في حالة من الذعر اضطر مديرو وخبراء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الى وضع نهاية سريعة لاجتماعهم في العاصمة التشيكية براغ الاسبوع الماضي في وجه مظاهرات شرسة قدرت جماهيرها بعشرين ألفا.. وكادت تقتحم مبنى الاجتماع. وهكذا تنضم براغ الى كل من سياتل في الولايات المتحدة وأوكيناوا في اليابان ليصبح لدينا ثلاثة مشاهد تعكس غضبا شعبيا عاما تجاه المؤسسات الثلاث العظمى التي ترمز اليوم الى العولمة الرأسمالية: منظمة التجارة العالمية, ومنظمة مجموعة السبع (أي الدول السبع الصناعية الكبرى ذات التوجه الرأسمالي) وثنائي البنك والصندوق الدوليين. ومع توالي مظاهرات الغضب في ثلاث بقع مختلفة ـ ومتباعدة جغرافيا ـ على الكرة الارضية بمشاركة منظمات نقابية واحزاب وتنظيمات يسارية امريكية واوروبية وآسيوية فإننا بإزاء ظاهرة عالمية متنامية تسير على خط مواز لتنامي ظاهرة العولمة. فما هي فرص النجاح المستقبلي لظاهرة الرافضين الغاضبين؟ نلاحظ اولا ان الهجوم الموجه الى كل من منظمة التجارة العالمية ومجموعة الدول الرأسمالية السبع ومعهما البنك والصندوق الدوليان هو في الحقيقة موجه الى الولايات المتحدة والشركات العملاقة (متعددة الجنسية) ذات رأس المال الامريكي بصفتها الاحتكارية التي تنظم الاسواق العالمية. وفي هذا السياق تقول ادبيات (حركة المبادرة ضد العولمة الاقتصادية) ـ التنظيم المظلي الذي يجمع في عضويته المنظمات الرافضة للعولمة الرأسمالية (ان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ما هما سوى أداتين في ايدي الشركات الامريكية متعددة الجنسية لفرض سيطرتها على البلدان الفقيرة) . واذا كانت امريكا هي تجسيد محدد لظاهرة استعمار اقتصادي عالمي باسم العولمة الاقتصادية, وبالتالي هي الهدف الاول والاعظم لحركة (المبادرة) فإن نجاح هذه الحركة يعتمد بالدرجة الاولى على مدى استطاعتها استقطاب اعداء الولايات المتحدة والمتضررين من سياساتها وممارساتها في جميع انحاء العالم وبشقيه, المتقدم والمتخلف. من امريكا اللاتينية الى الصين عبورا بأوروبا غربيها وشرقيها وغرب آسيا هناك ما يستعصي حصره من الجماعات والمنظمات المتنوعة التي لدى كل منها اسباب موضوعية قوية, وبالتالي استعداد وحماسة, للمشاركة في اي تحرك جماعي عالمي ضد الولايات المتحدة, لكن هذه الجماعات والمنظمات, على تنوعها, مشتتة ومتفرقة مما يجعل نشاطاتها غير ذات تأثير يعتد به. هناك جماعات ترفض فلسفة الغاء دور الدولة في الاقتصاد الوطني انطلاقا من رفضها لفلسفة اقتصاد السوق وابرزها الحزب الحاكم في كل من كوبا وفنزويلا في امريكا اللاتينية واحزاب اليسار بمدارسه المختلفة في اوروبا الغربية واوروبا الشرقية بالاضافة الى الحزب الحاكم في كل من الصين وكوريا الشمالية. وهناك حركات ومنظمات اسلامية ذات طابع ايديولوجي تهدف اما الى اقامة نظام حكم اسلامي او استعادة القيم الاسلامية الاجتماعية في مجتمع معين. وهناك بالطبع الحركات والهيئات العربية التي تكرس نفسها لتحرير اراض عربية من الاحتلال الاسرائيلي مما يجعلها تلقائيا على خط مواجهة ضد الشراكة الاستراتيجية للولايات المتحدة مع الدولة اليهودية. وهكذا تتخذ كل هذه المنظمات والجماعات موقفا عدائيا بشكل او بآخر ضد الولايات المتحدة من خلال معاداة ظاهرة العولمة. لكن لن يكون العالم على موعد مع معركة مصيرية بين قوى العولمة بقيادة الولايات المتحدة وبين اعدائها قبل ان يكتمل تكوين جبهة عالمية عريضة تضم العالم بأسره من كل الجماعات والمنظمات المتطلعة الى نظام اقتصادي عالمي جديد.