منذ قبول الاتحاد الاوروبي تركيا في قائمة الدول المرشحة للعضوية الاوروبية خلال قمة هلسنكي 1999 تسعى النخب التركية العلمانية جاهدة الى اتخاذ مجموعة من الاجراءات, والخطوات المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الانسان والشفافية السياسية انسجاما مع المعايير والقيم الاوروبية, وقد فتحت هذه الاجراءات الباب امام نقاشات واسعة تدور حول ضرورة تعديل الدستور وإلغاء المواد التي تقيد حرية الرأي والتعبير والتعامل بشفافية مع الاقليات القومية فضلا عن ضرورة الغاء عقوبة الاعدام. وترى هذه النخب ان مسألة تحقيق المعايير والقيم الاوروبية هي مسألة وقت في حين تتجاهل هذه النخب حقيقة الاختلاف الحضاري بين تركيا والاتحاد الاوروبي وكذلك الاشكالية الجغرافية التي تتمثل في وقوع تركيا خارج القارة الاوروبية باستثناء قسم بسيط لا يتجاوز ثلاثة بالمئة. والسؤال الذي يطرح نفسه هل النخب العلمانية التركية نجحت في تحقيق المعادلة الصعبة, معادلة التوفيق بين الهوية الاسلامية المتأصلة في البلاد والعلمانية الاوروبية؟ بين التحديث والعصرنة وبين تقليدية المجتمع التركي وبناه؟ وفي الوقت نفسه فإن السؤال الذي ينبغي ان يوجه الى الاتحاد الاوروبي هل الاتحاد بقبوله دولة اسلامية في عضويته تنازل عن بنود ميثاقه التي تقر بانسجام دول الاتحاد حضاريا وثقافيا واجتماعيا (دينيا) ؟ بداية ينبغي القول ان تركيا بلد اسلامي ويشكل المسلمون نحو 97 بالمئة من مجموع السكان البالغ 65 مليون نسمة, كما ان الاسلام كهوية لا يزال السمة المميزة للمجتمع التركي ولا سيما في جنوب البلاد وشرقه بالرغم من الاجراءات الصارمة التي تفرضها الحكومة باسم تطبيق المبادىء العلمانية للجمهورية التركية والحفاظ عليها, ولعل بديهية تركيا اسلامية تطرح علينا السؤال التالي: كيف يمكن حل اشكالية وجود مجتمعين مختلفين حضاريين في ظل اتحاد واحد له هويته الحضارية ومؤسساته العليا وميثاقه؟ اذا تذكرنا ان البرلمان الاوروبي هو اعلى سلطة تشريعية في دول الاتحاد وينتخب على اساس مباشر ومن منطلق التحالفات الحزبية عبر هذه الدول فكيف يمكن تصور انضمام تركيا لعضوية الاتحاد ثم اشتراك حزب له توجه اسلامي (الفضيلة مثلا) في الانتخابات البرلمانية الاوروبية؟ هل هذا الامر يفسر سبب معارضة الاحزاب الديمقراطية المسيحية في دول الاتحاد قرار الاتحاد الموافقة على قبول تركيا في قائمة الدول المرشحة للعضوية؟ واذا كان من الصعب وجود حزبين مختلفين حضاريين في برلمان واحد لابد من السؤال عن آلية حل هذا الاشكال. الاوساط التركية الحاكمة تقول ان الاجراءات التي اتخذها مجلس الامن القومي في 28 فبراير عام 1997 للحد من نشاط الحركات الاسلامية (يذكر ان هذه الاجراءات ادت الى استقالة اربكان وحكومته انذاك) هي التي مهدت لموافقة الاتحاد الاوروبي. هل هذا يعني ان تركيا ستشهد مرحلة اكثر تشددا حيال الحركات الاسلامية والقيم الاسلامية المترسخة في البنيان الاجتماعي التركي؟ في الواقع, مسلسل الضغط على الاسلاميين مستمر سواء في طردهم من صفوف الجيش والمناصب والوظائف المهمة او في محاربة الاسلام السياسي بشكل منهجي, وعليه فإن التيارات التقليدية في المجتمع التركي من اسلامية وقومية تخشى من عملية سياسية امنية شبيه بتلك التي قام بها مصطفى كمال أتاتورك في العشرينيات من القرن الماضي بهدف التخلص من الرموز والمظاهر والظواهر الاسلامية شوقا للعضوية الاوروبية. واذا كانت النخب العلمانية التركية قادرة على القيام بمثل هذه العملية بدعم من الجيش فكيف يمكن تسوية معضلة الجغرافيا, تلك المعضلة التي تتمثل في ان 97 بالمئة من جغرافية تركيا تقع خارج أوروبا خصوصا وان تركيا في نظر العديد من الاوساط الاوروبية دولة اسيوية تنتهي حدودها عند حدود الكيان الاوروبي بل في ذاكرة بعضهم هي وريثة الدولة العثمانية التي ذاقت شعوبهم المرارة في حروب فتح القسطنطينية (استانبول) والبلقان, وهؤلاء يعتقدون ان الموطن الحقيقي للأتراك هو سهوب اسيا وهضابها وليس اوروبا! ان المسألة مدعاة للتفكير والتأمل, فمثلما هو مستحيل بالنسبة للأتراك اثبات انتماء بلدهم الى اوروبا جغرافيا. كذلك فإن المسألة صعبة واشكالية بالنسبة لأوروبا نفسها في قبول العضوية الكاملة لدولة لا تنتمي الى اتحادهم حضاريا وجغرافيا, وحل هذا الاشكال يشكل تحديا للفكر الاوروبي الذي يصنف نفسه بالليبرالي, والتحدي هنا هل بإمكان هذا الفكر ان يكسب الهوية الاسلامية بعدا حضاريا وثقافيا؟ مع الاعتقاد بصعوبة حل اشكاليتي الهوية الحضارية والجغرافية في المدى المنظور فإن السؤال الذي يطرح نفسه على الجانب الاوروبي ما الذي دفع بزعماء الاتحاد الاوروبي الى تغيير رأيهم من رفض قبول تركيا في الاتحاد خلال قمة بروكسل نهاية عام 1997 الى قبولها خلال قمة هلسنكي بل وبذل جهود لاقناعها بالانضمام؟ بمعنى آخر هل هناك اهداف محددة سعى ويسعى الاتحاد اليها من وراء قراره؟ يمكن القول ان اول هذه الاهداف الاتية هو الغاء عقوبة الاعدام في تركيا بما يعني انقاذ عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني من هذه العقوبة حيث تشعر دول الاتحاد الاوروبي بنوع من المسئولية حيال مصير اوجلان فضلا عن ان انصاره في اوروبا يحملون الحكومات الاوروبية مسئولية تقصيرهم عن الطريقة الدرامية التي ادت الى القبض عليه ويشكلون قلقا امنيا لدول الاتحاد الاوروبي. وثاني الاهداف الاوروبية هو حل الخلافات المزمنة بين اليونان وتركيا بخصوص بحر ايجه والمياه الاقليمية والمشكلة القبرصية ويبدو ان الاتحاد قد نجح في وضع اطار لحل هذه المشكلات الخلافية بين انقرة واثينا, وثالث هذه الاهداف هو قطع الطريق امام التيارات القومية والاسلامية التركية التي صعدت الى الواجهة السياسية التركية في السنوات الاخيرة ودخلت في لعبة استلام السلطة بعدما ظلت طوال العقود الماضية هامشية, اذ ترى هذه التيارات ان لتركيا مكانة مركزية في العالمين الاسلامي والتركي بعيدا عن التبعية لأوروبا. وعلى المدى الاستراتيجي فإن رابع هذه الاهداف هو استيعاب تركيا او اصطفافها جيوسياسيا وجيواقتصاديا بمعنى استيعاب انابيب نفط قزوين التي ستمد من باكو الى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط والابقاء على علاقات مميزة مع تركيا امنيا واقتصاديا وسياسيا في اطار معادلات الصراع والتنافس على الساحة الدولية. المعضلات التركية والاهداف الاوروبية تؤكدان ان مسيرة انضمام تركيا الى العضوية الكاملة للاتحاد الاوروبي ستكون صعبة وشاقة وطويلة, ولكن ينبغي القول ان كل ذلك لا يقلل من اهمية القرار الاوروبي الذي يؤكد ان تركيا قطعت شوطا لا رجعة عنه في سعيها الى العضوية الاوروبية, وعليه فإن مسار تأهيل تركيا للعضوية سيكون بالنسبة لتركيا مسارا للممارسة الديمقراطية والاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي في النهاية الى انسحاب الجيش من الحياة السياسية, مثلما سيكون بالنسبة للاتحاد الاوروبي اختبارا حضاريا لاحترام الهوية الحضارية الاسلامية بعيدا عن سياسة التذويب! كاتب سوري