كان وجود هيكل في مقر القيادة, في لحظات المخاض القلقة التي لم يكن قد تبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود, هي فرصته الذهبية لمعرفة خريطة القوى الحقيقية للسلطة الجديدة التي استولت في أقل من ساعتين على حكم مصر. إن محمد نجيب (وجه الأب الطيب) الذي أطل على الناس فور نجاح الثورة لم يكن سوى واجهة أو فاترينة, أما الذين كانوا يصنعون الأحداث ويحركونها فكانوا وراء الستار, ينتظرون إشارة أو إيماءة من قائدهم قليل الكلام, الكامن في انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض, جمال عبدالناصر. لقد عرف هيكل هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى, فلم يتردد في الرهان عليها. وربما كان هيكل هو أول من عرف ان جمال عبدالناصر هو الرجل القوي. وربما ظل الوحيد الذي يعرف ذلك لبعض الوقت, وكان السبب ان أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا قد اتخذوا قرارا بأن يظلوا جميعا في الظل, وأن يترفعوا عن المظاهر, ويرفضوا الأضواء والدعاية ونشر صورهم وأحاديثهم في الصحف. واستمر هذا الاتفاق سارياً حوالي ثلاثة أشهر.. من 23 يوليو إلى 13 أكتوبر 1952. لكن في صباح 14 أكتوبر 1952 تمزق هذا الاتفاق وانتهك بمقال نشرته صحيفة (الأخبار) على الصفحتين الأولى والثالثة.. وكتبه مصطفى أمين وإن لم يوقعه, وفيما بعد قال لي مصطفى أمين: إنه كتب المقال بايحاء من جمال عبدالناصر نفسه, وقد ألمح مصطفى أمين في المقال إلى أن جمال عبدالناصر هو القائد الفعلي للثورة وان الذين ساعدوه هم باقي ضباط القيادة: جمال سالم وأنور السادات وعبدالحكيم عامر وعبداللطيف البغدادي وحسن إبراهيم وصلاح سالم وكمال الدين حسين وخالد محيي الدين. ونشر مصطفى أمين صورة كبيرة بجانب المقال في الصفحة الأولى لجمال عبدالناصر ونشر صورة الثمانية الآخرين بحجم أصغر في الصفحة الثالثة, ولم ينشر صورة لمحمد نجيب, ولم يشر لباقي الضباط الذين قاموا بالثورة, وغضب باقي الضباط الأحرار, وتحول الغضب إلى ما هو أكبر من الاستياء, وكان أن بدأت أزمة ضباط المدفعية, ثم أزمة ضباط الفرسان, وبدأت السلطة الجديدة تتصارع مع بعضها البعض, وكان أن بقي البعض في الحكم ودخل البعض الآخر السجن. وقد أفرط مصطفى أمين في وصف جمال عبدالناصر, وقال عنه: إنه يتحدث بأعصاب حديدية صارمة, وبوجه هادئ جامد. (وشعره الأشيب يروي قصة كفاح سري عجيب لم يتصوره أحد ولم يعلم به أحد) .(1) في لهيب الأحداث وفي الحقيقة لم يكن مصطفى أمين أول من كتب عن جمال عبدالناصر وضباط القيادة. لقد سبقه إلى ذلك هيكل بأكثر من 47 يوما, في عدد (آخر ساعة) رقم 931 الصادر بتاريخ 27 أغسطس 1952. على صفحتين كاملتين بعنوان (من هم ضباط قيادة محمد نجيب؟ ـ الستار الحديدي الذي وضعوه حول أنفسهم) . وحظي جمال عبدالناصر بالقطع بنصيب الأسد, وكان ذلك هو أول ما كتبه هيكل عنه, وإن لم يذكر اسمه صراحة, فقد كان ضباط يوليو في المرحلة الثورية, الرومانسية, وهي مرحلة كان نشر أسمائهم فيها جريمة, وكانوا في هذه المرحلة يشبهون أنفسهم بظواهر الطبيعة الخارقة الغامضة, فهي موجودة, تفعل فعلها, وتؤدي عملها, وتؤثر فيما حولها, ولكن لا أحد يعلم على وجه التحديد من أين جاءت ولا إلى أين تروح؟ كان عنوان أول مقال لهيكل عن جمال عبدالناصر: (السكون الذي ترقد تحته عاصفة) .. أما المقال نفسه فهو وثيقة مهمة في تاريخ هيكل, لا يمكن التفريط في عدم نشرها كاملة, فهي بداية أهم مرحلة في حياته. قال هيكل في المقال: (سمعت عنه قبل أن ألقاه, كانوا يتحدثون عنه في الفالوجا المحصورة كما يتحدثون عن الخرافات والجن العمالقة, كان جريئا إلى أبعد حدود الجرأة وفي الوقت نفسه كان هادئا إلى أبعد حدود الهدوء, وكان هذا المزيج من الجرأة والهدوء شيئا عجيبا مثيرا. وكان كل زملائه يحبونه, واشتهر بينهم باسم تدليل كانوا يطلقونه عليه وينطقونه بأنفة واعزاز حينما يتكلمون عنه وهم جالسون في الخنادق في خط النار. وكان كثيرون في الفالوجا يحبون الاستماع إليه فقد كان يتكلم لغة جديدة ويثير فيمن حوله مشاعر جديدة قوية, وعندما كانت المعارك تهدأ يهرع إليه نفر من الضباط حيث يكون ثم تدور أحاديث تتجه كلها إلى الوطن البعيد حيث يفصل بينه وبينهم عدو يحاصر مواقعهم من كل ناحية, وكان تخليص وطنهم أهم عندهم من تخليص أنفسهم من الحصار الذي كانوا فيه. وعاد من الفالوجا هادئا ساكنا وفي نفس الوقت هائجا ثائرا. وكتب البوليس السياسي عنه تقارير وصفته بأنه من الإخوان المسلمين واستدعاه رئيس الوزراء القائم بالحكم وقتذاك لمقابلته وسأله: هل أنت من الإخوان؟ وكانت تهمة الالتصاق بالإخوان المسلمين في ذلك الوقت تهمة مخيفة وكانت مفاجأة لرئيس الوزراء حين قال الضابط: نعم أنا منهم. ودهش رئيس الوزراء وصمت لحظة ثم قال: لقد أعجبتني شجاعتك ولست أطلب منك تعهدا لي بألا تشترك في أعمال عنيفة. وحين خرج بعد انتهاء اللقاء وعرف بعض زملائه ما حدث أقبلوا عليه يسألونه: ولكنك لست منتميا إلى جماعة الإخوان المسلمين فلماذا قلت انك منهم؟. وقال هو بهدوء: لقد كان سيتصور اني أتهرب وأجبن إذا قلت إني لست منهم. الذين اتصلوا بعمله يقولون إنه جندي محترف, الجندية في دمه وفي أعصابه وفي عقله, ويستشهدون على ذلك بفترة قضاها في كلية أركان الحرب وكان العقل المدبر للكلية, ومن خريجي هذه الكلية جاء معظم ضباط حركة القوات المسلحة. ثم التقيت به لأول مرة, وكان اللقاء في بيت اللواء محمد نجيب قبل أربعة أيام من حركة القوات المسلحة. وكان يبدو أبعد بكثير مما سمعت عنه, كان يرتدي قميصا أبيض وبنطلونا رمادي اللون, وبدا كأنه شاب عادي لولا الشيب الكثير الذي ملأ شعر رأسه, وكنت قبل أن يدخل هو إلى بيت اللواء محمد نجيب جالسا مع اللواء نتحدث عن موضوع الساعة في ذلك الوقت وهو حل مجلس إدارة نادي الضباط, وحين دخل هو واصلنا الحديث في الموضوع نفسه وكان هو ساكتا لا يتكلم. وقلت له: ماذا.. هل ستتركون المسألة هذه المرة تمضي؟. وقال في هدوء: ماذا نفعل؟ قلت: افعلوا أي شيء. ولكن لا يمكن أن تمضي المسألة هكذا. وقال في بساطة: أهذا رأيك؟ قلت في عصبية: وهل لك أنت رأي سواه؟ ثم التقيت به للمرة الثانية في الساعة الرابعة من فجر 23 يوليو, كانت الحركة قد فرغت منذ أقل من دقائق, وكانت رئاسة الجيش تعيش في جو غريب, حركات القوات حولها من كل ناحية, والدبابات والسيارات المدرعة ومدافع الميدان والمدافع الرشاشة, واقترب مني في صوت رقيق متزن يقول: ما هو رأيك.. هل يكفي هذا؟ ثم رأيته كثيرا بعد ذلك, رأيته يلزم مكتبه سبعة أيام متواصلة, وإذا غادره فإلى المكتب المجاور, حيث يشهد مؤتمرا, ورأيته يتكلم في كل الموضوعات ويقترح حلولا لكل المشاكل. وبعضها بعيد عن العسكرية بعد السماء عن الأرض. ورأيته يجلس على ذرى القوة دون أن يحس بها فإن رأسه لم يدر ولم يركبه الغرور. لقد كان في هذا كله كما وصفوه أيام الفالوجا مزيجا من الجرأة المتناهية والهدوء الوديع. انتهى. ويحدد هذا المقال الذي كتب والحدث ساخن متى بدأت علاقة هيكل بجمال عبدالناصر. لقد كان اللقاء الأول في 18 يوليو ,1952 قبل الثورة بأربعة أيام, في بيت محمد نجيب, وقد كان اللقاء (مصادفة) على حد وصف هيكل عند اعادة الرواية في عام ,1984 بعد 32 سنة على وقوعها, وعند اعادة الرواية قال هيكل أيضا: انه في حضور عبدالحكيم عامر ومحمد نجيب دار نقاش ساخن حول ما يجري في البلاد ودور الجيش فيه. (وتحمست أثناء المناقشة وقلت لجمال عبدالناصر ما معناه: ان الجيش عاجز عن رد كرامته ازاء عدوان الملك عليه, ورد جمال عبدالناصر بالتساؤل عما يمكن أن يفعله الجيش, أو ليست أي حركة من جانبه يمكن أن تؤدي إلى تدخل بريطاني يعيد فيه الملك فاروق تمثيل دور الخديوي توفيق ويعود فيه الجيش إلى مأساة عرابي؟ وتطوعت فقلت: إن الانجليز لن يتدخلوا لانهم لا يملكون وسائل التدخل, وأحسست ان عباراتي دقت جرسا في رأس جمال عبدالناصر لانه التفت إلي وسألني عن الأسباب التي تدعوني إلى القول بذلك. كيف أستطيع أن أقطع على هذا النحو بأن الانجليز لن يتدخلوا, ورحت أشرح وجهة نظري(2). يجلس في رأسي كان هيكل في ذلك الوقت شابا أنيقا, أعزب, يدخن سيجارا صغيرا أسود. ويكتفي بأقل قدر من النوم, أقل مما كان ينام جمال عبدالناصر, ويتحدث الانجليزية أفضل مما كان يتحدثها في ذلك الوقت جمال عبدالناصر, وكان هيكل يتابع الصحف الأجنبية ويداوم على متابعة الكتب المنشورة في لندن ونيويورك, وعلى علاقة بطابور طويل من المراسلين الصحافيين الآتين من أربعة أنحاء المعمورة, وكل ذلك جعل جمال عبدالناصر ينظر له نظرة مختلفة. والمؤكد ان جمال عبدالناصر لم يكن يعرف هيكل معرفة وثيقة حتى قامت الثورة, بل انه لم يكن يثق في صحافة (أخبار اليوم) ولا في محرريها. ولو أراد استغلال (أخبار اليوم) لصالحه فإن رأسها مصطفى أمين كان جاهزا ومتطوعا, بل ان علاقة جمال عبدالناصر كانت أكثر متانة في تلك الفترة بأحمد أبو الفتح, بسبب علاقة النسب التي كانت تربط بين أحمد أبو الفتح وثروت عكاشة. وقد كان أحمد أبو الفتح وراء تقديم موعد قيام الثورة بعد أن أبلغ ثروت عكاشة أن البوليس السياسي لديه قائمة بالضباط الأحرار, وانه على وشك أن يلتهمهم في الغداء قبل أن يلتهموا هم النظام في العشاء, ثم كانت علاقة جمال عبدالناصر أكثر متانة بإحسان عبدالقدوس بعد موقفه الشجاع في حملة الأسلحة الفاسدة. وبعد الدور الذي لعبته (روز اليوسف) في التمهيد للثورة والتحريض عليها. فلماذا جاء هيكل منفردا. بلا مؤسسة صحافية يملكها وبلا قوة تسانده ليصبح الأقرب لجمال عبدالناصر وليصبح المدني الوحيد الذي ينام جمال عبدالناصر على تليفون منه ويستيقظ على تليفون منه ويمكنه أن يزوره في منزل منشية البكري في أي وقت وهو متأكد انه سيلقى ترحيبا مهما كان الوقت متأخرا ليلا؟. حسب شهادة محسن عبدالخالق, وقد كان واحدا من المقربين لجمال عبدالناصر ومديرا لمكتبه في الفترة المبكرة للثورة, فإن جمال عبدالناصر اعترف له بأن هيكل هو الوحيد (الذي فهمني وفهم ما يدور في عقلي قبل أن أترجم أفكاري إلى كلمات) . وكانت نص عبارة جمال عبدالناصر لمحسن عبدالخالق: (إن هيكل ببساطة يجلس في رأسي) (3). وحسب شهادة وزير الاعلام الأسبق محمد فايق: فإنه كن في رحلة مع جمال عبدالناصر لحضور أحد اجتماعات منظمة الوحدة الافريقية بأديس أبابا, وجلسنا على العشاء وكان معنا هيكل, وطلب مني جمال عبدالناصر بعض المعلومات لانني كنت مسئولا عن افريقيا, فقدمتها له, فأخذها مني وقدمها لهيكل, الذي قام وذهب إلى حجرته, وعندما عاد كانت المعلومات قد صيغت بطريقة جذابة, ومبهرة, وبدت مطابقة لما يتصوره جمال عبدالناصر الذي كان هو الآخر عاشقا للكلمة, شاعرا أمام الأسلوب الحلو(4). وقد كان كل الصحافيين في مصر في بداية الثورة يهتمون بأخبار محمد نجيب وتصريحاته ومقابلاته, بينما ركز هيكل ـ كما يقول محسن عبدالخالق ـ على جمال عبدالناصر, ولم يكن الناس قد عرفوه بعد بأي صورة من الصور, وفي تلك الفترة ألح هيكل على عبدالناصر من أجل اجراء حوار معه, وجرى الحوار في بيت جمال عبدالناصر الذي قال لمحسن عبدالخالق عندما قرأ الحوار: (إن هيكل استطاع أن يقرأ حتى أفكاري التي لم أبح بها لأحد) . الشاهد والمشارك فيما بعد راجت قصة تكررت على ألسنة كثيرة, لقد لاحظ الصحافيون الذين رافقوا جمال عبدالناصر في رحلته إلى مؤتمر باندونج انه ينفرد كثيرا بهيكل ويدخلان في حوار طويل. وطالب هؤلاء جمال عبدالناصر بأن يعطيهم الأخبار كما يفعل مع هيكل, لكن كانت المفاجأة ان جمال عبدالناصر قال لهم: (إن هيكل هو الذي يعطيه الأخبار) . كان هيكل ينشط في دوائر المؤتمر, وينقل ما يجري فيها لجمال عبدالناصر ليعطيه الفرصة للتصرف والرد والمناورة, وأتصور ان هيكل كان هنا مثل أي صحافي يعرف ان الحصول على المعلومات يكون بالمعلومات, فصيد سمكة كبيرة يحتاج لطعم من سمكة صغيرة, وفي مقابل ما كان ينقله هيكل لعبدالناصر مما يجري في صحافة العالم وأحداثه أول بأول كان يحصل على كل وثائق الدولة أول بأول, وهكذا بدا هيكل في المنطقية الوسطى بين دور الشاهد ودور المشارك, بين الصحافة والسياسة... وهذه قصة أخرى. ومنذ وقت مبكر للثورة قبل هيكل أن يلعب دورا سياسيا يتجاوز دوره الصحافي, ففي الوقت الذي قرر جمال عبدالناصر ايفاد أول بعثة عسكرية ـ يرأسها قائد الجناح علي صبري ـ إلى واشنطن لبحث احتمالات عقد صفقة سلاح بين مصر والولايات المتحدة وافق جمال عبدالناصر على سفر هيكل إلى هناك ليحاول أن يستكشف ما سبق ذلك وما يليه من احتمالات سياسية. وكان هيكل قد تلقى دعوة من السفير الأمريكي في القاهرة جيفرسون كافري لتغطية الانتخابات الأمريكية التي كانت ستجرى في خريف 1952 وفاز فيها الجنرال دوايت إيزنهاور الذي راح يستعد لدخول البيت الأبيض في 20 يناير 1953. وحسب ما سجله هيكل بنفسه فإنه عاد إلى مصر متشائما (من امكانية حصول مصر على سلاح أمريكي) ويشهد هيكل (ان جمال عبدالناصر ـ من موقعه الذي لم يبرحه في القاهرة ـ كان قد وصل إلى القناعة نفسها وقال: (إنني قلت لبعض اخواننا هنا اننا لن نتسلم شحنات سلاح من أمريكا والشحنة الأولى التي سوف نتسلمها سوف تكون علي صبري نفسه) . لكن ... ضرورات السياسة لم تكن لتقنع بمشاعر التفاؤل والتشاؤم) . القلم حين يلسع على انه قبل أن نعرف كيف راهن هيكل على جمال عبدالناصر لابد أن نتوقف عند كتاباته الأولى التي عبر بها عن الثورة. إن هذه الكتابات التي تصدرت صفحات (آخر ساعة) تحت عنوان (أحداث الساعة) كانت تتميز بالسرعة, والرشاقة, والفكرة الخاطفة, والعنوان الملفت, والحدة في الرأي المنحاز للسلطة الجديدة, والتحريض على دعمها ومساندتها والمشي في ركابها. وفي الصفحة الواحدة من (اخر ساعة) (وهي تساوي نصف صفحة جريدة) كان هيكل يكتب ما بين 4-6 مقالات قصيرة. كان بعضها لا يزيد عن 150 كلمة, وهو ما سهل على غالبية الناس قراءتها. ولنلق نظرة على جانب من هذه المقالات: * ليست الثورة فيلما من أفلام رعاة البقر نجلس لمشاهدته على مقعد وثير في دار سينما مزودة بتكييف هواء لنرى البطل الشريف الوسيم يطارد زعيم العصابة اللص المكروه ثم نقف في نهاية العرض نثني على شجاعة البطل ونحن نتمطى في تكاسل, ثم يعزف النشيد الوطني ثم نذهب إلى بيوتنا وننام ملء الجفون وانتهى الأمر. ليست الثورة هذا, ولا هذا هو شعورها, ولا تلك تبعاتها ولا هذه ضرائبها المقدسة, لقد صفقنا طويلا لضباط الجيش في حربهم ضد الفساد ولكن أهذا هو كل دورنا؟ مجرد التصفيق. ماذا فعلنا جميعا لنقول للذين ثاروا حقيقة إننا معهم, لنثبت لهم اننا عقدنا العزم على ان نقف معهم في نفس الخط الذي يقفون فيه دفاعا عن مستقبل مصر. من مقال (الثورة ليست فيلما من أفلام رعاة البقر) 13 أغسطس 1952 * بعض الذين أضنتهم الحياة داخل سجون الطغيان القديم لا يريدون أن يصدقوا ان عهدا جديدا قد بدأ, إنهم ما زالوا يتكلمون همسا وما زالوا يتصورون أن هناك من يعد عليهم الحركات والسكنات, وما زالت في عيونهم نظرات الرعب القديم, ارفعوا أصواتكم وتكلموا وأطلقوا كل الحبيس في صدوركم, أنتم أحرار, وافعلوا ما تريدون وانطلقوا في الطريق الذي تشاءون فلن تعترض طريقكم جدران عالية تصدكم عن الانطلاق, وافتحوا عيونكم وأديروها فيما حولكم, لقد تحطمت الأسوار وانخلعت القضبان وليس فوقكم إلا السماء الصافية, تكلموا, تحركوا, انتظروا, هذا عهد جديد. مقال (تكلموا.. تحركوا.. انظروا) 17 سبتمبر 1952 * يخطئ من يتصور ان الثورة هي هوجة يوم واحد تقفز فيه متحمسة مستعدة إلى مقاعد السلطان فتطرد الجالسين عليها أمواتا وأحياء ثم تحتل مكانهم وينتهي الأمر. لقد بدأت الثورة الحقيقية في اعتقادي ساعة صدور قانون تحديد الملكية, لقد بدا وقتئذ أن هناك أمة تولد من جديد.. وبدا وقتئذ أن روح الثورة وروح التحرير ليسا ترفا وإنما حقيقة تدب على الأرض الطيبة وتصدم العاملين فوق التربة السمراء وتقول لهم: اسمعوا, لم تعودوا عبيدا. من مقال (ما هي الثورة) 17 أغسطس 1952 ولم يكن هيكل ليكتفي بالترويج للعهد الجديد من دون أن يلسع بقلمه بعضا مما كان يجري, فهو مثلا ينتقد رئيس قوة البوليس التي تقوم بحراسة بيت رئيس الوزراء (علي ماهر) لانه يمنع مرور السيارات والبشر من أمام البيت. ويستطرد هيكل: (ولقد أثار هذا التصرف دهشة كثيرين, فقد تصور الناس أن الفوارق قد زالت وأن جميع المصريين أصبحوا سواء في الحقوق والواجبات وانه لا يمكن أن يقفل طريق عام لان واحدا من كبار المسئولين يسكن فيه) . ووصف هيكل مثل هذا التصرف بعقلية ما قبل 26 يوليو, تاريخ خروج الملك, وإن كتب التاريخ في عنوان المقال 26 يناير... خطأ. الأسطورة تتشكل وبمرور الأيام تلاشت مساحة محمد نجيب في رؤية هيكل, وعلى صفحات المجلة المصورة المؤثرة التي يرأس تحريرها, وفي المقالات التي يكتبها, وبدا واضحا ان كل موهبة صناعة الضوء التي يتقنها قد أصبحت من نصيب جمال عبدالناصر على الرغم من ان محمد نجيب قد أصبح أول رئيس للجمهورية في 18 يونيو 1954. لقد كثف هيكل براعته في الدعاية السياسية والصحافية لتكون من نصيب جمال عبدالناصر بمفرده, ولم يفقد هيكل رهانه على جمال عبدالناصر على الرغم من الظروف الحرجة التي جرت فيما يعرف بأزمة مارس 1954. لقد قدم محمد نجيب استقالته, وترك مكتبه إلى بيته, لكن المظاهرات الشعبية خرجت لتطالب بعودته, ونجحت في ذلك, ولقد وصف هيكل هذه الأزمة بالمحنة, ووصف محمد نجيب بقلب الثورة, ووصف جمال عبدالناصر بعقلها, وطالب بضرورة استمرار الحلف المقدس بينهما. ولكن المحنة التي خرج منها محمد نجيب منتصرا كانت هدنة لجمال عبدالناصر استعدادا لجولة جديدة حاسمة, تصبح السلطة فيها من نصيبه كاملة, بلا منازع, وفي فترة الهدنة التي لم تزد على شهور كان هيكل يتعامل مع جمال عبدالناصر على انه الرئيس والزعيم والقائد رغم انه كان لا يحتل سوى منصب رئيس الوزراء. وقد كانت الدعاية لجمال عبدالناصر تصوره بما يتجاوز الحدود الضيقة للوطن بما هو أرحب وأوسع عربيا وعالميا. ففي عدد (آخر ساعة) 1034 في 18 أغسطس صور لجمال عبدالناصر وهو في الأراضي المقدسة في مكة يطوف بالكعبة التقطتها عدسة حسن دياب. في صحبة تقرير يؤكد ان (شعوب الإسلام مع جمال عبدالناصر) . ويشير إلى ان (الأراضي المقدسة تشهد أخطر الاجتماعات والمشاورات) . وتقول: ان فكرة (الرئيس) جمال عبدالناصر بعقد المؤتمر الإسلامي الأول هناك نجحت. ولو كان المؤتمر (لم يزل بعد في دوره التمهيدي) فإنه عندما يعقد (المؤتمر القادم فسوف تصبح المناقشات التي تدور فيه والقرارات التي تتخذ شيئا ضخما يساهم به العالم الإسلامي في أحداث الدنيا كلها) . وقبل ذلك في عدد 1024 من (آخر ساعة) في التاسع من يونيو 1954 نشر هيكل ترجمة للتحقيق الذي نشره بالصور الصحافي الانجليزي ريتشارد طومسون عن بيت جمال عبدالناصر. وفيه يقول: انه قابل جمال عبدالناصر في بيته وليس في مكتبه وهو بيت صغير ملحق بإحدى ثكنات الجيش, والحكومة هي التي تملك البيت ولكن الكولونيل عبدالناصر نقل إليه أثاثه القديم, ولقد لفت نظري تقشف هذا الأثاث وهو حقيقة أثاث مريح ولكنه نموذج للتقشف, وقد أدهشني أن جمال عبدالناصر يبدو في الطبيعة أحسن بكثير من الصور التي تنشر له, إنه شاب في السادسة والثلاثين, طويل, ذو شعر مجعد غزاه الشيب من الجانبين, وحرت في لون عينيه, فهو مزيج من الأزرق والرمادي. ولقد شعرت طول الوقت إنني مع شخصية مرحة ولكنها شخصية آمرة, ولفت نظري شيء آخر هو ان جمال عبدالناصر لم يتردد في الاجابة عن أي سؤال وجهته إليه حتى الأسئلة التي أتردد أنا قبل القائها شعورا بالحراج) . ونشر مع التحقيق الصحافي صورا لأثاث البيت, ولأولاد عبدالناصر, خالد ومنى فوق مائدة الطعام, عبدالحميد يستمتع بقطعة شيكولاتة, وعبدالحميد على حجر والده الذي كان ينظر إليه بحنان وابتسامة خفيفة ساحرة.. وصورة لهدى وهي تلعب على مرجيحة متواضعة في حديقة أكثر تواضعا. وقبل ذلك, في عدد 1018 من (آخر ساعة) في 28 ابريل 1954 نشر هيكل ترجمة لقصة جمال عبدالناصر كما روتها مجلة (لايف) الأمريكية المصورة بقلم محررها جيمس بل الذي وصف جمال عبدالناصر لأول مرة (بالزعيم) ووصفه أيضا (بالرجل الباسم الواثب المنقض الذي يمتاز بالشهامة والنخوة. وقال عنه: انه ذو طبيعة متناقضة تجمع بين الشفقة والقسوة والاندفاع والهدوء لكنه لم يعرف عنه أنه فقد أعصابه مرة واحدة, هذا العملاق الذي يسير دائما في خطى متئدة حريصة حذرة أضفت عليه في يوم من الأيام لقب (الثعلب) . وانه ليبتسم في طلاقة وبشر وحرارة صادقة, وتومض في عينيه لمعات الحماسة, وترسم على وجهه معاني الهمة الفياضة المتدفقة وتتجلى في مجموعته كل مظاهر الزعامة بصورة مؤثرة مقرونة بالبساطة الطبيعية وعدم التكلف, حتى ان المرء لا يملك إلا أن يتساءل: هل هذا الرجل غامض إلى أبعد حد أم هو سليم النية إلى ما لا نهاية؟) . ونشرت المجلة صورة له وهو يرتدي (البيجامة) ويجلس مبتسما وسط أولاده بعد أن أجرى عملية الزائدة. لقد بدأت صورة البطل الشعبي القوي تتسرب إلى وجدان الناس, وراحت الأسطورة تتشكل في انتظار الفرصة لتفرض نفسها على الجميع, وهم يشعرون بأنهم أخيرا قد وجدوا حاكما منهم يحكمهم, وينشر العدل والرحمة والمساواة, ويعيد الكرامة الضائعة, ويحول نهر النيل إلى نهر من العسل والحليب. الـهـوامـش: (1) عادل حمودة: (نهاية ثورة يوليو - وثائق قضية المدفعية -) الناشر مكتبة مدبولي - القاهرة 1983. (2) هيكل: (بين الصحافة والسياسة - مرجع سابق -) ص 49. (3) تعرفت على محسن عبدالخالق بواسطة الصديق عيسى سراج الدين وأنا أقوم بتحقيق وثائق قضية انقلاب المدفعية في صيف 1982 وجرت بيننا أحاديث كثيرة تناول بعضها علاقة هيكل وعبدالناصر. (4) حوار شخصي مع محمد فائق جرى في منزله في ضاحية مصر الجديدة بالقاهرة.