حماس رئيس اكبر دولة في العالم تحاول ان تقف الى جانبه, اشتم العجوز المناضل ما تعنيه الكلمات.. صمت او لم يصمت لكنه رفض العرض مفضلا العودة بحقائبه التي يعلم انها لا تحوي الا دماء شعبه بأطفاله ونسائه بشيوخه وعجائزه بمناضليه المتشحين بسواد الموت والتضحيات, رفض وهو يدرك ان صنبور الدم الفلسطيني مفتوح لآخره.. وبعد الصمت او الرفض وارتفاع نسبة بخار المساومات على مصير شعب وتاريخ ومقدسات أمة, ارتجفت شفتا العجوز فارتفع صوته في تلك الغرفة الصغيرة, فصرخت اولبرايت في وجه العجوز الذي يكبرها سنا: اعلم انك تحدث رئيس الولايات المتحدة. عاد العجوز المناضل بحقائب دم شعبه واوراق حقوقه وسنوات طويلة من القهر والذل والموت المجاني .. كلها لا ترضي اسرائيل. ومنذ اللحظة الاخيرة والكلمة الاخيرة في تلك الغرفة وفرصة التنازل الاخير الى اليوم وأبخرة المساومة الفاشلة تتصاعد في منتجع كامب ديفيد تغذي آلة الحرب العدوة بالبارود وتغذي قلوب العساكر بالبطش والظلم, فلماذا نستغرب وصنبور الدم الفلسطيني مباح لتلك الآلة الوحشية, ولماذا نستهجن صمتنا تجاه ما يحدث؟ ما قيمة ذلك الدم؟ صبي يجري بحجر, وأمه التي مزق الهلع والقهر وجنتيها تستصرخ فيه عروبته, وعسكر يدوسون بأحذيتهم تاريخ شعب وامة نحن منها, لماذا نستهجن صمتنا ونحن نعلم علتنا وداءنا؟ لن تقوم لنا قائمة, جملة حفرتها فينا هزائمنا التي نلوكها يوميا على طاولاتنا, عزنا الذي ترهل فينا, صديقنا الخوف الذي نام في مخادعنا, استسلامنا, واشياء كثيرة شوهتنا, فما الذي بقي فينا ونحن ننام في خدر المسلمات الجديدة التي يصنعها لنا الآخرون؟ الفأر الشهير في عيادات علماء النفس يسلك الطريق الصحيح في المتاهة ليصل الى هدفه, فمن يعيد لنا التجربة العلمية لنستدل على مصائرنا ومقدرتنا وعزتنا التي ضيعناها؟ آخر الكلام..لا تقرأوا أخبار الشهداء ولا اسماءهم لانهم لا يريدون ذلك منا, تحرك الحديد بالبارود, سدوا انوفكم الباريسية وانعموا بأغنيات الـ (اف ام) , فمثلما تهز جنازير الدبابات جدران المقهورين في الارض تهز الاغاني الدماء الباردة.