من حسن الحظ أن تتبدد سريعا أجواء التشاؤم بعودة الصراعات الطائفية التي كانت السبب المباشر في اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية, إثر البيان الصادر مؤخرا عن مجلس المطارنة الموارنة, والداعي الى اعادة انتشار القوات السورية البالغ عددها 35 ألف جندي, توطئة لانسحابها نهائيا من لبنان, إذ على الرغم من كونه قرارا متسرعا يتجاوز الصلاحيات الدستورية المخولة لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود والحكومة اللبنانية, إلا انه لا يراعي كذلك رد الجميل للدور السوري المقدر في الحفاظ على توازنات الوحدة الوطنية اللبنانية, ودعم صمود المقاومة بقيادة حزب الله في تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الاسرائيلي, حتى لو كان على حساب تأجيل عملية تحرير الجولان! والشاهد أن سوريا لم تفرض نفسها على لبنان, وأن استدعاء الدور القومي السوري كان باتفاق وموضع ترحيب وطني واقليمي ودولي, ولاشك أنه نجح في انجاز مهامه السياسية والأمنية على أكمل وجه في اطار اتفاق الطائف والالتزام بمعاهدة التنسيق والتعاون والاخوة التي وقعها البلدان عام ,1991 بمعنى أن بقاء القوات السورية أو انسحابها يبدو مرهونا باتفاق جديد يراعي مصالح وظروف الجانبين, في ضوء المتغيرات السياسية والاستراتيجية التي فرضها انسحاب اسرائيل من لبنان, وحتميات استمرارية تلازم مساري السلام اللبناني السوري الى حين يحقق أهدافه الكاملة بانسحاب اسرائيل من الجولان! صحيح أن الطوائف الاسلامية أصدرت في المقابل بيان (دار الافتاء) الداعي الى استبقاء الوجود السوري في لبنان, وهنا تكمن الخطورة في إثارة التناقضات بين جناحي الأمة في هذا التوقيت البالغ الحساسية والحرج, بينما لا يختلف الجميع على أن الوجود السوري في لبنان مؤقت, ومن المتعين لذلك البدء أولا باعادة الانتشار بعيدا عن مؤسسات الدولة وصنع القرار في بيروت, تهميدا لمرحلة الانسحاب الكامل من لبنان, الأمر الذي يستدعي بداهة الحوار الأخوي الصريح والبناء لاخراج عملية الانسحاب بشكل حضاري يحافظ على سيادة لبنان وأمن سوريا القومي, ويؤسس لشراكة مصيرية على المستويين الرسمي والشعبي, ولعله الخيار الوحيد والمأمون لسد الزرائع في وجه القوى الأجنبية المشبوهة المتربصة بلبنان وركائزها المحليين, كونها لن تتوانى عن التآمر على فصم عرى العلاقات التاريخية والوشائج الديمغرافية والمصالح المشتركة التي تربط بين الشعبين, ومحاولة تنفيذ مخططها الأثير في تحويل لبنان الى كانتونات وامارات طائفية متناحرة, خاصة وأن بعض الزعامات المارونية التي تطالب اليوم بانسحاب القوات السورية فورا بدعوى سيادة واستقلال لبنان, كانت على رأس قائمة الذين استضافوا في قصورهم القادة الاسرائيليين إبان اجتياح لبنان وبينهم آربيل شارون سفاح صبرا وشاتيلا. حسن إذن مبادرة الرئيس إميل لحود الى ادانة بيان المطارنة الموارنة, وشجب اثارته للغرائز الطائفية والمذهبية من رقادها, والتنديد بعودة زعماء الحرب الأهلية مجددا تحت شعارات الحرية وحقوق الانسان التي لم يطبقها أي منهم حتى على أتباعه, يوم كانت لغة القتل والتنكيل السائدة في لبنان, وكذا دعوة المرجعيات الاسلامية الى تبني نقلة نوعية استراتيجية للعلاقات اللبنانية السورية, بل الى حد رفع شعار الوحدة بين البلدين, لكن مما لاشك فيه الصراعات الطائفية والمزايدات السياسية لا يجب أن تقف حجر عثرة أمام ضرورات الانسجام مع الواقع السياسي الجديد الذي أفرزته الانتخابات النيابية الأخيرة, فعلى الصعيد السوري مطلوب من دمشق أن تفتح صدرها للحوار مع مختلف ألوان الطيف السياسي في لبنان, تسمع لهم ويسمعون لها, خاصة وأن الرئيس بشار الأسد أكد أن سوريا قريبة من جميع القوى اللبنانية دون تمييز, مما لا يجوز معه تعميم روافدها العسكرية والأمنية والاقتصادية, كما وأن على الرئيس اللبناني القبول بنتائج الانتخابات النيابية والوفاء باستحقاقاتها, عبر إسناد رئاسة الحكومة الجديدة للمعارضة بزعامة رفيق الحريري, والزامه باختيار الوزراء من العناصر الوطنية المتجانسة الحادبة على التغيير والديمقراطية والوفاق الوطني, وأن تضع على قائمة أولوياتها تدارك الأزمة الاقتصادية المستفحلة, وإفشال المخطط الاسرائيلي الرامي الى توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان, وجذب المساعدات المالية التي وعدت بها الدول المانحة لاعادة اعمار الجنوب, في الوقت الذي لم يعد ثمة مناص من حوار لبناني لبناني موسع, ينتزع فتيل الاحتقان الطائفي المرير, واسدال الستار على ذهنية التعصب والعنف, واستدعاء روح التعايش ولغة السلام وترسيخ الوحدة الوطنية. على أن البعض من المراقبين يستشف سببا آخر وراء بيان المطارنة والموارنة, وهو أن الانتخابات عززت من أوزان الكتل الاسلامية في المجلس النيابي المرتقب, مما يعزز بالتالي من تمثيلها في السلطة التنفيذية, بينما حال قانون الانتخابات من افراز كتل مسيحية متماسكة تؤهلها لاحراز نصيب مماثل في السلطة, مما يستدعي تدارك التوازن بين الكتلتين عند تشكيل الحكومة الجديدة, وهو ما يفسر ممارسة الضغوط عبر استنفار النعرة الطائفية في بيان المطارنة, خاصة بعد دخول حزب الله الى المعترك السياسي وخوضه غمار الانتخابات النيابية, كما يفسر احتفال القوات اللبنانية غير المسبوق بذكرى وفاة الرئيس بشير الجميل رغم محاولة الأجهزة الأمنية الحد من نجاحه, وكذا المظاهرات المارونية التي تطالب باطلاق سراح الدكتور سمير جعجع, أو عودة الرئيس الأسبق أمين الجميل من منفاه في باريس لممارسة دوره على الساحة السياسية و.. في كل الأحوال تبدو الحاجة ماسة الى تحلي جميع الفرقاء اللبنانيين بالعقلانية, واستخلاص الدروس المستفادة من الحرب الأهلية, وارساء قواعد جديدة للمسيرة الديمقراطية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة بمنأى عن النعرات والتوازنات الطائفية, وعلى سوريا أن تقبل بالصيغة التي يرتضيها الاجماع اللبناني للعلاقات الأزلية المشتركة بين الشعبين بالحوار والوفاق!