كنا سبعة على ارتفاع شاهق.. تفصلنا عن الأرض مسافة تزيد على أربعمئة متر.. أربعة أطفال وثلاثة من الكبار.. أما موقعنا فكان السطح الأخير المسموح بالصعود إليه من برج (أوستنكينو) بموسكو.. ذلك البناء المعجزة الذي يعلو عن سطح الأرض خمسمئة وأربعين مترا خصص الجزء الأخير منها والذي يمثل قمة البرج لأجهزة البث الإذاعي والتلفزيوني والاتصالات. وقف الصغار الأربعة وهم بنتان وصبيان على الأرضية الزجاجية الشفافة وهم ينظرون تحت أقدامهم لتذهب نظراتهم خلال الفراغ إلى أكثر من أربعمئة متر لتميز بالكاد سيارة تسير في الشارع أسفل البرج تبدو على البعد أصغر من علبة كبريت صغيرة, أما الأفراد فيظهرون على شكل نقط صغيرة تتحرك هنا وهناك.. وبينما الصغار مستمتعون بهذا المشهد الذي قلّما يتاح لهم كان الكبار يقدّمون رجلا ويؤخرون أخرى وهم يحاولون تقليد الأطفال الذين بدأوا جدلا طبيعيا لمن هم في مثل سنهم حول ما إذا كان هذا البرج هو أعلى بناء في العالم أم ان هناك ما هو أعلى منه. كانت الصغيرتان الروسيتان وشقيقهما يحاولون إقناع ضيفهم الصغير القادم من الامارات بما يتمنون, وهو أن يكون هذا البناء الشاهق الذي يعدّونه من مفاخر بلدهم ومنجزاتها العظيمة ـ في زمن القوة والعز ـ أعلى بناء على سطح الكرة الأرضية.. بينما كان الضيف الصغير يطلب منهم في مشاكسة طفولية معتادة أن يقدموا له الدليل على صحة كلامهم مشككاً في ذلك بالاسلوب المعتاد للأطفال عندما قرر الأربعة الصغار الاحتكام إلينا نحن الكبار حيث توجهت الصغيرتان وشقيقهما إلى والديهم يطلبون منهما الدليل, وتوجه الضيف الاماراتي الصغير المشاكس إلى والده يعرض عليه موضوع الخلاف بينه وبين مضيفيه الصغار, وقد خيّبنا جميعاً ظنهم عندما اعترفنا بنقص معلوماتنا في هذا الجانب من المعرفة عن عجائب الدنيا التي لم تعد سبعا, فما كان من الصبي الروسي الصغير إلا أن توجه لأحد العاملين في البرج ليأتينا بالخبر اليقين الذي تمنينا جميعا ـ عدا صغيري المشاكس ـ أن يكون موافقا لرغبة الصغيرتين وشقيقهما ولكنه عاد ـ للأسف ـ ليقول لنا إن هذا البرج ثاني أعلى بناء في العالم حيث يأتي قبله في المرتبة الأولى البرج الموجود في كندا. وهكذا انتهى جدل الصغار بابتسامة خفيفة من الصبي الضيف وهزة رأس مصحوبة بحركة باليد من الصغار الثلاثة أرادوا أن يقولوا بها في عناد: (ولو..) . تذكرت هذا الموقف الذي كان زمانه منتصف شهر أغسطس من عام 1998 وأنا أتابع باهتمام ـ مبعثه معرفة المكان ـ أخبار الحريق الذي شب في برج (أوستنكينو) بموسكو في شهر أغسطس الماضي وكاد يؤدي إلى انهياره حتى نجح رجال الاطفاء في وقف امتداد النيران نحو الطبقات السفلى من البرج بعد 14 ساعة من اندلاع الحريق فيه بينما ظلت ألسنة اللهب تلتهم البرج على ارتفاع ما بين 144 و330 مترا فيما احتجز عدد من الأفراد في المصاعد وقد نفد لديهم نظريا احتياطي الأكسجين وقطعت الكهرباء عن البرج وسط مخاوف من انهياره بسبب تقطع 50 كابلا من 150 تسند هيكله بفعل الحرارة المرتفعة. اندلاع الحريق اضطر ثلاث شبكات تلفزيون وطنية تستخدم البرج كمحطات للبث إلى وقف بثها ومعاودته من خلال الأقمار الصناعية في وقف لاحق, لكنّ البث التلفزيوني انقطع عن أغلبية سكان موسكو البالغ عددهم عشرة ملايين نسمة غير المشتركين في القنوات الخاصة. وخوفا من انهيار البرج صدرت الأوامر باخلاء المنطقة المحيطة به, وقامت الشرطة بمنع الفضوليين والصحفيين من الدخول إليها, وأجلت جميع السيارات الموجودة فيها, وقد ساعد أن هذه المنطقة خالية من المباني السكنية. احتمالات انهيار البرج من عدمه ظلت متأرجحة وقائمة.. تقوى أحيانا وتضعف حينا حتى انجلى الموقف عن اطفاء الحريق وبقي البرج واقفا.. الأمر الذي أسعد ـ دون شك ـ أصدقاءنا الصغار الثلاثة في موسكو كما أسعد بطبيعة الحال صديقهم الاماراتي الصغير الذي ما زال يحمل لتلك الرحلة التي حملته إلى تلك البلاد قبل سنتين أجمل الذكريات التي لم يعكر صفوها ـ بالنسبة له طبعا ـ ما حدث في أواخر أيامها من انهيار كبير للروبل أمام الدولار ليهبط سعره من ستة روبلات ونصف تقريبا إلى أربعة وعشرين روبلا للدولار خلال أيام لم تتعد الخمسة في أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها روسيا في أواخر القرن العشرين بينما كان القيصر المريض (يلتسين) يتلاعب بمقدرات البلاد ويغيّر رؤساء الوزارات بالطريقة نفسها التي يمكن بها للمرء أن يخلع حذاء ويرتدي آخر. أما عن الفساد فحدّث ولا حرج, إذْ استشرى في جميع المؤسسات من رأس الدولة إلى أصغر موظف فيها.. ولم يستثن المؤسسة العسكرية التي ضاعت هيبتها خلال السنوات الأخيرة في أكثر من موقع بدءا من أفغانستان ومرورا بالشيشان وانتهاء بغرق الغواصة النووية (كورسك) في بحر بارنتس ـ في شهر أغسطس أيضا ـ وتحولها إلى قبر جماعي غارق لمئة وثمانية عشر بحارا استقر بهم المقام للأبد في قاع البحر ليقبروا معهم آخر ما تبقى من مهابة الدولة التي كانت عظمى, ولتتجلى في هذه الكارثة الأزمة التي تعيشها روسيا متمثلة في الحالة المتردية لأسلحتها وصناعتها الحربية, والعجز الذي تعانيه في معالجة مثل هذه المواقف, والتخبط الذي عاشته قيادتها في الاعلان عن الحادث وتأخرها في قبول المساعدة الغربية التي جاءت من دولة صغيرة لا تقارن بالدب الروسي, وكانت قمة المأساة في وقوف الدولة الروسية عاجزة عن اخراج جثث بحارتها الذين وقف ذووهم على ضفاف البحر ينظرون إلى الأفق بأسى ويأس ويلقون بالورود في البحر بحسرة. هل يكون غرق الغواصة (كورسك) وحريق برج (أوستنكينو) آخر الكوارث التي تواجهها روسيا؟ لا يبدو ان الاجابة عن هذا السؤال ستكون مرضية للروس الذين فقدوا الأمل في رؤية مخرج للأزمات التي يعيشونها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى الآن, فوزارة الطوارئ الروسية حذرت في تقاريرها مرارا من ان البلاد ستواجه كوارث عديدة من سقوط الطائرات حتى مصاعد البنايات بسبب نقص الاعتمادات المخصصة لصيانة البنيات الأساسية لتستمر في عملها بأعلى قدر من السلامة. وتنبأت الوزارة بحدوث كوارث تكنولوجية من بينها الحرائق وسقوط البنايات وانفجار أنابيب الغاز والنفط والتسرب الاشعاعي والتسمم الكيماوي. أما الرئيس (بوتين) فقد قال: (إن حريق برج أوستنكينو يعكس حالة روسيا المتردية ويبرز الحاجة لاصلاحات اقتصادية جريئة) . العالمون ببواطن الأمور في هذه الدولة ـ التي توهّمنا عظمتها يوما ما ـ يقولون: (إن الخرق قد اتسع على الرتق) ولم تعد لعمليات التجميل والترقيع جدوى. رب سائل يسأل: وما هو الحل؟ الحل يا سيدي تبحث عنه عيون أولئك الجنود ذوي الأحذية الممزقة الذين لا يستلمون رواتبهم بانتظام ولفترات طويلة, وتتلمسه أيدي أولئك العمال الذين يتقاضون أجورهم شيئا من البضائع التي يصنعونها, وتنتظره مناجل أولئك المزارعين الذين تراجعت مساحة الأرض التي يزرعونها وما عادت قادرة على إطعام شعبهم بينما عصابات المافيا تهرّب الأموال للخارج وتسيطر على كل شيء في الدولة وتتحكم في كل شيء. هكذا أجاب ـ على مسئوليته ـ أحد المكتوين بما يحدث في تلك الدولة من أبنائها الذين ينظرون بحسرة إلى دولتهم التي كان لها ذات يوم شأن في ميزان القوى فغدت اليوم ولا أحد يقيم لها وزنا, وكأن كل ذلك المجد وتلك القوة لم يكونا سوى حلم ليلة صيف من ليالي أغسطس 1991 أيقظتهم منه ذات صباح دبابة اعتلاها في مشهد تمثيلي لا يغيب عن الذاكرة شخص توسموا فيه خيرا كان اسمه (بوريس يلتسين) فإذا بكل هذا الانهيار يأتي على يديه ويتواصل بعده بمباركته, ولا يعرف أحد موعدا لنهايته.. تلك النهاية التي ربما جاءت ذات أغسطس أيضا, إذ يبدو ان لأغسطس مع الروس مواعيد لا يخلفها.