يشكو كثيرون من تراجع دور المثقف العربي خلال السنوات الأخيرة, لدرجة الانحسار, وبالتالي تدني موقع المثقفين في الترتيب الهرمي للسلم الاجتماعي, وفقدانهم قدرا كبيرا من الاستقلالية, عن السلطة أيا كانت سواء سلطة الحزب أو الدولة أو المؤسسة الثقافية الرسمية. ولا يخفى على أحد ان غالبية المثقفين العرب تحولوا من الدور القيادي في صنع الأحداث إلى دور التبعية والتبرير لما تنتجه الجهات المسئولة سواء كانت حكومية أو أهلية, وغاب عن حياتنا النماذج الريادية التي جسدت دورا يليق بالمثقف التنويري أو الثوري منذ مطلع العصر الحديث, أولئك الذين لم يرهنوا كلماتهم ومواقفهم لقاء تحقيق مصلحة خاصة, أو جلب نفع شخصي, ولم يتحولوا عن مبادئهم خوفا من ضغط أو ملاحقة, ومنحوا أجيالا متعاقبة الثقة في انتصار الحق, مهما ضعف جانبه. وهل يمكن أن ننسى موقف عملاق الأدب عباس محمود العقاد الذي فضل قضاء عقوبة السجن تسعة أشهر, على الانحناء أمام سطوة السلطان فؤاد الأول ملك مصر والسودان, وأشهر قلمه في وجه السلطة وهو الأعزل حتى من وظيفة ثابتة تؤمن له قوت يومه, وعلى نفس الطريق سار شاعر الشعب بيرم التونسي وتاه في المنافي الأوروبية بسبب قصيدة لاذعة رددتها مصر كلها, وكان بامكانه التزلف, والتمتع بكل ما يستحقه, لكن رفض أن يخون موهبته أو ولاءه للحق. وربما لا تستطيع كلمات عابرة أن تلم بكل أسماء المثقفين الذين حافظوا على طهارة أقلامهم وولائهم لمبادئهم, وقضوا حياتهم يعملون في صمت, لا تعمي أبصارهم أضواء وبريق الشهرة والمناصب, ولهذا بقيت أسماؤهم محفورة في الوجدان تستعصي على النسيان أو المحو بفعل توالي الأيام. على ان هناك صنفا من المثقفين يسخرون أقلامهم لغير ما خلقت له, ويقفون في طوابير الانتظار أمام الأبواب طلبا لرضاء الممسكين بزمام الأمر, ولا يهم من يكون, فهم أول من يبادر متطوعا بذم من رحل عن الكرسي, ومدح خلفه. فمثلا عندما رحل جمال عبدالناصر منذ 30 عاما انقلب عليه بعض الشعراء الصحفيين والكتاب الذين بالغوا في مديحه في حياته, وتحولوا إلى اختلاق القصص والروايات للتشهير به, والخوض في ذمته التي أجمع أعداؤه على طهارتها من كل ما يشوبها, وذهبت محاولاتهم أدراج الرياح, وبقيت سيرة عبدالناصر حاضرة في ذاكرة شعبه. وخسر المثقفون قدرا كبيرا من مصداقيتهم وثقة الجماهير فيهم, لان المثل سقط في عيونهم عند أول اختبار, ولن تستعاد الثقة إلا بعودة المثقف لذاته واحترامه لها.