يبدو ان غريزة الطيور التي تمرح بحرية تحت جلدي هي التي انقذتني من دخول قفص شديد الاغراء, عليه لافتة نحاسية تبرق, مكتوب عليها (مجلس الشعب) كان هناك كثيرون تصوروا ببراءة ونية حسنة, ان كل من يعبر بحرية في بلاد الصحافة يمكنه ان يلمع بجرأة تحت قبة البرلمان فتوالت عروض وألحت ضغوط ولم يكن من السهل اقناعهم بأنني أؤمن بالقول المأثور الذي صاغه بحروف من فضة كاتب وفيلسوف شهير من زمن بعيد: (قل كلمتك وامضي) . لقد كان عشقي الذي بلا حدود للكتابة هو الذي يحميني من التورط فيما هو بعيد عنها, وكنت كلما اوشكت ان اضعف بخيانتها ـ مع مهنة اخرى ـ يقرع جرس الانذار في داخلي فأدور الى الوراء نصف دورة وارجع راكضا الى حضنها المفتوح كالمراعي الخضراء رغم ما فيها من اسلاك واشواك. ان توقيت الكتابة غير توقيت السياسة, فساعة السياسة ساعة سويسرية يجب ان تتحرك بمنتهى الدقة والانضباط والا كان الارتباك, وكانت الفوضى في حين ان ساعة الكتابة هي ساعة مزاجية غير بيروقراطية يمكن ان تتقدم ألف يوم الى الامام او ترجع عشرة قرون الى الوراء, ورغم ذلك فإنها مقتنعة بأنها على صواب وكل ساعات الدنيا (غلط) . ولا جدال ان علامات (الاعجاب) فاقت علامات (التعجب) وانا اتابع التدافع والتدفق الكبير نحو الانتخابات البرلمانية هذه المرة, والحماس الشديد لها, لقد شعرت ـ في حوارات امتدت ساعات طويلة في ليال متتالية مع وجوه جديدة وقديمة تخوض الانتخابات ـ ان هناك رغبة جماعية عامة تجتاح الحياة السياسية لتغيير صورة مجلس الشعب. ان لا يكون مرتعا لنواب القروض ونواب النقوط ونواب التأشيرات ونواب الراقصات, ان لا يكون مسرحا للمنوعات يحرك ابطاله ومنشديه غريزة الطرب والنعاس, على اوتار تخت شرقي يكرر نغمة واحدة في معزوفة واحدة, على طريقة (امان يا للي أمان) , ان لا يكون برلمانا لقوانين منتصف الليل التي تزرع في انابيب ـ على طريقة اطفال المختبرات الصناعية ـ بعيدة عن رحم الاخصاب الطبيعي للتشريع لتأتي المحكمة الدستورية العاليا ـ دون تردد ـ لتمزق شهادات ميلادها وتمنحها بدلا منها شهادات وفاة. شعرت هذه المرة ان هناك رغبة عامة جامحة في عودة النواب المحترمين المحترفين الذين لا يهزون سرير الرأي العام حتى ينام ولكن يحثونه على الحركة والمشاركة ويؤرقونه بغرس دبابيس من نار تحت جلده, ويقصون له ارجل السرير الذي تكوم فيه سنوات ودورات فربما لو اصطدمت رؤوسنا بالارض عرفنا قيمة الارض, وربما لو اخرجوا الفراش بعد طول بقاء في العتمة والرطوبة الى الشمس شعرنا بالصحة والدفء. لقد كان يفزعني كثيرا ـ عندما كانت الظروف والاقدار تدفعني للحوار مع اعضاء مجلس الشعب الراحل ـ ان بعضهم يتصرف وكأن ضرس العقل السياسي لديه لم ينبت بعد او انه لا يفرق ـ وهو يناقش قانون يهز الوطن ويغير مساره ومصيره ـ بين الألف وعمود التلغراف, وعندما كنت اصادفهم في مكاتب وزراء ومسئولين كنت اشعر بالخجل من دخولهم في طابور كتلاميذ المدارس وفي يد كل منهم اوراق وعرائض يطلبون عليها تأشيرات, ولم اكن في حاجة لان اتساءل هل هؤلاء نواب الامة وممثلوها؟ فقد سبقني الى مثل هذا التساؤل كثيرون وربما زادوا عليه واضافوا ما يدخل تحت بند التشهير. لكن ما جعل الامل يقفز فوق سطح الجلد هو ان كثيرا من هذه الوجوه ستختفي, فالحزب الوطني شطب عددا لا بأس به منهم ولم يتحمس لترشيحهم هذه المرة, وهو ما جعل بعضهم يقيم الدنيا ولا يقعدها ويهاجم ويحرض ويهدد وكأنه قد اصبح فجأة معارضا لكنه تحمس للمعارضة بعد فوات الأوان مثل الثعلب الذي وصف العنب البعيد بأنه (حصرم) او مثل سيارة الاسعاف التي تصل بعد ان يكون المصاب قد رحل عن الحياة او مثل سيارة المطافي التي تصل بعد ان يخمد الحريق او مثل الذي يشد الرحال الى الحج بعد عودة الناس من الديار المقدسة.. ان الذين خرجوا من اللعبة هم الذين يملئون الدنيا صخبا وضجيجا على ان لا احد كان مستعدا ان يسمع طربا بعد ان انفض السامر وتغير النص والمخرج والجمهور. والمؤكد ان السبب المباشر للحماس المتزايد للانتخابات هذه المرة هو حكم المحكمة الدستورية العليا الذي فرض الاشراف المباشر لرجال القضاء على الانتخابات وألقى بالمسئولية المباشرة على كاهلهم ولا احد يشك انهم قادرون عليها, فالذي يحقق العدل في المحاكم ليس صعبا عليه ان يحققه في الدوائر الانتخابية. قد ضاعف حكم المحكمة الدستورية العليا ـ الذي تقبلته القيادة السياسية بصدر رحب ـ من مساحة الثقة والاطمئنان في شفافية ونزاهة العملية الانتخابية فكان ان سارعت شخصيات متنوعة محترمة بنفض غبار السلبية السياسية عنها, وكانت على رأس طوابير تقديم اوراق الترشيح بمجرد ان فتحت الابواب, وكان ان وجد الحزب الوطني ان عليه ان يتمهل في اختيار مرشحيه وان لا يتورط فيمن يمكن ان يأخذه الى القاع. لكن المشكلة امام الحزب الوطني هذه المرة ليست مشكلة مرشحين وانما مشكلة ظروف اقتصادية غير موائمة خاصة في الريف حيث الغالبية العظمى من الناخبين, وحيث تراجعت بشدة اسعار توريد المحاصيل الزراعية الرئيسية, فقنطار القطن هبط سعره من 650 جنيها الى 450 جنيها واردب الذرة هبط سعره من 100 جنيه الى 50 جنيه, وطن الارز هبط سعره من 1000 جنيه للطن الى 300 جنيه, والفلاحون مهددون بعدم القدرة على سداد قروض بنوك التسليف ولو لم تتدخل الحكومة في ايجاد حلول عاجلة لهذه المشاكل فإن حزبها قد يفقد الكثير من حماس الناس له فالانتخابات في البداية والنهاية فرصة لتدارك الازمات وفرصة لتداول الافكار عن السياسات. وهنا نتفق مع ما كتبه الدكتور عبدالمنعم سعيد في (الاهرام) يوم الاثنين الماضي عن (ضرورة تواضع الحزب الوطني بحيث يعرف ان مواصلة هيمنته على الحياة السياسية في ظل تراجع الاداء الاقتصادي سوف يعني مفارقة كبرى مع كل القوانين السياسية التي يعرفها العالم والتي تقول بصعوبة الفوز الساحق في فترات الركود والازمات) ويستطرد الدكتور عبدالمنعم سعيد: (ان من الواجب على الحزب الوطني ان يقول لنا ما هي السياسات التي سوف يطبقها للخروج من الوضع الحالي بشكل يختلف عن السياسات السابقة التي يبدو حتى الآن ان تأثيرها محدود للغاية في استعادة الثقة الداخلية والخارجية في الاقتصاد القومي) ثم يضيف: ان قضايا الركود والبطالة ونقص السيولة وعجز الموازنة وتعدد اسعار الصرف هي قضايا ملحة لا تحتمل التأجيل في هذه الظروف وعلى الحكومة ان تعلن برنامجا واضحا لها تلتزم بتنفيذه والا فإن الحزب الوطني قد يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه. ولا جدال ان اي خطوة يخطوها الحزب الوطني تؤثر في الاحزاب الاخرى, لقد شكل الحزب الوطني لجنة قانونية ـ يرأسها المستشار عبدالرحيم نافع ومقررها المستشار فتحي رجب ـ لمساعدة مرشحيه في الانتخابات ومساندتهم قضائيا لو وصلت الامور الى المحاكم, وفي اليوم التالي سارع حزب الوفد بتشكيل لجنة مشابهة يرأسها محمد علوان عضو الهيئة العليا للحزب ان اللعبة لم تعد لعبة كلمات متقاطعة وانما اصبحت لعبة قواعد وخرائط واضحة. والمؤكد ان هناك سبب آخر للحماس للانتخابات هذه المرة فرضته الاقدار, هو رحيل فؤاد سراج الدين. لقد ساند (الباشا) سفينة الحزب وانقذها من الغرق في ظروف مناخية كانت فيها العواصف عاتية والانواء قاتلة لكن ذلك لم يمنع وجود طاقات سياسية وحزبية بقيت باهتة في ظل الزعامة التاريخية وبرحيل فؤاد سراج الدين اصبح على الحزب الليبرالي العتيق ان يجدد دماءه وشبابه وان يعلن ميلاد عصر القيادة بعد ان فرضت قوانين الحياة والموت اختفاء عصر الزعامة, ورغم ان الوقت لم يكن في صالح رئيس الحزب الجديد الدكتور نعمان جمعة لاعادة ترتيب البيت من الداخل وخوض معركة الانتخابات في الخارج الا ان التفاؤل الذي ساد الحياة السياسية عكس نفسه على حزب الوفد فراح يعمل للحصول على 100 مقعد في البرلمان المقبل بأن رشح عددا من اعضائه اللامعين في دوائر كثيرة كما انه سعى للاتصال بشخصيات لها ثقلها وسمعتها ـ لم تكن تفكر في دخول مجلس الشعب ـ ليرشحها على قوائمه ولو تحقق ما يحلم به حزب الوفد ورئيسه فإن مصر قد تشهد نظام الحزبين الكبيرين مع وجود احزاب اخرى تدخل في تحالفات وائتلافيات تعطيها ثقل يتجاوز واقعها وهو ما يعيد للبرلمان المصري عمقه النيابي العريق الذي يعود الى الوراء اكثر من 100 سنة. لكن ما اخشاه في هذا المناخ الساخن ان يكشف الحماس الفوار للانتخابات عن وجهه القبيح, ان الرغبة في الفوز ـ مهما كان الثمن ـ قد تجعل البعض يتصرف على طريقة الفطر الذي يعيش على الانقاض والخرائب. انني اعرف ان الامور في بعض الاحيان قد تصل الى استخدام اساليب القسوة والبلطجة بل ربما تصل الى حد القتل واطلاق الرصاص كما حدث في الانتخابات السابقة التي كانت تفتقر الحماس وتعاني من النعاس والملل وقد صدمتني منشورات في بعض الدوائر تنهش في الاعراض وتهتك خصوصية الحياة العائلية للمرشحين بخلاف ما وصف بأنه فساد في الذمة وانحراف في السلوك العام وهذا عار سياسي واخلاقي بجميع المقاييس يكشف عن حقيقة واضحة كشمس الصيف وهي ان المعركة الانتخابية لا تقوم على اساس من الافكار والبرامج والسياسات العامة وانما تقوم على اساس من الضربات تحت الحزام والطعون في التصرفات الخاصة, فلا احد يتحدث عن تصوراته في الاصلاح الاقتصادي والاصلاح السياسي وعلاقات مصر في المنطقة في ظل تعثر وتعنت اسرائيل في عملية السلام, الكل يتحدث عن التصرفات الجنائية والانحرافات الاخلاقية والتجاوزات الشخصية وكأن الجميع قد انفقوا على هجر السياسة واحتراف النميمة. ان استعمال الحرية في هذه الظروف الحرجة يجب ان يكون كاستعمال المضادات الحيوية, يجب ان يكون بمعيار ومقياس وضوابط والا كانت الحرية قاتلة, وانا اعرف ان هناك قواعد ينظمها وزير الداخلية, وضوابط يحددها قانون ممارسة الحقوق السياسية, لكن في ظل الرغبة العارمة في الفوز بمقعد تحت قبة البرلمان قد تتفلت الاعصاب وتتهور العقول وتضيع الاخلاق في الزحام خاصة وان قانون ممارسة الحقوق السياسية يعفي مرتكبي الجرائم الانتخابية من العقاب بعد مضي 6 شهور فقط على نهاية الانتخابات اي ان الدعوى الجنائية والمدنية تنقضي بعد فوات هذه المدة الخاطفة وهو نص في حاجة الى تعديل فلا يمكن ان يرتكب مرشح جريمة الرشوة او القتل او البلطجة في الانتخابات ثم تسقط الدعوى عنه بهذه السهولة لمجرد انها انتخابات فليست الانتخابات مبرر لان ينصرف المرشح كوحش لا يتورع عن مصارعة كل ما يصادفه ويرتكب مايحلو له من جرائم. ولو كان القتل والبلطجة جرائم ظاهرة يمكن اثباتها فإن هناك جرائم انتخابية خفية تحتاج الى غوص تحت السطح, في الاعماق جرائم تمويل المرشحين, من اين للبعض بهذه الاموال التي ينفقها وظروفه المالية لا تسمح بذلك؟ ان هناك جهات عديدة للرقابة يجب ان تلعب دورها في هذا الوقت حتى لا نجد تمويلا مريبا خفيا, فنحن نتحدث عن نواب الامة عن السلطة التشريعية عن البرلمان ولا نتحدث عن جمعية اهلية او عن مؤسسة خيرية من اين لبعض المرشحين تمويل العملية الانتخابية التي تحتاج الكثير من الاموال في لافتات الدعاية وسرادقاتها بخلاف تكلفة مندوبي اللجان ومصاريف المجاملات ولا نقول الرشاوي؟ وما هو المقابل الذي يحصل عليه من يقوم بالتمويل؟ وهل هناك اصابع خارجية تلعب هذه اللعبة لصالحها؟ ان الكرة الآن في ملعب الرقابة الادارية والمدعي العام الاشتراكي وربما كان مناسبا ان تشكل لجنة شعبية اهلية من منظمات المجتمع المدني تكون وظيفتها مراقبة الشفافية الى جانب النزاهة. لقد فوجئت بمرشح يبيع شقته وسيارته لينفق على الحملة الانتخابية, وفوجئت بآخر يقترض من بنك لنفس الغرض فما الذي يمكن ان يجنيه ماليا لو كسب وفاز واصبح عضوا في البرلمان؟ انه السؤال المزمن الذي يحيرني وانا اتابع اي انتخابات من انتخابات النوادي والنقابات ومجالس الاباء الى انتخابات البرلمان مجالس المحليات كيف تتحول المصلحة العامة الى مصلحة خاصة؟ انني اعرف مرشحا معارضا كان على قدر حاله انقلب الى مليونير في الاربع سنوات الماضية في مجلس الشعب لكن لا اعرف كيف حقق ذلك بعيدا عن عيون اجهزة الرقابة المختلفة وما اكثرها في بلادنا, ثم كيف واتته الجرأة ليرشح نفسه من جديد هذه المرة؟ ان هناك نماذج تحتاج الى فطنة الناس وحسها الوطني لنتخلص منها فهذه النماذج لا تعمل في النهاية الا لصالحها وليذهب الناس الى الجحيم, انها نماذج تفترض انه لا يوجد على ظهر الارض سواها فتعلق صورها على جدران انانيتها, وتتصور ان الدنيا لم تخلق الا لها وسواها من البشر لم يخلقوا بعد. وفي الدوائر التي نجد فيها صراعا محتدما بين مرشحين من رجال الاعمال تبدو هواجس الانفاق المالي بغير حدود اكثر الحاحا وكل ما اتمناه ان لا تكون الاموال التي تنفق على الانتخابات من قروض لم تسدد للبنوك او من قروض يجري التفاوض بشأنها مع البنوك لجدولتها او لتأجيل دفع الفوائد عليها. على ان اخطر ما يزعجني في الانتخابات هذه المرة هو محاولة معظم الاحزاب والمرشحين اللعب بورقة الطائفية, لقد رفضنا ان تكون الانتخابات ملعبا دينيا للاخوان المسلمين ولم يضر الوفد فيما قبل اكثر من تحالفه في الانتخابات مع هذه الجماعة التي لا تعرف التجانس والاندماج ولا يمكن ان نقبل في الوقت نفسه غزل المرشحين للاقباط, فالانتخابات تجري في دوائر سكنية بشرية ولا تجري في دور عبادة, والوطن هو وطن يقوم على المشاركة السياسية لا على التفرقة الطائفية. ان الحرية هي محصول حضاري لا يعرفه الا المتحضرون فالدنياصور لا يستحق الحرية لانه لا يحسن التصرف فيها, والقرصان لا يمكن ان يتكلم عن الحرية لان مهمته في الحياة هي سرقة البحر والمراكب والمسافرين, الحرية لا تعطينا تفويضا بالقتل ولا تمنحنا حق التشهير بالآخرين ولا تجيز لنا استخدام القاعدة المجرمة التي افسدت الدنيا وافسدت البشر, الغاية تبرر الوسيلة وما تكسب به ألعب به, هذه قواعد كباريهات لا قواعد برلمانات, لا يكفي ابدا ان نكون احرار وانما لابد لنا ان نستحق حريتنا, وفي المعركة الانتخابية المشتعلة الآن على ارض هذا الوطن فرصة لان نعرف بدقة هل نستحق بالفعل حريتنا ام ان علينا جميعا ان نذبحها ونقعد بحسرتنا نادمين عليها.