تحدث البروفيسور صموئيل هنتجتون استاذ السياسات الدولية بجامعة هارفرد في كتاب له, عن صدام الحضارات, نشره بعنوان (صدام الحضارات واعادة بناء النظام الدولي). وقد اعتبر هنتجتون ان الصراع المستقبلي لن يكون سببه الخلاف الايديولوجي او تناقض المصالح, انما الاحتكاك بين الثقافات المختلفة. وان الحدود الجغرافية بين الثقافات هي خطوط المواجهة التي يجب مراقبتها في المستقبل. وفي هذا الشأن قال هنتجتون (الكتل الثقافية تصهر ما بداخلها وتحقق له نوعا من التجانس والكينونة المستقلة عن الكتل الثقافية الاخرى, هذا التباين يؤدي الى احتكاكات هي اهم مصدر للصراع العالمي بعد الحرب الباردة) . والثقافة عند هنتجتون هي (اوسع دوائر الكينونة التي يمكن للفرد ان يتوحد داخلها مع الاخرين) . لكن ثمة اتجاهات اخرى تؤكد على العالم الثقافي, فمثلا ماكس فيبر تحدث عن العلاقة بين الاداء الاقتصادي ومجموعة القيم الثقافية. ثم اكد لورنس هاريسون (ان القيم والاتجاهات الثقافية هي المسئولة عن التفاوت الملحوظ في الداخل وما يتبعه من عدم استقرار في امريكا اللاتينية, وعن النجاحات الاقتصادية في اليابان وكوريا وتايوان) . وفي كتابه (السابق والثقافة: نظرة عالمية) قال توماس سويل: (احتقار التجارة والصناعة الذي ميز النخب الاجتماعية في اسبانيا وامريكا اللاتينية, ادى الى تأخر وصول ثمرات التقدم الاقتصادي اليها). في حين ان فرانسيس فوكوياما سلط الضوء على سمة اجتماعية واحدة هي (الثقة في الغير) واثرها على تشكيل المؤسسات الانتاجية, كالشركات المتعددة الجنسية مثلا. ولأن وحدات الانتاج كبيرة الحجم تحقق وفرا في التكلفة فإن قدرة المجتمعات التي يتوافر فيها عنصر الثقة على المنافسة اكبر, ومن ثم هي الاكثر نجاحا وازدهارا على المدى الطويل. وعلى الرغم من كون الحكومات اقوى تنظيم سياسي في المجتمعات الحديثة, ومع ذلك يعتقد هنتجتون ان الثقافة لها سطوة تفوق الحكومات وهو يقول: (الشعوب والمجتمعات ذات الثقافة الواحدة تميل الى التجمع والتلاحم, والشعوب والمجتمعات من ثقافات مختلفة تميل الى التنافر والنزاع). ذلك ان الحكومات تملك ثنائي قوة وليس لدى غيرها ما يضارعه تملك شرعية حيازة السلطة وادوات فرضها وتملك القدرة الاقتصادية ممثلة في الضرائب والانفاق. ففي كوريا الجنوبية حيث درجة الثقة بين الافراد عند مستوى اقل, تم انشاء شركات عملاقة قادرة على المنافسة العالمية, في وقت لا تؤهلها ثقافتها لانشاء مثل هذه الشركات, والسبب لأن حكومتها ارادت ذلك.