لم تكن بوابة عام 1973 تبشر بما انتهى اليه, بل كانت توحي بالعكس تماما. اكثر من ست سنوات كانت قد مضت على كارثة يونيو 1967, قبل ايام من الهزيمة صاغ (صلاح جاهين), احلام جيلنا في نشيد جميل لحنه (كمال الطويل) وغنته (ام كلثوم) يقول مطلعه (راجعين بقوة السلاح راجعين نحرر الحمى. راجعين كما رجع الصباح. من ليلة مظلمة) . تصاعدت اشواقنا ـ ونحن نسمعه على ايقاع الحشود العسكرية التي زحمت خريطة المنطقة ـ حتى طالت السحاب. لم يكن لدى احد منا شك في انها ـ احلامنا ـ ستتحقق كلها دفعة واحدة, بمجرد تحرير الحمى, فنعيش في ظل دولة عربية ترفرف عليها اعلام الرخاء والقوة والحرية والعدل. فيما بعد, وحتى اليوم اختفى النشيد, واختفت ـ كذلك ـ مجموعة من اجمل القصائد التي كتبها عبدالرحمن الابنودي وغناها عبدالحليم حافظ, حتى لا تذكر الناس بالهزيمة, مع انها جميعا كانت تبشر بالعكس. افقنا ـ ليت إنا لم نفق ـ على الحقيقة المرة, التي القت بقسوة جلفة بكل اشواق جيلنا من فوق السحاب الى جب الهزيمة والانكسار. انذاك تذكرت مشهد (ام كلثوم) في التسجيل التلفزيوني للنشيد الذي ألفه ولحنه في ساعات لكي تغنيه في واحدة من عشرات الحفلات التي اقيمت في تلك الايام اللاهثة ابتهاجا بقرب تحرير الحمى, فلم تتح لها فرصة كافية لكي تحفظ كلماته التي وضعت على قائم امام احد افراد فرقتها الموسيقية.. وكانت تتراجع الى الخلف اثناء عزف اللازمة الموسيقية التي تفصل بين المقاطع, لكي يلقنها بداية المقطع التالي. في ضوء الهزيمة اكتسب المشهد دلالة مختلفة. رجعنا لكي نحرر الحمى. فإذا بنا نعود وقد اضعنا ما تبقى منه, كانت ليلة 9و10 يونيو 1967, اول اتعس ليالي عمري. ظللت اتابع ـ عبر جهاز راديو ترانز سترور ـ ردود الفعل على خطاب التنحي واكد فيه خبر الهزيمة حتى ما بعد منتصف الليل. طار النوم من عيني وبطل مفعول حبة المنوم, امضيت ليلة سهدة معذبة كتلك التي امضاها (كمال عبدالجواد) بطل ثلاثية نجيب محفوظ ـ حيث اكتشف ان (عايدة) التي احبها ـ من طرف واحد ـ الى حد العبادة ليست ملاكا من غير جنس البشر, كما كان يتوهم, وانها امرأة ككل النساء تشتهي وتكذب وتتآمر, تعبث وتقسو وتطمع, تحمل وتلد وتتعرض لما يتعرض لها من احوال, وان ما يحبه ليست هي, ولكنها خيال صنعه من هواه ومن ظنونه واسقط عليه اشواقه واحلامه, وحين اطل الفجر كان علي, وربما على اخرين من جيلي, ان نسلم بأننا اسقطنا على عبدالناصر من اشواقنا ما ليس فيه, وان نعيد تنظيم العواطف التي منحناها له بسخاء مهما بدا ذلك مؤلما. اما كمال عبدالجواد فقد قال لنفسه في ختام تلك الليلة المسهدة المعذبة (ليست الحقيقة مرة ـ ولكن الانفلات من الجهل مؤلم كالولادة. اما أنا فقد ادرت مؤشر الراديو, فسمعت صوت (ام كلثوم) وعلى غير العادة في تلك الايام فإنها لم تكن تغني (راجعين بقوة السلاح راجعين نحرر الحمى, راجعين كما رجع الصباح.. من بعد ليلة مظلمة) .. بل كانت تنشد (وافقنا ليت انا لا نفيق.. فإذا النور نذير طالع.. واذا البدر مطل كالحريق) . حين نشرت ـ بعد وفاته المبكرة في عام 1970 ـ تفاصيل عن تطورات المرض الذي اودى بحياته, ايقنت ان عبدالناصر لم يمت بالسكتة, لكنه مات بالنكسة كما ماتت احلامنا وكانت هذه التطورات تقول انه اصيب بمرض السكر في اعقاب نكسة الانفصال عام 1961, وان مضاعفات السكر تحولت الى تصلب في شرايين الساق في اعقاب نكسة يونيو 1967, ظل يتصاعد حتى وصل الى شرايين القلب, فاصابه بالذبحة الصدرية الاولى 1969, وكانت الثانية هي التي قضت عليه, بعذ ذلك بعام واحد, قبل ان يتم عامه الثاني والخمسين. وكان الجانب الاكبر من فجيعتنا في رحيله, يعود الى انه قد غاب والهزيمة لا تزال شاخصة, ولعلنا كنا نفضل الا يغادر الدنيا الا وهو في الصورة التي عشقناه فيها, قويا وشامخا ومنتصرا على الدوام , بعد ان يسترد للوطن كرامته كما فعل في سنوات الصعود والتألق, فنعود الى حبه الذي ألفناه ولم نجد بديلا عنه, فأجدبت عواطفنا, ونبكيه بدموع صافية للحزن على فراقه.. اما وقد شاءت تصاريف الزمان ان يمضي وجرح الهزيمة لا يزال طريا, فقد بكينا بمشاعر مركبة, وتدفقت دموعنا حزنا على فراقه, وحزنا على بكائنا عليه, بعد ان فعل بنا ما فعل, ثم خلا بنا ومات! ست سنوات كانت قد مرت على الهزيمة حيث اشرقت شمس العام 1973, من دون ان تلوح في الافق اية بادرة توحي بأن هناك استعدادا من اي نوع لازالة عار الهزيمة الذي كان يضغط بقوة على اعصاب جيلنا الذي عاصرها واكتوى بنيرانها اكثر من اي جيل آخر, واعصاب الجيل الذي تفتح وعيه ليجدها شاخصة كالهم المقيم. وكان الانطباع السائد لدى الجميع, هو ان محو عار الهزيمة بالطريقة ذاتها التي وقعت بها, لم يعد واردا في اي حال من الاحوال. وكانت الصحف والتصريحات الرسمية لا تكف منذ وقعت الهزيمة عن الحديث عن حل سلمي يعيد الارض بلا قتال, ومع ان ذلك كان يقال بوفرة في نهاية عهد عبدالناصر الا انه كان مصحوبا باشتباكات شبه يومية على طول الجبهة, خلال سنوات حرب الاستنزاف, لذلك كنا نعتبره مجرد كلام للاستهلاك الدولي, لا يعكس حقيقة موقف (عبدالناصر) لكن المواقع التي سكتت على جبهة القتال خلال الشهور الاخيرة من عهد عبدالناصر, بعد ان قبل مبادرة روجرز, ظلت ساكنة طوال السنوات الثلاث التي اعقبت رحيله, ليصبح الحديث عن حل دبلوماسي هو الخيار الوحيد المطروح على الساحة. وهو ما اثار شكوكنا في خليفته. كان الرئيس السادات ـ كما ثبت فيما بعد ـ مترددا بقوة, خلال العامين الاولين من توليه السلطة, في اعتماد الحل العسكري كحل وحيد لقضية تحرير الارض لأسباب معقدة يتعلق بعضها بخياراته السياسية والاجتماعية التي كانت على النقيض من خيارات عبدالناصر, بل لعله اتخذ بعض هذه الخيارات, لكي يرضي اطرافا دولية واقليمية, كان يعتمد عليها في التوصل الى حل سلمي يجنيه مخاطرة اتخاذ قرار الحرب, الذي بدا له قرارا يتطلب حسابات كثيرة ومعقدة, ولا شك ان عقدة هزيمة 1967 كانت لا تزال تخايله, وقد قال فيما بعد, وفي مناسبة اخرى, انه لا يستطيع ان يقامر باتخاذ قرار ربما يؤدي الى هزيمة اخرى تنتهي بتحطيم الجيش مرتين خلال عقد واحد من الزمن. وقد يمكن الآن ان نتفهم الدوافع الذاتية والموضوعية الاقليمية والعالمية التي دفعت السادات لاتخاذ هذا الموقف, اما ايامها, وكانت الامة غير الامة والعالم غير العالم, فقد اثارت معارضة عنيفة في داخل مصر وفي كل انحاء الامة العربية, ما لبثت ان تبلورت في حركة نشطة قادها المثقفون المصريون من طلاب واساتذة الجامعات والصحفيين والكتاب والمهنيين, انتهت الى صدام متكرر بينهم وبين الرئيس السادات الذي غادر الدنيا وهو ضائق اشد الضيق بذلك النمط الانساني الذي تطلق عليه دوائر المعارف اسم (المثقفون) وعرف في قاموس السادات بـ (الافندية) و(كتاب العرائض والسخائم والرزالات) وهي الاسماء الحركية التي كان رحمه الله يطلقها على القصائد والقصص والمقالات! وهكذا بدأ العام 1973 بواحدة من الازمات التي لم تتوقف طوال عهد السادات, بينه وبين المثقفين, فقبل يومين من نهاية العام السابق, شنت اجهزة الامن حملة واسعة النطاق شملت اكثر من 400 من قادة الحركة الطلابية في الجامعات وقادة النقابات المهنية والعمالية, كان من بينهم ـ كالعادة ـ فريق من الصحفيين والكتاب والشعراء ـ وكان التبرير الرسمي للحملة ـ بمصطلحات ذلك الزمن هو انهم من لابسي قميص عبدالناصر او جلباب كارل ماركس, وانهم ليسوا معارضين او مناهضين, ثبت لدى الجهات المعنية انهم كانوا يخططون مع دول اجنبية لاثارة القلاقل وتخريب الجبهة الداخلية. اما الحقيقة فإن هؤلاء جميعا كانوا يعبرون عن قلق عارم, يسود مصر والأمة كلها بسبب عدم تحديد موقف السادات من قضية تحرير الارض بعد مرور اكثر من عامين على وقف اطلاق النار. وكان الاتجاه الغالب بينهم يدعو للتوقف عن الجري وراء سراب الحلول السلمية, والاستعداد جديا لتحرير الارض بالقوة. ولم يكونوا يفعلون ذلك حبا في الحرب لذاتها, او شغفا بالتدمير او رغبة في التمتع بإسالة الدماء, ولكنهم كانوا ينطلقون من ادراك صحيح بأن الهزيمة قد كسرت روح الامة, وان المهم ليس فقط استرداد الارض التي ضاعت, ولكن ـ كذلك ـ جبر هذه الكسور, لكي تسترد الامة ثقتها بنفسها, وقدرتها على مواجهة التحديات والعقبات التي تعترضها. وخلال الاسابيع الاولى من العام تصاعدت المواجهة بين الطرفين لتصل الى واحدة من ذراها التي تكررت بعد ذلك. اعتصم الطلاب وقاموا بمسيرات داخل الجامعة, ومظاهرات خارجها اصطدمت بقوات الامن التي حالت بينهم وبين الوصول الى قلب المدينة. وسرح من لم تدركه حملات القبض من قادة الحركة الطلابية, بين دور الصحف والنقابات المهنية يطلبون التضامن معهم ومع زملائهم المقبوض عليهم لمجرد انهم يطالبون بالحرب. وتتابعت بيانات التضامن ووصلت الى قمتها بالبيان الشهير الذي دخل التاريخ باسم (بيان توفيق الحكيم) الذي صدر في 7 يناير 1973. وهو بيان كتبه الكاتب الكبير بخط يده, ووقع عليه مع صديقيه وزميليه في تحرير (الاهرام) الكاتبين اللامعين (نجيب محفوظ) و(ثروت اباظة) , ثم تلقفه فريق من شباب الادباء والكتاب, فطافوا به على آخرين يطلبون توقيعهم عليه, حتى ارتفع العدد الى اكثر من مئة كاتب. ولم يكن في نية توفيق الحكيم نشر بيانه, لذلك اكتفى بارسال نسخ منه الى رئيس الوزراء والامين الاول للاتحاد الاشتراكي ورئيس مجلس الشعب, والى رئيس لجنة كان هذا المجلس قد شكلها لتقصي الحقائق حول رزالات الطلاب, والى مدراء الجامعات والنقابات المهنية ورؤساء تحرير الصحف راجيا عدم نشرها. لكن نسخة من البيان تسربت الى (بيروت) ونشرتها صحيفة الانوار اللبنانية, فأقامت الدنيا واقعدتها واستفزت الرئيس السادات, الذي اعتبر نشرها اساءة متعمدة له وسعيا لاضعاف موقفه, فشن في احاديثه في الاجتماعات واللقاءات المغلقة حملة عنيفة على (توفيق الحكيم) , واضاف الى قاموسه في وصف المثقفين تعبيرا جديدا هو المخرفين واعتبر توفيق الحكيم بشيخ هؤلاء المخرفين. وبعد اقل من شهر قرر السادات تصفية الحساب مع الذين تضامنوا مع الحركة الطلابية فأمر بفصل اكثر من مئة كاتب وصحفي وفنان من عضوية الاتحاد الاشتراكي العربي, وهو ما كان يعني طبقا لتقاليد ذلك الزمان, حرمانهم من ممارسة مهنهم عبر الاجهزة التابعة للدولة كالصحف والاذاعة والتلفزيون. ومع ان القائمة لم تشمل الثلاثة الكبار الذين تصدرت اسماؤهم التوقيع على البيان فقد شملت كثيرين يكفي استعراض اسماءهم الآن ليتعجب الانسان من تصاريف الزمان. ومن المثقفين بالسينما والمسرح شملت القوائم اسماء صلاح السعدني ومحسنة توفيق وعلي عبدالخالق وفؤاد التهامي والفريد فرج وسامي السلاموني ومن الشعراء احمد عبدالمعطي حجازي وامل دنقل وأحمد فؤاد نجم وسمير عبدالباقي ومن الروائيين يوسف ادريس وجمال الغيطاني ومن النقاد لويس عوض ومحمود امين العالم وصافيناز كاظم وفريدة النقاش. ومن الصحفيين محمد عودة وفيليب جلاب وحسين عبدالرازق ومصطفى نبيل وكمال سعد محمود المراغي وعادل حسين ومكرم محمد احمد وسمير تادرس ومصطفى الحسيني وامير اسكندر وفتحي عبدالفتاح ولطفي الخولي وامين شفيق.. اتذكر الآن صباح يوم 4 فبراير 1973, حين فتحت عيني لأجد اسمي منشورا في الصفحة الاولى لكل الصحف ضمن كل هؤلاء لا على سبيل التكريم, بل على سبيل الفصل من الاتحاد الاشتراكي العربي, وبالتالي من العمل الصحفي, وما كدت اقرأ حيثيات القرار التي تنسب الينا جميعا بتهمة (الخروج عن الخط الوطني والتحريض ضد الوحدة الوطنية, والخروج عن الالتزام بمواثيق الثورة والتوقيع على بيانات مضللة, والاخلال بواجباتهم كأعضاء عاملين بالاتحاد الاشتراكي العربي (حتى تذكرت فجأة انني لست عضوا بالاتحاد الاشتراكي العربي, فغادرت منزلي الى اقرب مكتب للتلغراف وارسلت الى الدكتور محمد حافظ غانم الامين الاول للجنة المركزية ـ برقية اقول له فيها: احتج على فصلي من الاتحاد الاشتراكي العربي. الذي لست عضوا فيه. وكانت البرقية هي موضوع مزاحنا, حين اجتمعنا نحن المفصولين من جريدة الجمهورية, وكنا جميعا بالمصادفة نشترك في غرفة واحدة واسعة, نتندر بما حدث. وما لبث آخرون من مطاريد الصحافة والثقافة من اصدقائنا المفصولين, ان انضموا الينا لتتعالى قهقهاتنا وتصل الى ذورتها, حين هدد الدكتور المهندس عبدالمحسن حمودة, الذي كان قد فصل معنا هو الآخر, برفع جنحة سب وقذف ضد لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي لانها نسبت اليه عضوية هذا الاتحاد, وهو ما اعتبره مساسا بكرامته واهانة له! في اليوم نفسه قال تقرير رفع الى الجهات المسئولة بأننا اجتمعنا في مكاتبنا حيث اخذنا نضحك ساخرين من قرار الرئيس بفصلنا. وفي اليوم التالي ذهبت كالعادة الى جريدة (الجمهورية) فاستوقفني موظف الامن, لكي يعتذر لي بكلمات متعثرة لان قرارا صدر بمنعنا من دخول الجريدة. بعد اكثر من ستة شهور وفي 28 سبتمبر 1973 اعلن الرئيس السادات في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الثالثة لوفاة عبدالناصر, أنه اصدر قرارا, بحفظ التحقيقات مع الطلبة الذين قبض عليهم في مطلع العام, والافراج عنهم, واصدر قرارا باعادة العضوية العاملة للاتحاد الاشتراكي الى المثقفين الذين اسقطت عنهم, وبالتالي اعادتهم الى اعمالهم. وكنت قد شغلت نفسي خلال تلك الشهور بنسخ مذكرات الزعيم المصري احمد عرابي باشا نقلا عن النسخة التي كان قد كتبها بخط يده وبدأت في تحقيقها ووجدت في كثير من صفحاتها وخاصة تلك التي تروي هزيمة امام الجيش البريطاني في سبتمبر 1882, ظلالا من الاوجاع التي كانت تناوشني وتناوش الامة. فلم اجد حماسا للعودة الى عملي. ومع انني اشتركت مع وفود شكلها المفصولون لشكر الذين سعوا لتصفية الخلاف بينهم وبين الدولة, الا ان مشهد موظف الامن وهو يمنعني من دخول الجريدة التي كنت امضي بها وقتا اكثر مما امضيه في بيتي, ظل عائقا يحول بيني وبين التفكير في العودة اليها, اذ كنت اتساءل في كل مرة: ما الذي استطيع ان اكتبه في مثل هذا المناخ الذي اصبحت الدعوة للحرب فيه بيانات مضللة! وبعد اسبوع من ذلك التاريخ وفي ظهر يوم السبت 6 اكتوبر 1973, كنت اجلس على مكتبي, احقق فصلا من مذكرات عرابي, وكان الراديو الذي امضيت معه ليلة 9و10 يونيو 1967 على سطح المكتب يذيع اشياء لم اتنبه لها, وقبل لحظات من موعد نشرة الاخبار قطعت الاذاعة برامجها لتذيع البيان الاول لحرب اكتوبر! ساعتها طويت مذكرات عرابي, وسحبت ورقة وبدأت اكتب مقالا وما كدت انتهي منه, حتى قررت ان اذهب به على الفور الى (الجمهورية) وكنت قد نسيت تماما ما فعله معي موظف الامن. اما لماذا تذكرت كل ذلك فلأنني اقرأ كثيرا هذه الايام عن ان المثقفين العرب خانوا قضايا امتهم ولأن الذكرى الثلاثين لوفاة عبدالناصر تمر هذه الايام, ولأن العيد السابع والعشرين لحرب اكتوبر يمر هو الآخر, ولأنني لم احب السادات يوما في حياتي قدر ما احببته في تلك اللحظة التي سمعت فيها بيان الحرب, حتى انني ما كدت ارى صورته في الجريدة وانا استعد للنزول, حتى قلت له مداعبا عن اذنك يا ريس.. انا ح انشر سخامة يعني مقالة. في الجرنان! ولدهشتي خيل لي انه يبتسم لي.