جعلت التطورات والمتغيرات التي فرضتها مرحلة ما بعد الحرب الباردة, وانهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية, وما تبع ذلك من تفرد الولايات المتحدة الامريكية الداعم الرئيسي لاسرائيل, بزعامة العالم وادارة شئونه وولادة منظمة التجارة العالمية, وبروز العولمة وتطلع امريكا الى اقامة نظام شرق اوسطي جديد تكون اسرائيل مركزه لتعميم سيطرتها على الدول العربية ـ خاصة وان عدة خطوات تمت في هذا الاتجاه من خلال ما اطلق عليه المؤتمرات الاقتصادية للشرق الاوسط وشمال افريقيا, وما تبع هذه المؤتمرات مما سمي بالتعاون الدولي لمكافحة الارهاب الذي وضعت قمة شرم الشيخ اسسه, بما يعني وجود منظومة امنية في المنطقة تدعمها واشنطن.. الخ, كل ذلك جعل اوروبا بالنسبة للعرب ملاذا يمكن التحرك باتجاهه والسعي نحوه لاستقطابه, لا سيما في قضيتهم المركزية القضية الفلسطينية, خاصة وان الدول الاوروبية اتخذت مواقف معتدلة تجاه القضايا العربية كوقوف فرنسا مثلا ضد العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 1982, لذلك وجدت الدول العربية ان لها مصلحة في توثيق علاقتها بأوروبا, بما يمكن ان يستتبع ذلك من دفع اوروبا الى الاستمرار في تبني مواقف غير منحازة لاسرائيل تجاه عملية السلام الجارية.. وقد استطاعت الدول العربية المشاركة في قمة برشلونة عام 1990 ان تكرس الجانب السياسي في الشراكة, اذ نص البيان على ان الدول المشاركة تتطلع الى تكثيف الحوار السياسي على اساس مجموعة من القيم والمبادىء كاحترام السيادة الوطنية, وعدم التدخل في الشئون الداخلية, واحترام حقوق الانسان والديمقراطية ومحاربة المخدرات والارهاب والجريمة المنظمة. ومن الملاحظ ان مفهوم العولمة الحالية بات يرتبط بمفهوم الهيمنة الامريكية على العالم, بسياستها, وسلعها, وثقافتها, وبدأت الدول الاوروبية في ظل انتشار وتوسع مظلة هذه العولمة تفقد الكثير من مكاسبها وامتيازاتها الاستراتيجية التي سبق وحققتها خلال عقود مضت من الزمن بحكم علاقاتها التاريخية (الاستعمارية) التي ربطتها بالدول العربية, كما ان المشروع الشرق اوسطي الذي يركز على الدور الذي يمكن ان تلعبه اسرائيل في اقتصاد المنطقة يأخذ في الاعتبار المصالح الامريكية والاسرائيلية اولا, لذلك كان لابد ان تعمل اوروبا من اجل ان تبقى الشريك التجاري الاول مع الدول العربية, اذ انها ووفق الاحصاءات تستأثر بما يزيد على 40% من حجم ما تستورده الدول العربية كما تستوعب الاسواق الاوروبية نحو 28% من اجمالي الصادرات العربية, وقد كان هذا احد الدوافع القوية لأوروبا لكي تسعى نحو تنمية العلاقات الاوروبية مع دول جنوب شرق المتوسط, كذلك يساعد في انشاء منطقة ازدهار متقاسمة من شأنها تدعيم التنمية الاقتصادية في السوق المتوسطية عبر اتفاقات جديدة للشراكة والتبادل الحر, لذلك يشكل الجانب الاقتصادي محور وركيزة هذا التعاون العربي الاوروبي فيما يسمي الشراكة العربية ـ الاوروبية والتي تعني تداخل اقتصاديات دول جنوب المتوسط مع دول الاتحاد الاوروبي في مجال اقتصادي ارحب واوسع. اضافة الى ان الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية تخدم التوجهات الاوروبية بدرجة اولى واساسية من خلال السعي لتحقيق تطوير بدرجة اولى واساسية من خلال السعي لتحقيق تطوير عملية الاندماج الاوروبي, وتدعيم ابراز الاتحاد الاوروبي كقوة اقتصادية من خلال توسيع مناطق نفوذها لتشمل كل حوض المتوسط, وتدعيم الموقف الاوروبي ايضا في عملية المنافسة الحادة مع القوى الاقتصادية الدولية الاخرى (كالولايات المتحدة الامريكية, واليابان) وذلك من خلال العمل على اكتساب اعمق لمجالات انشطتها التجارية والانتاجية, ومبادلاتها الخارجية. كما ان التعاون العربي ـ الاوروبي سيدعم من استقلالية اوروبا في مواجهة الولايات المتحدة الامريكية التي تدعم بناء اتجاه شرق اوسطي في مناطق التبادل والتعاون العربي ـ الاوروبي ـ المتوسطي. ومن هنا يمكننا فهم طبيعة الموقف الاوروبي ودوافعه من المشاركة في قمة عمان للشرق الاوسط وشمال افريقيا, فقد اعلنت فرنسا عدم مشاركتها في انشاء بنك شرق اوسطي لصالح دفع الشراكة المتوسطية الرامي الى تعزيز التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي. في كل الاحوال فإن المحرك الاساسي والهدف الرئيسي لفكرة الشراكة الاوروبية ـ المتوسطية هو التنافس الخفي والمعلن بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي للسيطرة على مقاليد الامور في المنطقة وخاصة المنطقة العربية, وقد ظهر هذا التنافس بوضوح في بداية التسعينيات حيث تعارضت مصالح الولايات المتحدة الامريكية مع المصالح الاوروبية من خلال مفاوضات (الجات) بالنسبة للسلع الزراعية وفي السياسة العامة للشرق الاوسط وعملية السلام, وافرازات حرب الخليج الثانية وغيرها, كما ان الاتحاد الاوروبي يرغب ان يلعب دورا في ادارة وتقرير شئون المنطقة التي يرتبط بها بعلاقات ثقافية واقتصادية وتجارية تعود جذورها الى اعماق التاريخ, خاصة وان الولايات المتحدة الامريكية طالبت دول اوروبا بأن ترفع ايديها عن منطقة الشرق الاوسط التي تعتبرها واشنطن منطقة نفوذ لها, لما لها من اهمية استراتيجية ونفطية. كما ان هناك الكثير من العناصر المشجعة والمساعدة التي تمكنها من تمهيد الطريق امام التقارب العربي الاوروبي, وفي الطليعة سياسيا واقتصاديا مواجهة التحديات التي افرزتها المتغيرات الدولية فكلا الطرفين (العرب وأوروبا) بحاجة الى التحالف ان صح التعبير مع الآخر, خاصة وان العالم يشهد ازدهارا لمشاريع التكتل والتعاون في اسيا (آسيان) وامريكا الشمالية (النافتا) ومنظمة التجارة العالمية, ولعل المصلحة المشتركة الاهم هي الرغبة بالوقوف المشترك امام الرهانات والتحديات التي تهدد مصالحهما, منها الشرق الاوسطية المطروحة من قبل الولايات المتحدة الامريكية. ولا شك ان العامل الاقتصادي يلعب دورا شديد الاهمية في المحاولات الاوروبية للتحرر من السيطرة الامريكية, فالأوروبيون الذين كانوا دائما يشعرون بأن امريكا تستغلهم سياسيا لمصالحها الاقتصادية, ظهروا وكأنهم على استعداد لخوض معركة التنافس الاقتصادي ضد الولايات المتحدة الامريكية, وهم يدركون في محاولات سعيهم لعلاقات اقتصادية اكثر عمقا مع الدول العربية لا سيما التي تخوض صراعا مع اسرائيل, ان عليهم ان يكونوا اقل انحيازا لها من الولايات المتحدة الامريكية.. كما انهم يدركون ان اي اضطرابات تقع في المنطقة ستعرض تجارة النفط والتسويق المتبادل ما بين اوروبا الصناعية والشرق الاوسط لاخطار لا يمكن لاوروبا تحملها بسهولة, والاوروبيون لا شك يستذكرون ان المقاطعة النفطية العربية التي رافقت حرب اكتوبر 1973 افرزت استغلالا امريكيا كبيرا لحاجة اوروبا للنفط, وقد حلت امريكا محل الشرق الاوسط في بيع اوروبا حاجاتها من الطاقة ولكن على اسس استغلالية استثمارية كادت تجعل الاقتصاد الاوروبي تابعا للاقتصاد الامريكي. ورغم ان الانفصال في المواقف السياسية الاوروبية عن المواقف السياسية الامريكية بالنسبة للشرق الاوسط لم يصل في اي فترة من الفترات الى مرحلة الصراع العلني بين اوروبا وامريكا, لكن هذا لا يعني عدم ملاحظة معالمه وخطوطه في اكثر من مجال, لذلك تسعى الولايات المتحدة الامريكية للتواجد تحت اي مسمى وبأي شكل في منطقة الشرق الاوسط خاصة وان الخوف من تواجد الآخر, وتشكيله قوة تمثل خطرا على الولايات المتحدة الامريكية ومصالحها لا يشمل اوروبا فقط. بل الصين ومن خلال محور جديد يمتد من الصين مرورا بجمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية حتى ايران, ثم وصولا الى بلدان المشرق العربي والخليج وترى امريكا ان عناصر قوة هذا المحور تكمن في كونه يمثل اتصالا جغرافيا ويحوي كتلة بشرية هائلة وموارد واحتياطات طاقوية, كما يضم طاقات تكنولوجية وقدرات نووية عالية. لكن الخوف الامريكي من وجود الآخر سبق التصورات الامريكية المعلنة عن المحور المشار اليه, فقد سبق خوف من تواجد سوفييتي وهو مستمر من تواجد اوروبي. ولم يزل يؤرق العقل الامريكي اي عمل وحدوي عربي يمكن ان يؤثر على هذا التواجد, لذلك كانت الاحلاف التي رعتها, كما استمرت اسرائيل من خلال دعمها, ولا يزال اي عمل وحدوي (سياسي اقتصادي) يلاقي الفشل بسبب التخوف الامريكي من التكامل العربي الذي ربما سيهدد مصالحها ومصالح اسرائيل مستقبلا. وكان للولايات المتحدة الامريكية دائما دور في افشال احتماعات الحوار العربي ـ الاوروبي, وقد اعلنت صراحة عن معاداتها للحوار وبالتالي التعاون بين دول ضفتي المتوسط. وما يلاحظ في الفترة الاخيرة هو تزايد التخوف الامريكي من الاصرار الاوروبي على التقرب للدول العربية اكثر, خاصة من جانب فرنسا وألمانيا اللتان طالبتا بتوسيع شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الدول العربية المتوسطية وفسرت الولايات المتحدة الامريكية الدعوة الاوروبية هذه انها دعوة لابعاد واشنطن عن منطقة تعتبرها امريكا مجالها الحيوي الاستراتيجي, لأجل ذلك كثفت الولايات المتحدة من وجودها العسكري بتغييرها لاستراتيجية الحلف العسكرية من استراتيجية المجال الجغرافي الواحد, الى استراتيجية التوسع والتدخل في المناطق الجغرافية الدولية, ويعني هذا فيما يعنيه ان الولايات المتحدة الامريكية لم تسمح لاوروبا او اية قوة كانت بالحركة السياسية والعسكرية في مناطق نفوذها وتحديدا منطقة الشرق الاوسط التي ترغب اوروبا منافسة امريكا عليها.. ولكن تقف عموم الدول العربية ـ كعادتها ـ عاجزة على التكيف مع هذا التنافس الدولي عليها الذي يضر مصالحها اكثر ما ينفعها والسبب هو افتقادها لآليات تستطيع من خلالها مواجهة التحديات والرهانات الجديدة. باحث جزائري