في خريف 1954 تعرض جمال عبدالناصر لحادث ميدان (المنشية) بالاسكندرية انطلقت الرصاصات وهو يلقي خطابه الشهير وسط الجموع, وأمام تماسكه الذي كان ملفتا للنظر راحت الجماهير تهتف وتصرخ بحياته, وفي تلك اللحظة اصبح جمال عبدالناصر هو المسيطر على السلطة بلا منازع, لأول مرة منذ قيام الثورة, وبعد أكثر من عامين من الصراعات داخل مجلس قيادة الثورة من ناحية, وبين مجلس قيادة الثورة والقوى السياسية الاخرى من جهة أخرى, ولم يكن من الممكن الاستهانة بهذه القوى, فقد كانت تنظيمات الشيوعيين والاخوان المسلمين شديدة التغلغل والتأثير. وقد استغل حادث المنشية دعائياً بصورة متقنة وبارعة للترويج لجمال عبدالناصر وفي هذه اللحظة الانقلابية بالتحديد, لابد أن نعرف كيف عالجها هيكل, لقد وصف جمال عبدالناصر في البداية بالمحظوظ, وقال: إن جمال عبدالناصر رئيس وزراء مصر الذي تعرض هذا الاسبوع لثماني رصاصات كان جنوده في فلسطين يعتقدون أنه (محظوظ) و(كان جمال عبدالناصر نفسه يكاد يصدق ما يقوله جنوده. روي يروهان كوهين الضابط الاسرائيلي الذي قابله المحظوظ عبدالناصر في فلسطين أنه قال لعبدالناصر وقد قابله على بعد بضعة أمتار من الخطوط اليهودية: (ألا تخشى ان تقترب من خطوطنا إلى هذا الحد؟) فضحك جمال عبدالناصر وقال: (إن جنودي يعتقدون اني محظوظ) وكان جمال عبدالناصر عندما كان أركان حرب الكتيبة السادسة يركب سيارة الجيب ويخرج من أحد المواقع إلى موقع آخر مارا بقطاع مكشوف وكان رصاص المدافع الرشاشة يلاحقه وسيارته تندفع تسابقه) وكان هيكل يقصد بهذه القصة أن يؤكد أن شجاعة عبدالناصر التي واجه بها رصاص حادث المنشية بثبات أثار دهشة العالم لم تكن جديداً عليه. ثم بعد قصة (المحظوظ) دخل هيكل في الجد وكتب في افتتاحية أول عدد من آخر ساعة بعد الحادث (العدد 1049 في أول ديسمبر 1954) مقاله بأكثر من عنوان: (هذه هي النقطة التي نقف فيها اليوم بالتحديد) (جمال عبدالناصر يتحمل المسئولية كاملة منذ هذه الدقيقة) (لن يقبل التاريخ عذراً, ولن يلقي السمع إلى حجة) . وأتصور أن قراءة الافكار والفقرات البارزة في المقابل تعطينا الفرصة كاملة لنعرف رؤية وشعور هيكل في تلك اللحظة التاريخية التي اصبح فيها جمال عبدالناصر الكل في الكل. ان هيكل منذ الكلمة الأولى في المقال يحدد ذلك بوضوح, فيقول: (إن المسئولية الحقيقية للذين قاموا بالثورة تبدأ اليوم هذا رأيي وأغلب ظني ان هناك كثيرين يشاركونني فيه, لقد كان الذين قادوا هذه الثورة إلى عهد قريب أفرادا عاديين في المجموع الكبير التائه وسط الزوابع التي كانت تهب على وطننا) لقد استولوا على السلطة في 23 يوليو 1952 لكن هيكل يستطرد: (إن الابواب لم تفتح لهم في تلك الليلة, فقد كانت قوى لا تريد لهذه الأبواب ان تفتح, وكانت هناك عقبات, وكانت هناك كتل ضخمة من الصخور تسد المنافذ والمداخل, وكان لابد من وقفة طويلة إعادة تنظيم صفوف المجموع الكبير المبعثر وتجميعه في صفوف منتظمة لمعاودة الهجوم وفي الوقت نفسه كانت هناك محاولات واسعة جريئة لمعالجة الابواب المستعصية وتذليل العقبات ورفع كتل الصخور) . لقد أزيلت عقبة فاروق, وتفتت أسرة محمد علي, واقتلعت جذور الفساد السياسي, وانتهت عقبة الاحتلال البريطاني, ثم كان (هناك باطل تحت ستار الحق وضلال يتمسح باسم الهدى, وانكشفت الأستار, وعلى وهج الرصاص والديناميت والقنابل بان الضلال ظاهرا سافراً أبعد ما يكون عن الهدى. وكان انهيار الرجعية باسم الدين انهيارا لآخر حصون المقاومة المنظمة على أبواب المستقبل) . كان هيكل يقصد الحرب الشرسة بين الاخوان المسلمين وجمال عبدالناصر, وقد تصور هيكل أن التخلص منهم في ذلك الوقت قد مهد الطريق وأزيلت آخر العقبات امام الثوار كي يسيطروا على كل شيء, ثم ان (الجموع مستعدة وراءهم) و(النفوس أقرب إلى الصفاء منها الى الحقد) و(العقول اقرب الى الوعي منها الى الاوهام) و(القلوب اقرب الى الثقة منها الى الشك) و(ليس على الطريق عقبات) (إننا لم نكن في يوم من الايام اقرب الى تحقيق كل الذي حلمنا به لوطننا مما نحن الآن, وهنا المسئولية الكبرى للذين قاموا بالثورة وهي مسئولية قل أن يلقي التاريخ مثلها على فرد أو مجموعة من الأفراد, ولن يقبل التاريخ عذراً ولن يسمع حجة, ودعونا لا نخدع انفسنا ولا نضع رؤوسنا في الرمال, إن جمال عبدالناصر وزملاءه اليوم في ظرف لم يهيأ من قبل لحاكم وطني, والمسئولية الواقعة عليهم مسئولية لم تستقر على كتف مصري من قبل, ومرة اخرى اقولها واضع تحتها الف خط وخط, لن يقبل التاريخ منهم عذرا ولن يستمع منهم إلى حجة) . انتهى. الاخوانجية اشتكوا كان الخلاف بين جمال عبدالناصر والاخوان المسلمين قد وصل الى طريق مسدود بعد توقيع اتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا لقد شن الاخوان اكثر الحملات السياسية والدعائية شراسة ضد جمال عبدالناصر, وراحت المنشورات والتصريحات تهدد وتتوعد, وتقطع وتمزق, وراحت الصحافة الاجنبية تنشر وتشهر (الهضيبي (حسن الهضيبي المرشد العام للاخوان) يعلن عداءه الصريح ويهدد حكومة جمال عبدالناصر بعرقلة اتفاقية الجلاء) (قولوا لا أو نعم هل اجتمع عبدالناصر في شرم الشيخ برئيس الاركان الاسرائيلي واعقب ذلك تجريد المجاهدين الفلسطينيين من السلاح وتخفيض عدد الجيش) (جمال عبدالناصر يدعي النبوة ويبني سياسة مصر على علم الغيب وقراءة النجوم) (جمال عبدالناصر يزور تركيا لبحث إمكانية انضمام مصر والدول العربية إلى حلف تركيا ـ باكستان) (مظاهرات ومعارك دامية في مصر) (جمال عبدالناصر يخشى على حياته من الاخوان ويبدأ بحملة لاعتقال زعمائهم) . وفي الوقت نفسه وقف هيكل إلى جانب جمال عبدالناصر في قضية الجلاء ووجه اليه كل ما يملك من اضواء ومكياج, فهو يصف يوم توقيع معاهدة الجلاء بيوم العيد, وهو في مقاله الذي كتبه بهذه المناسبة في آخر ساعة (العدد 1032 في تاريخ 4 اغسطس 1954) يعلن أنه لا يستطيع ان يخفي اعجابه بجمال عبدالناصر في موقفين وقفهما هذا الاسبوع) الموقف الأول في قاعة اجتماعات مجلس الوزراء ليلة توقيع اتفاقية الجلاء وكانت القاعة ملأى عن آخرها بأكثر من مئة صحفي نصفهم جاءوا من بلاد العالم البعيدة ليشهدوا يوم الثورة فشهدوا معه يوم الجلاء, وكانوا جميعا يحيطون بجمال عبدالناصر وكان جو القاعة ضاحكا يسبح في خيالات الاماني التي تحققت, وقال أحدهم, زميل صحافي جاء من الولايات المتحدة موجها كلامه الى جمال عبدالناصر: هل يرى الرئيس أن هذا اليوم يعتبر عيداً قوميا؟ وتطلعت الأنظار كلها إليه وكان يبدو للجميع أن هذا السؤال بديهي لا يحتاج إلى جواب, وإذا جمال عبدالناصر يقول بهدوء وبلهجة قاطعة حازمة: لا إن يوم العيد القومي هو يوم يخرج آخر جندي بريطاني بالفعل, وكان هذا هو الموقف الأول. (ولقد كان الموقف الثاني في اليوم التالي لعقد اتفاقية الجلاء كان اليوم حافلا صاخباً, وكانت رئاسة مجلس الوزراء تودع بمظاهرة لتستقبل بمظاهرة وكان المئات من أفراد الشعب يخترقون الحصار الى مكتب جمال عبدالناصر ليهجموا عليه في حماسة متلهفة منطلقة بالعناق والقبلات, وفجأة قبل ان يخرج جمال عبدالناصر من مكتبه في ذلك اليوم أصدر أمره بمنع المظاهرات في الغد, وبهت الذين تلقوا منه الأمر, لماذا زهد الرجل بهذه السرعة في اسطورة البطولة التي عاش فيها يومه المشهود؟ لماذا زهد في المواكب الصاخبة والمظاهرات الحاشدة تهتف باسمه وتتجه اليه؟ لماذا زهد في مظاهرات المجد وأكاليل الغار التي تلقى اليه بلا حساب؟ وسألت جمال عبدالناصر ليلتها وسأله غيري عن السبب, وقال: لا ينبغي أن يظن الناس أن كل امانيهم قد تحققت ولم يبق عليهم إلا أن يحتفلوا بالعيد اننا مازلنا في أول الطريق وعليهم ان يعرفوا ان مرحلة شاقة تنتظرنا, لا أريد أن يستغرقهم الفرح وتلهيهم النشوة فينسوا ان امامنا تفصيلات ينبغي أن تناقش بصبر وجهد وأمامنا بعدها عشرون شهرا يجب أن تمضي في حذر وترقب وبعدها تنتظرنا مسئوليات لا أول لها ولا آخر لكي نلحق بالدنيا ونعوض كل ما فاتنا) . والحقيقة ان حملة الإخوان المسلمين على جمال عبدالناصر ـ والتي اتهمته بالكفر والإلحاد وانكار يوم الحساب والتشكيك في الآخرة ـ لم تتوقف عن مطاردته حيا, وميتا, ولا يمكن إنكار أن هذه الحملة نجحت في تصوير جمال عبد الناصر في المخيلة الشعبية العامة معاديا للدين, وقد سأل عماد أديب هيكل في برنامج تلفزيوني عن قصة الحوار الذي دار بينه وبين جمال عبدالناصر الذي استخدمه البعض في التشكيك في رؤية جمال عبدالناصر الدينية, فقال هيكل: (عبدالناصر كان متديناً بطبعه وهذه القصة تؤكد أن هناك للأسف عملية تضليل وتصيد, وأصل الحكاية انني كنت صيفا أضطر للاقامة في الفنادق لأن عائلتي كان تذهب للاسكندرية وكنت اضطر للبقاء في القاهرة لظروف عملي في الأهرام, كان عبدالناصر يتصل بي تليفونيا في الهيلتون فأصف له جمال منظر النيل من روف الهيلتون وأعطيه صورة مشرقة عن الحياة في الفنادق, واثناء مؤتمر القمة أخذ عبدالناصر جناحا في الدور (12) وكان كل الرؤساء موجودين وفي أحد المرات دار بيننا حوار كان حاضرا فيه انور السادات وحسين الشافعي, والذي حدث بالتحديد ويكاد يكون بالنص أن عبدالناصر قال: (أدينا قاعدين في الهيلتون ياسيدي.. بس رسمي) فقلت له: الناس تحت بيستمتعوا وقاعدين يشربوا ويأكلوا ويعوموا فسأل: والحساب .. قلت له: الحساب يوم الحساب.. فقال: يعني مفيش حساب.. وهذه هي القصة الحقيقية التي حرفوها وحوروها. حكاية (فلسفة الثورة) في عام 1953 اقترح هيكل على جمال عبدالناصر أن يكتب مذكراته عن حرب فلسطين, واستجاب جمال عبدالناصر وسوّد بالفعل خمسة مقالات نشرت باسمه, وفي العام نفسه نجح هيكل في إقناع جمال عبدالناصر بأن يشرح أفكاره الوطنية والقومية والعربية والاسلامية في كتاب (فلسفة الثورة) . إن الحاكم لا يصبح زعيما إلا اذا جاء وبيمينه كتاب, هتلر ولينين وماوتسي تونج, مثلا, والأنبياء الذين سادت رسالتهم السماوية هم الذين نزلت عليهم كتب مقدسة, بينما لا يذكر الناس أسماء مئات الأنبياء, جاءوا وتلقوا التكليف وبشروا, ثم تعرضوا للاضطهاد واختفوا, ان الكتب تحفظ الانبياء والزعماء, والكتب توحي بالحكمة والرؤية والمعرفة, وترفع اصحابها إلى مرتبة الفلاسفة والمفكرين. وقد كان جمال عبدالناصر في حاجة لهذا الكتاب حتى لا يبدو مجرد (كولونيل) مغامر مثل كولونيلات وجنرالات جمهوريات (الموز) في أمريكا اللاتينية, حيث كان يستولي على السلطة من يستيقظ مبكرا, وحيث كانت الانقلابات تحدث لأسباب لا معنى لها, قد يكون من بينها الاضطرابات العائلية والمعوية, كان جمال عبدالناصر في حاجة لتقديم نفسه بصورة مختلفة, خاصة وأنها المرة الاولى التي يمارس فيها ضباط الجيش السياسة والسلطة, وما هو سائد عن ثقافتهم ومعرفتهم يتسم بالتواضع في غالبيته, وفي تلك الفترة بالتحديد كانت التيارات والتنظيمات السياسية اليسارية قد فرضت نفسها وآراءها وأفكارها وثقافتها على الجميع, وكانت قادرة على توصيف وتفنيد وتشريح كل ما يعرفه المجتمع من ظواهر وأحداث, ولم يكن رأيها في جمال عبدالناصر مناسبا أو لائقاً في تلك الفترة على الاقل, كانت تراه مجرد ضابط برجوازي جاء بانقلابه العسكري ليعطل تفاعلات الثورة الشعبية الحقيقية ويجهضها, إي أن ما جرى في 23 يوليو 1952 كان انقلابا مبكرا لإجهاض الثورة التي كانت على وشك الانفجار.إ ن كتاب (فلسفة الثورة) كان عملية تجميل ثقافي وفكري وسياسي للبكباشي جمال عبدالناصر ليتحول من ضابط إلى زعيم وجاءت هذه العملية في وقت لم تكن فيه مواقفه الوطنية التي صنعت زعامته وشعبيته قد كشفت عن نفسها, ولعل اسم الكتاب يوحي بذلك, فهي ثورة, ولها فلسفة. في كتابه (الريس) يقول الصحفي الامريكي (روبرت سان جون) : لقد اشترك هيكل وعبد الناصر في كتابة ما أصبح يعرف باسم (فلسفة الثورة) لقد جاء روبرت سان جون إلى مصر في شتاء عام 1960 وقابل عبدالناصر وهيكل و100 شخصية مهمة اخرى وهو يستطرد: إن فلسفة الثورة كان ثمرة نقاش طويل بينه وبين عبدالناصر لكنه هو الذي حرر الكتاب, وقد اكد هيكل ذلك فيما بعد, لقد بدأ كتاب فلسفة الثورة بثلاثة مقالات نشرت في (آخر ساعة) . ثم أعاد هيكل صياغتها لتصبح كتيبا نشرته (هيئة التحرير) وترجمته احدى دور النشر الامريكية بعنوان (تحرير مصر) (1) وفيما بعد, اعترف مراسل صحافي امريكي بأنه كان ينقاش هيكل في خطأ ارتكبه عبدالناصر فسأله هيكل: (وكيف تعرف وجهة نظر عبدالناصر في ذلك؟) فقال المراسل: (إنني أعرف تفكيره معرفة تامة) ثم اخرج من حقيبته نسخة من كتاب (فلسفة الثورة) وراح يقلبه حتى وصل الى فقرة كان يضع عندها علامة وبعد ان قرأها قال: (ها هي واضحة وضوحا تاما بكلمات عبدالناصر نفسه فسأله هيكل مبتسماً: (بكلمات عبدالناصر نفسه؟ أجاب المراسل: (نعم فهذا هو كتاب (فلسفة الثورة) ولابد أنك قرأته؟ قال هيكل: (لابد أنني قرأته؟ نعم قرأته يا صديق وفي الواقع أنا الذي قمت بكتابته) (2) ومنذ ذلك الحين, اصبح هيكل شيئا فشيئا ـ كما يقول الكاتب الفرنسي جان لاكوتور ـ (الشخص المقرب والمستشار ورجل المهمات الدقيقة والنصوص الصعبة على الكتابة والمدير المرن المرح ذو الاسلوب الامريكي قليلاً لكنه في الوقت نفسه مصري جدا ونموذجي جدا في كونه نمطا جديدا من الرجال الاقوياء الواثقين من انفسهم الذين يهوون الحياة المناسبة والقسوة في العمل, هذا النمط أفرخه النظام الجديد في مصر) (3) لقد بدأ هيكل علاقته بعبد الناصر صحافيا ملتزما, ثم عندما قبل دور الوسيط بين عبدالناصر ونجيب الهلالي أضاف لدور الصحافي دور (المستشار) وتدخل في السياسة من دون أن يكون صاحب دور سياسي بالمعنى الدقيق, ثم عندما جرى الصراع بين عبدالناصر ومحمد نجيب انحاز هيكل لعبدالناصر متجاوزا دور الصحافي قليلا ولاعبا دور (خبير الدعاية السياسية) كثيرا. وقد وصل الدور الأخير الى درجة عالية من البراعة بنشر كتاب (فلسفة الثورة) وعند هذه الدرجة تحولت الادوار الى صداقة وحوار متبادل وعلاقة متينة ستميز تاريخهما معا. الدنيا بخير في تلك الفترة كانت (اخبار اليوم) هي محور حياة هيكل وتحولت العلاقة بينه وبين علي ومصطفى امين الى ما يشبه (علاقة أخوة) على حد تعبير هيكل نفسه (4) وكانت علاقته بعلي أمين أكثر خصوصية واكثر انسانية, وقد كان شاهدا على زواجه الاول من (خيرية خيري) وكانت صحافية في (أخبار اليوم) ولا جدال في ان هذه العلاقة تضاعفت بعد أن اصبح هيكل قريبا من جمال عبدالناصر ومسموع الكلمة عنده, حتى ان مصطفى وعلي أمين ادخلاه في الوصية التي كتباها في 31 ديسمبر عام 1953 والتي كانت ستنفذ في حالة وفاتهما (5) وطبقا لهذه الوصية فإن هيكل سيكون واحدا من 10 أشخاص لهم الحق في ادارة (أخبار اليوم) منهم محمد التابعي, وأم كلثوم, وكامل الشناوي, وجلال الدين الحمامصي, وطبقاً للوصية تنتقل ملكية أخبار اليوم (إلى هذا المجلس ولا يكون للورثة الشرعيين الحق (في التدخل أو ادعاء الملكية أو التصرف) . وكما شهد هيكل على عقد زواج علي امين, شهد علي امين على زواج هيكل في عام 1955 كانت الشائعات قد رشحت اسماء فتيات بعينها للزواج من هيكل, لكن هيكل خرج بمفاجأة خيبت كل الظنون والشائعات, كان هيكل في زيارة لعائلة صديقة عندما قابل هناك (رفيقة الدرب وسند الحياة) هدايت علوي تيمور بالصدفة وكانت بصحبة والدتها, ويبدو أن ثراء عائلتها وارستقراطيتها قد صعبا من اللقاء الأول, فقد هاجمت والدتها جمال عبدالناصر بسبب قانون الاصلاح الزراعي, وتحول الهجوم الى (خناقة) ولكن فيما بعد فعل المثل الشعبي الذي يؤكد المحبة بعد العداوة سحره ومفعوله. كانت هدايت مثل شابات ذلك الوقت مهتمة بالعمل الخيري, التطوعي, وكانت نشيطة في جمعية (الهلال الأحمر) واكثر نشاطا في جمعية (الوفاء والأمل) وهي جمعية كانت ترعى المكفوفين تديرها السيدة استقلال راضي, وكان لدى الجمعيةـ التي كانت مزارا لزوجات حكام العالم ـ اهم فرقة مكفوفين موسيقية, ويعترف هيكل بأن هدايت نجحت في أن تنقل اليه الاهتمام بالعمل التطوعي (6) كانت في زيارة (اخبار اليوم) للقيام بحملة واسعة لجمع التبرعات لهذه الجمعية عندما استقبلها هيكل في مكتبه, ثم قدم لها وللجمعية ما هو أكبر من كرم الضيافة, راح يدعو معها الى حملة التبرعات بالكتابة, وبالاتصالات, ويبدو أن سلطان الحب كان في خدمة أعمال الخير. لقد كتب في افتتاحية مجلة (آخر ساعة) (العدد 1044 بتاريخ 27 اكتوبر 1954) مقالة بعنوان (الدنيا بخير) بدت لمن يعرف القصة أنها موجهة لمزيد من لفت انظار هدايت أو لمزيد من إبهارها, قال هيكل في البداية: (الدنيا بخير.. اقولها بعد تجربة.. أنا الذي كنت إلى عهد قريب من هؤلاء الذين يمصمصون شفاههم في حسرة ويهزون رؤوسهم في تزمت ويترحمون على أيام زمان, ايام كانت الدنيا دنيا, والناس ناسا.. والخير يعم كل الارجاء, الدنيا مازالت دنيا ولم تصبح غابة موحشة والناس لم يتحولوا ـمعظمهم على الاقل ـ إلى وحوش بحر ضخمة سوداء هائجة تبتلع في جوفها المظلم كل ما يقابلها على الموج العاصف والشر لم ينطلق حرا طليقا من كل قيد يتخذ من الجماجم كؤوسا يحتسي منها خمور الخطيئة, الدنيا بخير, أقولها ـ كما قلت منذ سطور قليلة ـ بعد تجربة عشتها بعقلي وقلبي وأعصابي. (أما التجربة فهي قصة أسبوع النور والأمل لقد دخل مكتبي في دار اخبار اليوم ذات صباح سيدتان نبيلتان (هدايت واحدة منهما) من الهلال الاحمر ومعهما الرجل الكريم الطيب الدكتور المازني الذي كان وكيلاً لوزارة الصحة وهو الآن يكرس جهده لمشكلة المكفوفين في مصر, ولم أكن في حاجة إلى عناء كبير لكي أجد نفسي أترك مكتبي واخرج معهم أطوف على مؤسسات رعاية العميان في مصر وأعود بعدها الى مكتبي وأنا أقول لنفسي (ما أقل الذي نراه حولنا) ثم أسألها بعد ذلك: كيف لا تخطر هذه المشاكل بخيالنا. ان السياسة وحدها هي التي تبهر عيوننا القاصرة وهي التي تشد اليها تصوارتنا الظمأى فنجري وراءها كالضائع في الصحراء وراء السراب لا يحول عينيه عنه ولا يصل اليه ابداً) . وبعد قليل يقول: (ووجدت نفسي جالسا مع سيدتي الهلال الأحمر والدكتور المازني نناقش الذي يجب ان نفعله لكي ينجح اسبوع النور والأمل ويعود بأكبر من بضعة قروش هزيلة معلومة يلقيها اصحابها بتأفف وتذمر لا يتكلفون مشقة اخفائها, وكان هناك اقتراح أن يتبنى جمال عبدالناصر حملة النور والأمل, وكنت فيما يتعلق به يائساً, وكتبنا أخيرا خطابا إليه ولعلنا كتبناه إبراء للذمة, وإنهاء لإلحاح الأماني, وكانت مفاجأة, فقد رد جمال عبدالناصر بخطاب كان كل حرف فيه ـ في حد ذاته ـ نورا وأملا, ومع الخطاب كانت هناك خمسة جنيهات تبرعا وكان نص الخطاب. (بسم الله الرحمن الرحيم) (حضرات السيدات والسادة أعضاء اللجنة المشرفة على جمع التبرعات لأسبوع النور والأمل. .. تحية طيبة وبعد.. (فأني أرفق مع هذا الخطاب مبلغ خمسة جنيهات أرجو أن تتقبلوها من أجل اسبوع النور والامل, إني أحس بالأسى يملأ قلبي وأنا أتصور حالة مئة ألف مواطن من إخواننا حرموا من نعمة البصر, وحينما أتصور الظلام الموحش الذي شاء القدر أن يعيشوا في دياجيره وأشعر بفداحة المسئولية التي لا بد أن نتحملها نحن الذين قضت مشيئة الله أن نكون أحسن منهم حظاً.. إني أؤمن أن اقل واجباتنا نحوهم أن نجعلهم يرون الحياة بعيوننا, بارك الله القلوب المتحمسة لهذا الهدف وبارك الله الايدي التي سيتيح عطاؤها السخي لها فرصة النور والامل. رئيس مجلس الوزراء جمال عبدالناصر وكان خطاب جمال عبدالناصر كفيلا بفتح باب التبرعات على مصراعيه, تبرع أمير الكويت بألف جنيه, وتبرع المليونير أحمد عبود بخمسة آلاف جنيه, أما الخبر الذي كان يستحق النشر في الصحفة الأولى فكان خبر تبرع توفيق الحكيم بجنيه واحد, وقررت أم كلثوم التبرع بالغناء, وغنت أم كلثوم في حفل جمع بين مناسبتين, زواج هيكل وهدايت, والحفل الخيري للنور والأمل, لقد أصرا على أن يتحول حفل الزفاف إلى حفل النور والأمل, ولأنه لا يتحمل أن يجلس متخشبا لساعات يسمع فيها تخت أم كلثوم فقد ذهب هيكل إلى غرفة أم كلثوم بعد الوصلة الأولى, وما أن رأته حتى ادركت بذكائها حالته, وقالت له ضاحكة: أنا عارفة, خلاص, بدون إحراج, كفاية عليك قوي وصلة واحدة. (7) بعيدا عن الاضواء يقول هكيل: ان زوجته هي ابنة أسرة ليس لها علاقة إطلاقا بالسياسة على الرغم من أن كثيرين من اصدقاء العائلة كانوا من الساسة, مثل الدكتور محمد حسين هيكل (باشا) وفؤاد سراج الدين (باشا) ولكن فجأة بارتباطها بي وجدت نفسها في خضم المعمعة السياسية فقررت منذ اللحظة الاولى تحديد مجالها الذي تتحرك داخله كزوجة وأم وعضو مجلس ادارة جمعية خيرية فقط, وشب عود الأولاد قليلا, وكانت تسافر معي مرات, وفي رحلة للهند شاهدت معي آثار ملوك المغول في (فاتح بورسيكري) ثم تصادفت بعد ذلك رحلة الى الاندلس وهناك بهرتها الحضارة الإسلامية, ومع مضي الوقت بدأت تظهر عليها أعراض الحنين الكامنة في فروع عائلة تيمور وهي عشق دراسة العمارة والفن الاسلامي, ورأت أن تأخذ هوايتها جدا وأن تدرس موضوعها علميا وقررت أن تلتحق بكلية الآثار, كانت قد انهت تعليمها بالبكالوريا الفرنسية ولكن لدخول كلية الاثار كان لابد من ثانوية عامة فبدأت من السنة الاولى وكان كثيرون من اصدقائنا في دهشة وبينهم الرئيس انور السادات الذي قال لها: (غير معقول) أن تصبحي من جديد تلميذة في سنة أولى, ونجحت هدايت في مراحل التعليم الثانوي والتحقت بالجامعة ونالت شهادة التخرج بتفوق مما أتاح لها أن تصبح في سلك التدريس الجامعي, واشك أن احداً عرف ان زوجتي هي المعيدة ثم المدرسة الجامعية هدايت تيمور, واستمرت في منهجها فحصلت على درجة الماجستير وكان موضوع بحثها فيه (العمارة العثمانية في مصر) بعدها استعدت لدرجة الدكتوراه وكان الموضوع الذي اختارته يدور حول تاريخ وخطط بولاق, لكن مشكلتها في أن اصدقاءنا الكثيرين فتحوا امامها كل الابواب, وعلى سبيل المثال فقد كان أحد اصدقائنا وهو السير دنيس هاميلتون رئيسا لمجلس امناء المتحف البريطاني, وهكذا فان جميع قاعات ومكتبات ووثائق المتحف البريطاني تفتحت امامها, وشيء من النوع نفسه حدث لها في (متحف) اللوفر في باريس فانكبت على البحث لتجد نفسها غارقة في مادة تصلح لعشرين دكتوراه, وفي النهاية قررت أنه لا جدوى من تلك الدكتوراه فهي في حد ذاتها ليست هدفها, بل لقد ذهبت الى ابعد من هذا بأن استقالت من الجامعة ايضا لانها لم تعد تستطيع الوفاء بواجباتها الجامعية والعائلية والاجتماعية جمعاء الى جانب اهتمامتها الثقافية والحقيقة انها لم تخرج يوما عن دورها الذي وضعته لنفسها ولا الخط الذي رأت ألا تتعداه وقد فضلت دائما أن تتوارى عن الاضواء العامة. (8) وتقول له سناء البيسي: لقد ظلمتها معك. فيقول هيكل: ربما قد يكون, من حيث أنها لم تكن مستعدة لهذا النوع من الحياة, لكنها تحملتها وتحملت آرائي المختلفة المتصادمة تماما مع خلفيتها العائلية, وتحملت بالتالي الدخول في مناقشات محتدمة مع الآخرين, اذكر مرة في واشنطن ان دعتنا كاترين جراهام صاحبة صحيفة (الوشنطن بوست) دخلت هدايت في مناقشات محتدمة مع ثلاثة من مستشاري الامن القومي تعاقبوا على هذا المركز في البيت الأبيض وكانت حول القضية الفلسطينية, وخرجنا بعد العشاء وركبت الى جواري السيارة وفجأة لمحت دموعها وراحت تقول انها ليست مضطرة بعد الآن لحضور اي مناقشات في امريكا حول القضايا العربية فأعصابها لا تحتمل شعورها بالظلم, ولكن مسيرة الحياة جعلتها تضطر وتحضر وتسمع وتناقش. والحقيقة ان هذه السيدة الرقيقة تتمتع بابتسامة دائمة تجمع بين المجاملة والخجل, وهي شديدة الترحيب بضيوفها في أي وقت وفي أي مكان, لكنها سرعان ما تنسحب في انتظار أن يأتي (محمد) كما تناديه ويبدو ذوقها الكلاسيكي واضحا في اثاث المكتب الذي يعمل فيه زوجها, وبالغرفة الملحقة بالمكتب يحتفظ لها هيكل بلوحة زيتية عمرها يعود سنوات الى الوراء, ويبدو انها تدير بيتها بقواعد تقليدية عريقة تحسب حساب كل شيء, شكل فنجان القهوة, طراز منفضة السجائر, ألوان قماش الأثاث, همسات الخادم الذي يقدم كوبا من المياه, ويندر ان تجد لها صورة منشورة في أخبار المجتمع, فهي مثل النباتات التي لا تزهر إلا في الظل, وهي ترى دائما بما يصل الى اليقين ان زوجها دائما على حق, ان هذه مجرد خواطر عابرة لرؤية خاطفة على سطح الاشياء. ويؤمن هيكل ان الزواج مصير مشترك, مصير واحد لشريكين, (ومن ضروب المأساة أن يخبىء البعض عن زوجاتهم أوضاعهم) على حد قول هيكل الذي يستطرد: (وقد رأيت بنفسي ما يحدث للزوجة بعد رحيل مثل هؤلاء الازواج وما تواجهه من مشاكل لا حدود لها لكي تستطيع ان تلم اطراف اشياء لا تعرف عنها شيئاً. ويصف هيكل فترة اعتقاله بأنها كانت فترة اختبار لمدى صلابة زوجته, لقد كان متوقعا الاعتقال بعدما ترك الاهرام خاصة في الايام التي كان فيها هجوم انور السادات عليه زائدا تجاهه, ومن ثم فقد قال لزوجته: ألا تطلب من كائن من كان طلبا يخصه أو يخصها هي وأبناؤهما وألا تحادث سوى شخصين فقط هما الدكتور محمود فوزي (رئيس الوزراء الاسبق) كصديق هذا اذا ارادت الاستعانة بنصحه وأخذ رأيه في تصرف ما إذا ما واجهتها مشكلة, والشخص الثاني ممتاز نصار المحامي, ومن سوء الحظ انه حين جرى اعتقال هيكل كان الدكتور محمود فوزي قد رحل عن عالمنا وفيما بعد لحق به ممتاز نصار ولا نعرف الآن ما هي الأسماء البديلة لو لا قدر الله وجرى لزوجها مكروه. في المعتقل وقد زارت هدايت زوجها في السجن مرة واحدة بعد شهرين من الاعتقال ويقول هيكل: (أحضر ممتاز نصار إذنا من المدعي الاشتراكي فزارتني مع الأولاد بحضور ثلاثة من الضباط أحدهم من السجن واثنين من مباحث امن الدولة, في اللحظة التي كنت اهبط فيها الزنازين على السلم الحديدي متجها الى البوابة الحديدية التي تفصل بين العنابر وحجرة المأمور كانت هي والأولاد يدخلون من باب السجن فتلاقت خطانا امام باب الحجرة لنجلس بداخلها نصف الساعة التي سمح لنا بها, وكان استيعاب الموقف بهدوئه الظاهري وكأننا اتفقنا عليه مسبقا, وتماسكت هي لتبدو مسيطرة تماما على اعصابها رغم ما اعلمه بما يجيش به تدفق عواطفها, لقد شاهدت الى جانبي الكثير مما حدا بها يوما الى التفكير في كتابة (يوميات) (9) وقد نجحت مساعي ممتاز نصار القانونية في الحصول على تصريح بنقل المعتقل محمد حسنين هيكل لاسباب صحية الى مستشفى (قصر العيني) وكان ابنه علي طبيبا هناك, فطليت حجرة أحد النواب ووضع فيها جهاز تكييف لتصبح زنزانة مؤقتة, ولكن حادث اغتيال السادات وما ترتب عليه من عودة المعتقلين الى الحرية جعل هذه الزنزانة الطبية البيضاء لا حاجة لها, وكان يشغل هذه الحجرة الدكتور مصطفى ابو النصر الذي اصبح فيما بعد جراحا مشهورا ووكيلا لكلية طب القاهرة. تزوج هيكل وهدايت في 27 يناير 1955 ومنذ اليوم الاول للزواج قال لها هيكل: انها غير مطالبة بأية واجبات اجتماعية تجاه صداقاته السياسية, وبالنسبة لجمال عبدالناصر ـ وطبيعته بنشأته العسكرية ـ لم نجتمع على المستوى العائلي, الا في حدود ضيقة, وكانت صداقة معسكرات وليست صداقة صالونات, والحقيقة اننا اصبحنا نرى قرينة جمال عبدالناصر أكثر بعد رحيله, فقد كنا نحرص على زيارتها بطريقه منتظمة, والحقيقة ان هذه السيدة الكريمة عاشت جزءا من حياتها في ظل زوجها وبعده عاشت وليست لها أمنية غير أن تلحق به في مثواه الاخير) . (10) الـهـوامـش: (1) رشاد كامل: (هيكل بصراحة ـ مجلة صباح الخير ـ 15 اكتوبر 1998 (2) المصدر السابق. (3) جمال الشلبي: (محمد حسنين هيكل استمرارية أم تحول (ـ مصدر سبق الإشارة اليه ـ ص 43) . (4) هيكل: (بين الصحافة والسياسة) ـ مرجع سابق ـ ص 43. (5) المصدر السابق: ص 45 (6) و(7) و(8) و(9) و(10) حوار سناء البيسي مع هيكل في مجلة (نصف الدنيا) ـ مصدر سبق الاشارة اليه