كان نجاح هيكل المدوي في صحافة (أخبار اليوم) مصدر تعاسة للآخرين, كل الآخرين, وذات يوم في صيف 1949 فوجىء علي أمين بمظاهرة من 11 محرراً وكاتبا يقتحمون مكتبه وهم يقولون له: (يا نحن .. يا هيكل) ووجد علي أمين نفسه في حيرة ان هيكل ـ الذي وصفه التابعي بساحر (آخر ساعة) ـ لا يكف عن السفر والسهر, وتحقيقاته وتقاريره الصحافية في الداخل والخارج مثار الانتباه ومصدر من مصادر التوزيع, لكن في الوقت نفسه لا يستطيع علي أمين أن يتجاهل كل هذا الغضب, فكان أن طلب من الغاضبين, الساخطين, أن يقدموا له قائمة اتهامات محددة يقدر على أساسها أن يواجه هيكل وينفذ مطلبهم ويختار بينهم وبينه. كانت الاتهامات من عينة: إنه (غامض) (خطير) , (ألعبان) لا يطيق زملاءه, متعال, (مجرد من الانسانية) , (لا يرى سوى مصلحته) وضحك علي امين قائلا: إن كل ما سمعه انفعالات لا اتهامات, أحاسيس لا وقائع, غيرة مهنية لا جرائم قانونية, وانفض الاجتماع, لكن لم ينفض الغضب عن هيكل. إن علي أمين كان مؤمنا بموهبة هيكل وبقدرته الفائقة على العمل, لقد روى علي أمين في أحد أحاديثه: أنه في أول اجتماع عقده هو ومصطفى امين بعد شراء (آخر ساعة) أن هيكل أبدى استعداده لعمل كل ما يعهد به إليه . فقال له علي أمين: حتى قصص الحظ مع أوراق اليانصيب فرد هيكل: أليست قصصا صحافية؟ فأجاب علي أمين: هي قصص صحافية من الدرجة الأولى فقال هيكل: إذن أنا معها. ولم يتوقف نجم هيكل عن الصعود بمجرد أن ركب جواد (أخبار اليوم) وهو جواد كثيراً ما تحول إلى سيارة جيب تسافر لتحقيق حوادث مثيرة في أطراف نائية, وكثيراً ما تحول إلى طائرة تهبط في أماكن التوتر خارج الحدود, وفي كل مرة كان هيكل يعود أكثر بريقاً. وفي رحلات هيكل خارج الوطن كان يتلقى خطابات من صديقه الشاعر المرهف كامل الشناوي, وهي خطابات يصفها هيكل بأنها (كانت خيطاً من الحرير يصل بيني وبين الوطن دائما مهما كان البعد) . وفي خطاب منها كتب له كامل الشناوي: (ماذا تفعل أنت هناك؟.. تتابع أحداث أوطان أخرى ووطنك هنا على شفا أحداث أكبر) . أسئلة سابقة لأوانها وعاد هيكل الى مصر في خريف عام ,1951 عاد مع الايام التي ألغيت فيها معاهدة 1936 فكان أن ترك مكتبه قبل أن يستقر عليه, وجرى الى منطقة القناة بحثاً عن المتاعب بعد أن اشتدت حركة المقاومة الوطنية ضد قوات الاحتلال البريطاني, ثم طار الى الخرطوم وقد توقع صداما بين القوات البريطانية والقوة المصرية المرابطة هناك, لكن شيئاً مما كان يشعر به بحاسته الصحافية لم يقع, فعاد الى القاهرة وهو يشعر بأنه أخطأ التقدير, فلو كانت الحوادث سوف تتحرك (فإن حركتها سوف تكون في القاهرة وليس بعيداً عنها) . وفي منتصف نهار 26 يناير 1952 ـ وبينما الملك فاروق يقدم ولي عهده الأمير الرضيع أحمد فؤاد إلى قادة الجيش والبوليس في قصر عابدين ـ اتصل أحمد حسين رئيس الحزب الاشتراكي (مصر الفتاة) بهيكل يسأله: ماذا تفعل في مكتبك والشارع المصري يفور ويغلي؟.. ونزل هيكل لوسط العاصمة لتتيح له الظروف (متابعة حريق القاهرة من اللهب إلى الرماد) . ومن الفوضى إلى نزول الجيش في الشوارع, وفي تلك اللحظات الحاسمة والقلقة لم يكن من الصعب على هيكل أن يدرك أن أنقاض القاهرة قد اختلطت بأنقاض النظام الملكي الذي كان يتساقط وينهار يوماً بعد يوم. وفي 18 يونيو 1952 فاجأ علي أمين قراء (آخر ساعة) التي يتولى رئاسة تحريرها بمقال خصصه كله عن هيكل إنتهى بقوله: (انني اليوم اقدم لكم استقالتي لأعود محرراً عادياً في (آخر ساعة) وأقدم لكم مع الاستقالة رئيس التحرير الجديد محمد حسنين هيكل) . وقد تولى هيكل رئاسة تحرير (آخر ساعة) في أول يوليو 1952 وكان عمره حوالي 29 سنة, ولم يكن يعلم أنه بعد 23 يوماً فقط سيفتح له الطريق ليصبح أهم صحافي في مصر ـ ثم في العالم العربي تمهيداً للدوران فيما هو أكبر ـ حتى إن بدت السحب كثيفة والرؤية غائبة, إن رصيده الصحافي في فلسطين اصبح رصيدا من ذهب, والدبابات والمدرعات وأحذية الجيش الثقيلة تغير النظام في مصر, فالذين قرروا التغيير هم الذين حاربوا وهزموا في فلسطين.. ان العبارة المفتاح فيما جرى ويوم 23 يوليو هي العبارة الشهيرة للشهيد أحمد عبدالعزيز قائد الفدائيين المصريين في فلسطين لضابط مدفعيته كمال الدين حسين: (إن حربنا الحقيقية هناك.. في القاهرة) .. وكانت (تلك رؤية صادقة تكشفت لها الحقيقة في لحظة عظيمة من لحظات الألم) . (لقد عاد كل الجنود العرب الذين كانوا يقاتلون في فلسطين ومعهم ضمائر تتفاعل في وجدانهم, تحرك في أعماقهم المسئولية عن تغيير الأوضاع, وبعد ثلاثة أشهر من انتهاء المعارك تحرك أول الجيوش العربية تحت الشعور بمسئولية التغيير في دمشق, لكن عوامل عديدة أخرجت محاولة التغيير عن اداء دورها التاريخي) ثم كان النجاح حليف الذين تحركوا تحت شعور مسئولية التغيير في القاهرة. (إن الذين عادوا من فلسطين هم الذين أعطوا أنفسهم لقوى الثورة الشعبية وتحركوا ليلة 23 يوليو, وتحقق لهم النجاح بتأييد الجماهير صباح ذلك اليوم الحاسم, ثم استطاعوا بولائهم لهذه الجماهير أن يكتشفوا حقيقة دورهم) . وفيما بعد قال جمال عبدالناصر: (لم أكن واثقاً أن الثورة ستنجح ولم يكن النجاح هو كل ما أريده, لقد كان حسبي أن نتحرك, وحتى لو جاء الصباح فوجدنا أنفسنا جميعا معلقين على المشانق فلقد كان يكفيني أن يقال إن هذا الجيل من شباب وطننا لم يرض أن يقف ساكنا أمام كل هذا الذي يجري في وطنه, لقد كان يجب أن نفعل شيئاً, أي شيء حتى تبقى شعلة التضحية الوطنية مرفوعة جيلاً بعد جيل) . وفيما بعد أيضا, كتب هيكل عن الجيش والثورة: (لو أن فناناً عظيماً خالقا ومبدعاً أراد أن يرمز إلى يوم 23 يوليو 1952 بلوحة أو تمثال لاقترحت عليه رسماً يمثل جندياً راكعاً على ركبتيه في ولاء وإخلاص أمام الغالية الخالدة (مصر) بينما هي تعقد على رأسه إكليل زهر رمزاً للنصر ثم محبة له وتقدير) . وقد كان هيكل أول مدني يدخل مقر قيادة الانقلاب العسكري فور وقوعه في ليلة 23 يوليو, وهو يعترف بأنه في تلك الليلة لم يكن يخطر في باله أن الجيش في مصر قادر على تحقيق المعجزة التي تحققت بالفعل, ويستطرد: (ولقد كنت واحداً من الناس الذين لا يتصورن الجيش إلا خاضعاً لسلطة شعبية مدنية عليا يتلقى منها أوامره ويخضع لتوجيهاتها, ومع أنني ـ مثل كثيرين غيري ـ قبل الثورة كنت أرى ان انحرافات القيادات المدنية تعفي الجيش من كل ولاء لها وتلزمه أن يتجه بولائه إلى المصدر الاصيل لكل سلطة وهو الشعب إلا أن الحيرة كانت تستبد بي وتسائلني دائما: وكيف يستطيع الجيش متخطياً السلطات الرسمية أن يتقدم الشعب وما هي النقطة التي يمكن أن يبدأ منها واجبه, وما هي الحدود التي يستطيع أن يمضي إليها, ثم ما هو الضمان النهائي لهذه الحدود؟ وفجر يوم 23 يوليو (ومع أن الحماسة كانت تلهب كل شعرة في أعصابي إلا أن ومضات من القلق كانت تلسع بين وقت وآخر فرحتي بكل ما حدث. وأذكر أنني مع أضواء الفجر الاول وقفت وحدي في شرفة تطل على الفناء الواسع لقيادة الثورة وكان بعض الجنود الذين شاركوا في أحداث تلك الليلة الهائلة يجلسون على الأرض بعضهم يستريح وبعضهم ينتهزها فرصة ليأكل فيها سندوتشات كانت في جرابه طول اليوم لكنه نسيها ونسي الجوع مع الانفعالات التي عاشها ساعات متوالية خطيرة, وكانت أفكاري في تلك اللحظات في ذات الصباح الحاسم تتحرك وتتداعى بسرعة مذهلة, ساءلت نفسي مرة: ترى هل يعرف هؤلاء الجنود حقيقة ما قاموا به ومداه وآثاره؟, ثم قلت لنفسي: إن الذي حدث هذه الليلة كان لابد أن يحدث مهما كان الثمن, ثم تستطرد خواطري: لم يكن غير الجيش يستطيع القيام بمثل هذه المحاولة الجريئة من أجل تغيير الأوضاع) . (ثم أجد السؤال الخطير يفرض نفسه تلقائيا في نهاية هذه الخواطر: لكن ماذا بعد ذلك؟ هل يحكم الجيش؟ هل تنتهي آمالنا الكبرى في التغيير بإقامة نظام عسكري يصدر الأوامر من أعلى؟ هل تصبح هذه المغامرة حادثة في التاريخ استدعتها ظروف حتمية أو تصبح سابقة قابلة للتكرار وتتكرر الانقلابات مع المطامع الفردية وخيالات العظمة لدى بعض الجنرالات كما حدث في تجارب سابقة في بلاد غيرنا شهدت بنفسي بعضا منها وعشت وقائعه؟ وعلى الرغم من أن هذه الاسئلة بدت سابقة لأوانها في انقلاب لم يكن قد استقرت بعد عناصر نجاحه إلا أن تفكير هيكل فيها كان يعني انه قرر منذ اللحظة الاولى أن يشارك ولو بالنصيحة في تقديم اجابات يحتاجها قادة الانقلاب الجدد الذين لم تكن لهم خبرة سياسية كافية, كما أنهم كانوا في حاجة لمن يساعدهم في الإجابة على هذه الاسئلة التي سرعان ما ستفرض نفسها, ومن ثم كان هيكل يعرف ما يفعل منذ البداية, خاصة وأنه من الناحية الموضوعية, كان هيكل في مثل أعمارهم, لكنه كان يمتاز عنهم بمعرفة الخريطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية, كما أنه بالقطع كان يتمتع بسعة اطلاع وخبرة سفر ووفرة علاقات لا تتوافر في معظمهم على الأقل يوم قاموا بحركتهم البدنية العنيفة. من كان يتصور؟ كان عدد (آخر ساعة) رقم 926 جاهزا للتوزيع صباح يوم الاربعاء 23 يوليو 1952 ولم يكن فيه ما يشير للحدث الذي كان يجري ليلاً في مقر هيئة أركان الجيش التي استولى عليها الضباط الاحرار واصبحت مقرا لحركتهم الجديدة, كان غلاف المجلة كالمعتاد صورة ملونة لامرأة جميلة, وكانت الصورة في ذلك الاسبوع لكريمة محمود صالح الفلكي بك وكيل وزارة المالية وهي تجلس مبتسمة على كورنيش البحر في الاسكندرية وكان العنوان الرئيسي والوحيد على الغلاف (مؤامرة دولية تنفذ في القاهرة) وعلى الرغم من أن العنوان لم يكن له علاقة بأحداث الثورة فإنه اصاب الناس الذين سمعوا أخبار الثورة وأمسكوا بـ (آخر ساعة) وقرأوا العنوان بالتباس واضح. والمثير للدهشة أن العدد التالي من (آخر ساعة) لم يغير سياسته وبقي الغلاف صورة ملونة لامرأة مثيرة, كانت هذه المرة للنجمة السينمائية جوديث براون, وكتب تحتها (نظرات منتصرة) وكان العنوان الرئيسي للغلاف: (كيف احتفظ اللواء نجيب بالسر الكبير؟) . إن ذلك الغلاف كان يعكس طبيعة الصحافة المصرية, خاصة صحافة (اخبار اليوم) التي كانت تحترف الإثارة وتصر عليها مهما كانت الاحداث التي تجري حولها, ان نجاح الانقلاب وتغير السلطة ورحيل الملك لم يقنع هيكل ولا طاقم تحرير (آخر ساعة) ولا أصحاب (أخبار اليوم) بالتنازل عن صورة جوديث براون ولو في ذلك الاسبوع. ولكن هيكل كتب في الصفحة الثالثة من عدد 30 يوليو ثلاث مقالات صغيرة تحت عنوان رئيسي للصفحة هو (أحداث الساعة) كانت المقالة الاولى بعنوان (لقد اصبح الحلم حقيقة من كان يتصور؟) . وكانت المقالة الثانية بعنوان: (اسكتوا انتم ودعوا غيركم يتكلم) .. وكانت المقالة الثالثة بعنوان: (بدأ في القاهرة وانتهى في دوفيل.. تاج مصر ابقى من شخص فارق) وبينما كانت المقالة الثالثة تقريراً ليس فيه جديد عن خروج الملك من مصر بعد تنازله عن العرش, كانت المقالة الاولى تأييداً حماسياً واضحاً وبلا تردد للثورة, وكانت المقالة الثانية محاكمة سريعة للسياسيين القدامى. في المقالة الاولى يكتب هيكل: (من كان يتصور.. كأننا في حلم.. لقد كان كثيرون لا يتصورون أن هذا اليوم سيجىء, بل أن بعض الذين عملوا لهذا اليوم كانوا ينظرون إلى ما يعملون كأنما ينظرون إلى أخيلة وأوهام, ثم حدث كل شيء, وبسرعة لا تصدق, وذهب فاروق, ولكن تبقى مصر, ومن فوق اليخت (المحروسة) بعث إلى القائد العام للقوات المسلحة برقية يقول فيها: (أتمنى لكم التوفيق في مهمتكم الصعبة) .. شكرا يا صاحب الجلالة السابق سوف يكون التوفيق معه لأن مصر كلها معه. (وبعد .. ماذا نقول لهؤلاء الذين صنعوا المعجزة والذين جعلوا الحلم الخرافي حقيقة كبيرة أكبر من الدنيا كلها.. رعاهم الله بقدر ما رعوا مصر.. وحماهم بقدر ما وفروا لها من اسباب الحماية.؟ لقد وقفت معهم بعد أن اتموا كل شيء.. وقفت اتأملهم واحدا, واحدا, وجوها رأيتها قبل ذلك في خنادق فلسطين ولمست دموعها أيام الهزيمة وما تصورت يوما أن النصر سيكون قريباً إلى هذا الحد, وكان منظرهم لحظة النصر بسيطا جميلا, لم تدر رؤوسهم بالنجاح ولم يفقدوا صوابهم لحظة واحدة, وكانوا يهنئون بعضهم بعضا والدموع تصافح الدموع على وجوههم, لقد عملوا لهذه اللحظة المقدسة, وعاشوا اللحظة المقدسة, وعاشت فيهم اللحظة المقدسة) . انتهى. أما المقالة الثانية وهي الموقعة باسم هيكل فيكتب فيها: (لا فائدة من كل هذا المجهود الذي يبذله زعماء الاحزاب السياسية ليجدوا لأقدامهم موضعا يقفون فيه على مسرح الأحداث اليوم, أي بطولة يتظاهرون بها اليوم بطولة مزيفة, وأي مجد يدعونه لأنفسهم مجد مسروق منهوب, لن يصدقهم أحد عندما يتكلمون عن ظلم الملك السابق ولن يسمعهم أحد وهم يتحدثون عن عدوانه على مقدسات هذا الوطن. (ماذا.. هل نسيتم ان الناس لم ينسوا بعد, اما كنتم انفسكم سياط الظلم في يد الملك السابق؟ اما كنتم انفسكم سياط العدوان يحركها كما يشاء؟ ان الذين لم يكونوا منكم سياط ظلم أو ادوات عدوان كانوا مع التفاؤل الشديد أصناما لا تحس ولا تشعر ولا تتألم, ماذا فعلتم لتوقفوا الملك السابق عند حده؟ من منكم شد قامته مرة أمامه وقال له: لا, قالها بأعلى صوته أبية متعالية؟ من منكم ثار عليه وقال له: إننا لا نرضاك ملكاً وهذه اعمالك, قالها بأعلى صوته أبية متعالية؟ (ليس منكم من فعل هذا, وإذن ماذا؟ ليسكت الجميع ولا يتكلم أحد ودعوا غيركم يتكلم عن ظلم الملك السابق وعدوان الملك السابق, ليس من حق الذين حنوا رؤوسهم أمامه ان يرفعوها اليوم بعد أن ذهب, وإلا فما أرخص البطولة وما أهون المجد, اسكتوا جميعا, لا تتكلموا, ولا تذكروا الناس أنكم ما زلتم هنا, أمضوا إلى النسيان فهناك مكانكم, اتركوا المسرح للذين قاموا, والذين ثاروا, والذين خلعوا الملك السابق, انهم وحدهم اصحاب الحق في هذه البطولة وهذا المجد, أما انتم فإلى النسيان أيها السادة!) . ويوقع هيكل على هذه المقالة بحروف صغيرة غير بارزة.. على الرغم من انه رئيس التحرير, وبالطبع لم تكن صورته تنشر, وكانت اسماء الكتاب المشهورين والكبار تكتب بحروف أكبر من رئيس التحرير أحيانا, فحجم الاسم حسب حجم الطلب على صاحبه, وليس حسب القرار الجمهوري بتعيينه كاتبا كبيراً ومشهوراً ومحبوبا كما حدث كثيراً فيما بعد. وفي العدد التالي من (آخر ساعة) (6 اغسطس 1952) أتاح هيكل في مكان مقالته نفسه ولكن على أربعة أضعاف مساحتها لواحد من السياسيين القدامى هو إبراهيم الدسوقي أباظة أن يرد عليه تحت عنوان (اللهم لا شماتة.. ولكن) ذكره فيها بالمذكرة التي قدمها 16 من رؤساء الأحزاب وعدد من الحزبيين المستقلين للملك فاروق في عام 1950 والتي أشاروا فيها إلى تسلل الفساد إلى الحاشية الملكية, وتحول النظام النيابي إلى نظام هش, حبر على ورق, وقالوا له: (يا صاحب الجلالة إن احتمال الشعب مهما طال فهو لابد منته إلى حد وإنا لنخشى أن تقوم في البلاد فتنة لا تصيبن الذين ظلموا وحدهم بل تتعرض فيها البلاد إلى إفلاس مالي وسياسي وخلقي) . ورد هيكل ـ الذي كان على ما يبدو أن له الحق كاملاً في فتح النار على النظام القديم ـ قائلا: (من سوء حظي أني مازلت عند رأيي) فالمذكرة التي رفعتها الأحزاب كانت عملاً عظيماً, لكنها لا تكفي, إنها مجرد بداية, وقد بقي قادة الأحزاب عند هذه البداية, لم يغادروها. لقد شعر هيكل أن الفجر الذي بزغ لابد له من رجال لا علاقة لهم برجال الغروب الذي سبقه والذي كان. رأيت بعيني ويصف هيكل ما جرى في ليلة 23 يوليو بأن الضباط الأحرار قد بدأوا تحركهم في منتصف الليل, وبعد ساعتين اثنتين كانوا قد حققوا ما أرادوه, (وبعد دقائق كنت معهم) (ورأيت بعيني تاريخ مصر يتغير في فجر يوم صيف) . ووسط حركة التاريخ وهي تجري امامه لم ينس هيكل مهنته, اتصل بـ (أخبار اليوم) تليفونيا ليجد عامل التليفون يقول له: (مصطفى بك يبحث عنك من الإسكندرية في كل مكان وهو الآن معي على الخط يتحدث مع سكرتير التحرير الأستاذ حسين فريد فهل تريد أن أوصلك به؟) , ولم ينتظر ردا, وسمع هيكل صوت مصطفى أمين الذي سارع بسؤاله: (أين أنت؟) .. وكانت إجابة هيكل: (لا يهم الآن) فقال مصطفى أمين: (هل تعرف أن ضباطا في الجيش تحركوا من ثكناتهم ونزلوا الشارع؟) أجاب هيكل: (إني أعرف) وسأله (كيف؟) فرد هيكل: (لأنني ببساطة هنا في مقر قيادتهم) . وحسب رواية هيكل المنشورة فإن الصمت ساد على الناحية الأخرى من الخط, ثم تمالك مصطفى أمين نفسه وراحت الاسئلة تتسابق على الأسلاك, فقال هيكل له: (إنني مع الأسف لا أستطيع ولا أملك أن أرد على سؤال منها, وسأله عن رقم التليفون الذي يتكلم منه حتى يستطيع أن يتصل به مباشرة لأن الظرف بالغ الخطورة, ثم أضاف أنه سيذهب به أيضا إلى (نجيب) الهلالي باشا (رئيس الوزراء) الذي يهمه في هذه اللحظة أن يسمع من هيكل. وبذكاء هيكل الذي يحسب كل صغيرة قبل الكبيرة في الظروف الحرجة أدرك أن (الموقف كله مما لا يسمح بأي حركة طائشة) فطلب من مصطفى أمين أن ينتظر, والتفت إلى عبدالحكيم عامر وكان في الغرفة ـ التي كانت من قبل مكتبا لمساعد اللواء حسين فريد رئيس هيئة أركان حرب الجيش المصري (سابقا) ـ وقال له: إن مصطفى أمين معي على الخط, حولوني إليه من سنترال أخبار اليوم وهو يطلب رقم التليفون هنا, وهاج عبدالحكيم عامر وقال لهيكل: لا تعطه الرقم ولكن كان رأيي جمال عبدالناصر أن يعطيه التليفون وكان مبرره: (إنهم يريدون أن يعرفوا كيف نحن نفكر هنا, لكننا من خلال اسئلتهم سوف نعرف كيف يفكرون هم هناك) . ويعترف هيكل بأنه أعجب بسرعة بديهة جمال عبدالناصر وقدرته على التصرف والحسم في طرفة بصر أو ومضة زمان. وفي فجر ذلك اليوم وصباحه الباكر اتصل مصطفى أمين بهيكل من الاسكندرية مرتين, ثم اتصل نجيب الهلالي به من هناك مرتين أيضا, وقد حفر هيكل في ذاكرته ما جرى وسجله في أوراقه كذلك, لقد أتيح له ان يلعب دور (الوسيط) بين رجال جدد لا يعرفهم جيدا ولكن يراهن عليهم, وبين رجال قدامى يعرفهم جيدا وراهنوا على وجوده في ذلك الظرف التاريخي الحرج, ان هيكل كان على علاقة طيبة بنجيب الهلالي وكان معجبا بنزاهته في وقت فسد فيه الجميع, وكان مناصرا له في شعاره ـ الذي شكل به حكومته في مارس 1952 ـ وهو: (التطهير والتحرير) وقد اتاح له نجيب الهلالي ان يلعب أول دور مباشر في كواليس لعبة السياسة عندما رشح له اللواء محمد نجيب وزيراً للحربية, وكان اللواء محمد نجيب قد اصبح اسماً لامعاً بعد أن فاز في انتخابات نادي الجيش, ولكن ترشيحه لهذا المنصب لم يلق قبولاً من الملك. قال نجيب الهلالي لهيكل عبر التليفون: (هيكل, انا أعرف انك في وضع صعب, وربما كنا نحملك اكثر مما تحتمل, ولكن بما أن الظروف قضت بأن تكون حيث أنت الآن في هذه اللحظة فليس أمامنا ولا أمامك إلا ان نحمل مسئوليتنا, وأنا اكلمك من أجل (البلد) وأرجو أن يكون ذلك واضحا (للجماعة عندك) .. ثم استطرد يسأله: (ماذا يريد) الجماعة) عندك.. إنني اريد منك أن تسأل من تعتقد أنه يستطيع الرد منهم ولن أسألك من هو؟ .. وبعد ثوان حمل هيكل رد (الجماعة) بعد أن سمعه من جمال عبدالناصر وهو أن ينتظر البيان الذي سيذاع بعد نصف ساعة من راديو القاهرة, ونظر هيكل إلى ساعته لا إراديا فوجدها تشير إلى السادسة وعشر دقائق.