تتشكل مواقف الناخبين الامريكيين حيال المرشحين لشغل منصب الرئيس الامريكي من خلال مصادر تختلف بصورة متزايدة عن التقارير الاخبارية المباشرة. وفي حقيقة الامر فإن بعض الدراسات الحديثة توضح ان مصادر المعلومات غير التقليدية قد اصبحت القوى المهيمنة في تشكيل الرأي العام. لقد اصبحت برامج الاحاديث التي تبث نهارا وفي وقت متأخر من الليل وبرامج الكوميديا وبرامج الاذاعات ذات التوجه اليميني بالاضافة الى الاعلانات السياسية المدفوعة تشكل المصادر البارزة التي يستمد منها معظم الامريكيين المعلومات التي تشكل افكارهم عن الحياة السياسية بشكل عام وعن المرشحين للمناصب العامة بشكل خاص. وفي حقيقة الامر, فإن هذه البرامج قد اصبحت من القوة بحيث ان الحملات الانتخابية الرئاسية قد ادمجت ظهور المرشحين فيها في صميم استراتيجياتها الكلية. وفي هذا السياق لا ينبغي ان يدهشنا انه عندما قفز المرشح الجمهوري جورج بوش عائدا الى صدارة عمليات استطلاع الرأي, خلال الاسبوع الماضي, فإن العديد من المحللين عزوا ذلك الى ظهوره في برنامجين رائجين من برامج الاحاديث التي تبث نهارا وهي (عرض اوبرا وينفري) و(عرض ريجيس) في بث حي. ويتميز هذان البرنامجان بصفة خاصة برواجهما الشديد في صفوف النساء. وقد لاحظ القائمون على استطلاعات الرأي ان جميع التقديرات المواتية بالنسبة لجورج بوش في الاسبوع الماضي كان مصدرها النساء اللواتي تأثرن فيما يبدو وبشخصية المرشح الجمهوري على نحو ما تجلت في هذين البرنامجين. وكان آل جور قد ظهر في برنامج اوبرا وينفري قبل وقت قصير بدوره وبينما تلقى تقديرات عالية لأدائه خلال هذه البرنامج فإن جورج بوش تلقى تقديرات حماسية للغاية لا لامور قد تبدو غير ذات بال مثل قبلة التحية التي بادر بوش وينفري والتي اذهلت الجمهور وادخلت السرور على نفسه في وقت واحد وتركت اثرا طيبا لدى مقدمة البرامج المعروفة بتأثيرها الكبير وكذلك جاء جانب من هذه التقديرات من المظهر الذي بدا به وكأنه يوشك على البكاء خلا مناقشته لميلاد طفليه. وهكذا فإنه بينما استخدم بوش هذا البرنامج لتحسين وضعيته في الاوساط النسائية فإن آل جور بادر بالرد بمحاولة تحسين وضعه في صفوف الناخبين الذين تقل اعمارهم عن 30 عاما وذلك بظهوره في برنامج على شاشة تلفزيون ام تي في وهي قناة تلفزيونية تبث الموسيقى وتحظى برواج كبير, حيث رد على الاسئلة التي طرحت عليه وتبادل النكات بصورة عفوية مع جمهور البرنامج من الشباب. ويتمتع بالقدر نفسه من الاهمية في تشكيل آراء الناخبين ذلك الحشد من برامج الاحاديث التي تبث ليلا وكذلك الاستعراضات الكوميدية وقد نشرت مجلة (نيويورك تايمز ماجزين) خلال الاسبوع الماضي موضوعا كبيرا بعنوان (الفتى المتصلب في مواجهة الفتى الغبي) , ركز على الدور شديد الاهمية الذي تلعبه الاستعراضات الكموميدية التي تبث في وقت متأخر من الليل في تشكيل انطباع الرأي العام عن شخصيات المرشحين للرئاسة. وفي كل ليلة يراقب نحو 30 مليون امريكي برامج كوميدية مثل تلك التي يقوم فيها جاي لينو وديفيد ليتمان بالسخرية من نقاط الضعف في الرئيس الامريكي واخطائه وكذلك نقاط الضعف والاخطاء فيمن يطمحون لتولي منصبه. ويبدو جليا من هذه البرامج ان الفكاهة لها جانبها الجاد ايضا. وقد وجدت دراسة حديثة اجرتها احدى قنوات الاعلام ان نحو 50 في المئة من الامريكيين الذين تقل اعمارهم عن 30 عاما (غالبا ما يستخدمون معلوماتهم عن الحملات الانتخابية الرئاسية من الاستعراضات الكوميدية التي تبث في وقت متأخر من الليل) واوضحت الدراسة نفسها ان (اكثر من ربع البالغين جميعا يحصلون على اخبارهم عن الحملات الانتخابية من هذه البرامج كذلك) . ويمكن ادراك مدى قوة هذه البرامج الكوميدية من خلال مثالين محدودين في الماضي هما الحملة الرئاسية التي قام بها المرشح الديمقراطي مايكل دوكاكيس في 1988 والتي منيت بالاخفاق والعثرات المتكررة التي اتسمت بها الحياة العملية لنائب الرئيس الامريكي دان كويل. وبينما قدم كل من الرجلين للبرامج الكوميدية التي تبث في وقت متأخر من الليل الكثير من المواد التي تشكل المادة الخام لنكاتها وبصفة خاصة صورة مايكل دوكاكيس وهو يخرج من دبابة في محاولة من جانبه للظهور بمظهر المتأهب للمعركة وكذلك اساءة دوكاكيس لهجاء كلمة بطاطس وتمثل ما قامت به هذه البرامج الكوميدية في التقاط هذه الاخطاء ورفعها الى الصور المحددة بشكل نهائي لشخصيات المرشحين والتي لا يجد هؤلاء المرشحون منها فكاكا. وفي غمار قيام هذه البرامج الكوميدية بمهامها تلك فإنها جعلت مهام الحملات الانتخابية الرئاسية ايسر واصعب في الوقت نفسه فحملة جورج بوش تريد ان تقدم مرشحها على انه زعيم قدير يتمتع بشخصية قوية وتظهر خصمه على انه غير جدير بالثقة وينقصه التماسك بمعنى انه على استعداد للقيام بأي شيء لكي يفوز بالانتخابات وبينما تساعد البرامج الكوميدية حملة بوش بصورة مستمرة في التندر من مبالغات آل جور وفي السخرية من اخطائه الكثيرة خلال الحملة الانتخابية فإن جهود القائمين على هذه الحملة يلحق بها الضرر كل ليلة عندما تقدم هذه البرامج نفسها بوش على انه غبي ولا يبالي كثيرا. والامر عينه ينطبق على الجهد الانتخابي لحملة بوش. وبتعبير آخر وكما يشير عنوان مقال المجلة لملايين الامريكيين الذين تتشكل افكارهم عن المرشحين الى حد كبير من خلال البرامج الكوميدية فإن هذه الانتخابات هي انتخابات شخصا غبيا في مواجهة شخص متصلب. وكما سبق لي ان اشرت من قبل فإن هناك مصدرين اضافيين وقويين للغاية للمعلومات يساعدان في تشكيل الرأي وهي برامج الاحاديث في الاذاعات ذات التوجه اليميني والاعلانات السياسية المدفوعة. ويختلف هذان المصدران عن البرامج النهارية والليلية بطريقة واحدة فبينما تتسم البرامج بتحيز مراوغ ولكنه حقيقي وعلى سبيل المثال فإن البعض يتهم البرامج الكوميدية بمناصرة الديمقراطيين ولكن مؤيدي الرئيس كلينتون الذي كان ولايزال موضوعا لهجمات شخصية غالبا ما تكون قاسية ينفون ذلك, فإن الاحاديث الاذاعية والاعلانات السياسية المدفوعة هي جهود ذات طابع حزبي جلي للغاية. وتصل برامج الاذاعة المحافظة يوميا الى ما يزيد على 200 الف من الانصار المتشددين ويقوم المذيعون في هذه البرامج بشن هجمات ضارية على الديمقراطيين وعلى اي قضية او شخص تلصق به صفة الليبرالية ويهيب هؤلاء المذيعون بمستمعيهم ان يتحركوا ازاء هذه القضايا وان يبرهنوا على قدرتهم على الحشد, وتبدو المعلومات التي يطرحونها متميزة بجلاء وتعيد التأكيد على تحيزات جهودهم القائمة بالفعل. وتنبغي ملاحظة ان العديد من هذه البرامج المحافظة وفيما لا تتردد في مقاومة الديمقراطيين فإنها في الوقت نفسه شديدة الضراوة في تعاملها مع الجمهوريين الذين يسود الشعور بأنهم ليسوا محافظين بما فيه الكفاية. والمصدر الاخير البديل للمعلومات الذي يساعد في تشكيل الرأي هو الاعلان السياسي المدفوع الذي تقوم بشرائه الحملات الانتخابية والجماعات المتحمسة لقضايا بعينها تحرص على الدفع بالقضايا التي تعنيها الى مناقشات سياسات الانتخابات وتروج بعض الاعلانات لمؤهلات المرشحين او الحقائق الاساسية في سيرة حياتهم ولكن ثلث تلك الاعلانات التلفزيونية القصيرة التي تستمر 30 ثانية موجهة للهجوم على الخصوم. وبينما قد يفترض المرء انه بما ان هذه الاعلانات مدفوعة الاجر من المرشحين فإن تأثيرها سيكون محدودا إلا انه بسبب صياغتها الحرفية البارعة وعرضها بشكل متكرر فإن تأثيرها يكون كبيرا وغالبا ما تتمكن من تشكيل الرأي. وعلى سبيل المثال قام الحزبان الجمهوري والديمقراطي على امتداد الصيف بإنفاق مليون دولار يوميا لكل منهما على الاعلان على شاشة التلفزيون مع التركيز غالبا على ولايات مستهدفة يسعيان فيها لتحسين وضع مرشحيهما, وفي بعض التجمعات السكانية الاصغر فإن عمليات شراء المساحات الاعلانية كانت مكثفة للغاية بحيث ان الاعلانات السياسية ذاتها كانت يتم بثها مرارا وتكرارا. وتتمثل احدى النتائج المترتبة على الحقيقة الكاملة بأن الناخبين يستمدون معلوماتهم عن الناخبين من مصادر المعلومات شديدة السطحية هذه تتمثل في ان وعي الناخب بالقضايا وبالمرشحين يفتقر الى العمق والتفاصيل, وعلى الرغم من ان الاقتراع النهائي لم يبق عليه إلا شهر واحد فإن الناخبين اليوم لا يعرفون فيما يبدو إلا القليل عن تفاصيل خطة آل جور للرعاية الصحية او عن خطة جورج بوش الضريبية, وما يعرفونه يدعو للقلق فقد تضمن استطلاع للرأي اجراه معهد زغبي الدولي الطلب من الناخبين ايضاح ما يعرفونه عن كل مرشح. وكان ما توصل الاستطلاع اليه هو ان توصيفات الناخبين لآل جور وجورج بوش قد اختلفت بشكل قليل للغاية في العام الماضي, ومع ذلك فإن مربع من جرى استطلاع آرائهم قد وصفوا بوش بأنه (الفتى المدلل لأبويه) أو ابن الرئيس الامريكي الاسبق وشعر الكثيرون بأنه يفتقر الى القدر الكافي من الذكاء الذي يجعله رئيسا للولايات المتحدة وبالمثل فإن اكثر من عشرين في المئة من الناخبين قد نظروا الى آل جور من خلال فضيحة كلينتون واعربوا عن قلقهم ازاء افتقاره للمؤهلات القيادية وقوة الشخصية. وخلال الايام القليلة المقبلة فإن المرشحين سوف ينغمسان في اول سجال رسمي في الحملة الانتخابية ومن سيشاهدون هذا السجال سوف يجدون انفسهم حيال مصدر مباشر وتقليدي للغاية للمعلومات, وايضا حيال نقاش معمق, فيما نأمل حول القضايا المطروحة, وسيكون امرا مثيرا للاهتمام ان تتبين كيف ستعكس عمليات استطلاع الرأي ردود الفعل على هذا السجال والمدى الذي ستتغير في اطاره وجهات نظر الرأي العام في اعقاب السجال, فهل سيتوجه الناخبون الى هذا السجال بذهن مفتوح ويركزون على جوهر ما يقال؟ ام انهم سيرون الفتى الغبي في مواجهة الفتى البليد؟ وهل سيؤدي هذا السجال الى تحطم اي من هذين التصورين المسبقين اللذين يتسمان بالتماسك في الوقت الحالي؟ رئيس المعهد الامريكي العربي