صديقنا العزيز الاستاذ محفوظ عبدالرحمن واحد من مبدعي أمة العرب الذين نعتز بهم كثيرا.. وكلما رأيناه او تابعنا أعماله واخباره, أقمنا له في قلوبنا احتفالا أشبه بما كانت تقيمه قبائل العرب الاقدمين, حين ينبغ بين صفوفها شاعر موهوب او خطيب يخلب ألباب المستمعين. والاستاذ محفوظ هو (جارنا) في استراحة البيان على حد التعبير الجميل البليغ الذي سبكه جارنا العزيز الآخر الدكتور جابر عصفور في لقائنا الاخير في نيويورك.. وربما بحكم هذه الجيرة اللذيذة لم يتورع الاستاذ محفوظ عن استدراج القارىء العزيز الى نوع فريد من التواضع (المشاغب) ان صح التعبير حين صنف استراحاته الكلية في خانة المنولوجست الى جوار استراحات يكتبها غيره وقد وضعها في خانة عبدالحليم حافظ. والذين يعرفون محفوظ عبدالرحمن يعرفون ايضا انه رجل يعرف قدر نفسه جيدا.. بالتواضع وايضا بالكبرياء على حد تعبير العم الكبير محمد حسنين هيكل.. انها القدرة الذكية البارعة على (ادارة) الاعتزاز بالموهبة وهو فن لا يقدر عليه سوى قلة من الموهوبين كان على قمتهم ـ كما اشار الصديق محفوظ بحق ـ الاستاذ أحمد بهاء الدين عليه ألف رحمة ونور: اتركوا الآخرين يمطرونكم بالثناء ويحتفلون بمواهبكم وعطائكم.. وركزوا جهودكم على المزيد من بناء النفس واثراء الوجدان وتثقيف العقل مما يزيد الموهبة توهجا.. ويخيل الينا ان المتنبي كان لكن ان يكون واحدا من هؤلاء القادرين على فن ادارة موهبتهم وانه كان في غنى عن ابيات الفخر الموغل ومديح الذات الذي استنفد كثيرا من عبقريته وما كان اغناه المتنبي عن حكاية انا الذي نظر الاعمى الى أدبي او اذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا, او اي محل ارتقى.. اي عظيم اتقى... الخ . ولقد كان ابو الطيب جديرا بأن يترك الناس في حالة شغل بأمره بعد ان ملأ الدنيا, وان يترجم الى سلوك بيئته الخطير الذي اداره حول نومه ملء الجفون عن شواردها او شواغلها بينما يسهر الخلق جراها ويختصم لولا ان المتنبي ـ له الله ـ كان كما نتصور ـ في حالة دفاع متواصل عن النفس ازاء سهام الحاقدين والشانئين وارباع الموهوبين فكان ان اطلق سهامه الدفاعية محلقا في سماء المبالغة ومدح الذات. وها هو جارنا في الاستراحة, محفوظ عبدالرحمن وقد وعى ودرس احمد بهاء الدين, وربما درس نجيب محفوظ ايضا. ذلك التحلى بتواضع ذي طابع فريد اقرب الى سماحة النفس ولين الجانب وانسانية السلوك ودفء الألفة وسهولة المأخذ واستقامة القصد وهو سلوك اروع ما فيه هو ملكة الذكاء الذي يدرك بيقين ان اكثر ما يبعد الناس عن الناس هو الافراط في الحديث عن النفس وان الغرور سلوك يرتبط ـ حتى في دنيا السياسة ـ بقدر غير محسود من الحماقة ناهيك عن الغطرسة التي تستدعي الى الخاطر فورا وصفها بكلمة جوفاء. اين هذا من تحذير العقاد من حكاية التواضع حين قال يوما: اذا تواضع العظيم فهو مغرور! ونعود الى استدراجات الاستاذ محفوظ وحكاية المنولوجست وعبدالحليم حافظ, نحن نرى ان المنولوجست اقرب الى روح استراحة البيان من حيث الشكل والمضمون, فالاستراحة هي في التحليل الآخر تباريح ونجوى انسان, وهي توق الى الطلاوة وشوق الى عنصر الطرافة في حياة البشر وهذا هو بالضبط ما يتفق مع خفة الروح عند منولوجست عظيم مثل محمود شكوكو وقد كان يبعث بوجوده في الفيلم او الاستعراض المسرحي مجرد وجوده بسمة تلقائية تومض في الروح قبل ان ترتسم على الشفاه.. حتى ليكاد المرء يهتف متألما: يا الله! كم يحفل الكون بهذه السلالة الجميلة النادرة من كائنات البشر! عبدالحليم حافظ كان يذيع ـ كما قد نقول ـ على موجة مختلفة تماما.. هي موجة الصبابة والرومانسية المتوترة بالشجن والعشق العميد المشبوب.. وهو ابعد ما يكون من ثم عن روح الاستراحة وفلسفة وجودها.. مكانة دفاتر العشق وحكايا المغرمين وسطور الهجر والصد والوصل وسهر الليالي الطوال المسهدات. ولا تحسبن المنولوجست فنانا على الهامش بحال من الاحوال. صحيح ان في المنولوج الخفيف الظريف الطريف أضنى عليه الدهر في هذه الايام لان معظم مطربي زماننا تحولوا الى منولوجستات وبغير خفة دم أو روح, ولكن الصحيح ايضا ان المنولوج كان فنا عظيما وجليلا منذ كان يكتبه ويلحنه ويؤديه طلائع الحركة الوطنية في مصر ـ الربع الاول من القرن العشرين يشاركون به في توعية جماهير الشعب بحقوقهم في نيل الحرية والاستقلال وفي نقد الاوضاع والممارسات الاجتماعية المجافية للتطور. واذكر في بواكير ايامي مذيعا في (صوت العرب) ان عملت مساعدا لزوم التدريب واكتساب الخبرة للمخرج الكبير الراحل محمد علوان حين قرر تقديم قصة حياة الفنان الاشهر يوسف وهبي على موجات الاذاعة. وجاء اليوم الذي صحبت فيه علوان الى فيللا الممثل الكبير في منطقة الهرم وجلست في حضرة (يوسف بيه) وهو يحكي عن ايام ثورة 19 وما بعدها الى ان تطرق الى المنولوجات التي كان يؤديها شباب الطبقة العليا من سليلي الكبراء وابناء البيوتات كما كانوا يسمونهم في تلك الايام وكم راع الفتى الاذاعي المبتدىء ان رأى يوسف بيه وقد انتفض في وقفة عملاق لا تكاد تسعه ارجاء حديقة بيته المترامية وهو يتقافز هنا وهناك مرددا بصوته العميق المميز واحدا من تلك المنولوجات التي كان يلقيها واذكر انه كان بعنوان (هتشكوه) أرأيت اذن ان المنولوجست هو الاخف روحا والاظرف حديثا والمفعم طلاوة وخفة دم. وان المنولوج الخفيف فن محترم واصيل وجليل لا يقدر عليه الا عتاة المبدعين. و.. هكذا تحدث صديقنا محفوظ عبدالرحمن فكان ان سدد أكثر من هدف في اكثر من مرمى باستراحات البيان. ولولا ان منطق انور السادات قد غربت في ايامنا شمسه لقلناها بالفم المليان: هذه ليست استراحة.. هذه مؤامرة دبرها قلم العزيز علي عبيد ونفذها تحت ستار التواضع صديق عزيز آخر اسمه محفوظ عبدالرحمن.