اذا صح ان فترة عقدي الخمسينيات والستينيات يمكن ان يطلق عليها تاريخيا (العصر الناصري) فإن ابرز سمة تتميز بها هي ايضا, بحساب عمر الامم, قصيرة. ومع ذلك فإنها تبرز بقوة وعنفوان في المساق التاريخي العربي كحقبة متفردة عما قبلها وما بعدها. لماذا؟ لأن جمال عبدالناصر بالمقارنة مع الزعامات المعاصرة له في بلدان الوطن العربي, كان القائد الاوحد في زمانه الذي يصح ان يطلق عليه (زعيم الامة) بالمعنى العربي الشامل لا مجرد قائد او حاكم لبلد عربي. اثق في ان هذه القناعة راسخة في ذهن كل مواطن عربي منصف. لكنها تتضح اكثر اذا عقدنا مقارنة بين ناصر والزعامات الشعبية المعاصرة له في الخمسينيات والستينيات. ان العقيد معمر القذافي يجب ان يطلق عليه لقب (خليفة عبدالناصر) . ولكن بالرغم من ان التوجه الرئيسي لفكر العقيد القذافي وسياساته وتحركه يعكس رؤية عربية عريضة الا ان دائرة التأثير الليبي على الصعيد العملي تنحصر في جزء واحد من العالم العربي ـ الشمال الافريقي. فالتعامل العربي الليبي بكل اشكاله السياسية والاقتصادية, والرسمية والشعبية لا يتجاوز كثيرا بلدان المغرب العربي الكبير ومصر والسودان. فمنطقة الشام ومنطقة الخليج واليمن ظلت ولا تزال بعيدة نسبيا عن الاهتمام الليبي. وقبل العقيد القذافي برزت في المغرب العربي زعامة الرئيس الجزائري هواري بومدين. وكان من بين اوراق اعتماد الرئيس بومدين التي ترشحه لطرح نفسه عربيا كزعيم راديكالي قيادته لأول ثورة شعبية مسلحة وناجحة في الوطن العربي الحديث ضد قوة استعمارية غربية, مع ذلك كان بومدين زعيما انعزاليا منكبا على شأنه الداخلي. حركة التحرر الفلسطينية كبؤرة سياسية تجمع العرب حكاما وشعوبا كانت ولا تزال متاحة كأوراق اعتماد لياسر عرفات لكي يطرح نفسه كزعيم شعبي على المستوى العربي العريض. لكن عرفات ظل منذ اشهار (منظمة التحرير الفلسطينية) في عام 1964 يتعامل مع القضية الفلسطينية من منظور فلسطيني ذاتي. وبتطبيق هذه الاستراتيجية ادخل عرفات الحركة الوطنية الفلسطينية ضمن لعبة الانظمة الحاكمة في العالم العربي مسقطا من حسابه الحركات والهيئات الشعبية العربية. لقد كان عرفات ولا يزال زعيما يفضل التعامل مع الحكومات لا مع الشعوب. ومن الزعامات التي كان متاحا لها تاريخيا ان تلعب دورا عربيا بالمعنى القومي العربي العريض قائد الثورة العربية في العراق عبدالكريم قاسم الذي اطاح بالنظام الملكي العراقي في عام 1958 لكن عبدالكريم قاسم بانحيازه الى فصيل سياسي صغير في العراق, هو الحزب الشيوعي, جلب على نفسه عداء فصائل اكبر واقوى في مقدمتها البعثيون والقوميون العرب مما ورطه في صراعات داخلية شرسة عطلت اي دور للعراق على المستوى العربي الشامل الى ان قتل قاسم في انقلاب عسكري مضاد. ومع انه يمكن ان يقال الكثير في مجال المقارنة الشخصية بين هذه الزعامات وغيرها وبين جمال عبدالناصر الا انه يكفي في هذا السياق ان نقول ان ناصر كان الزعيم الوحيد ذا الرؤية العربية الشاملة انطلاقا من ثوابت وقناعات اساسية لم تتزحزح. ولهذا عبدالناصر ترك بصمته في كل البلدان العربية: الثورة الجزائرية نجحت بمساهمة ناصرية, والقذافي انتزع السلطة بمساعدة ناصرية. وكان عبدالناصر طرفا مهما في تحقيق استقلال السودان. واول وحدة عربية حديثة كانت بين سوريا ومصر عبدالناصر.. وانشاء منظمة التحرير الفلسطينية كان جزئيا انجازا ناصريا.. الخ. وعندما يلقي عبدالناصر خطابا سياسيا كانت الحركة تتوقف في عواصم العالم العربي قاطبة لتنصت الجماهير وتصغي وتتجاوب.