كل فرد منا ينظم حياته حسب ثقافته, او حسب متطلبات معينة تجعله اسيرا لطقوس او عادات يقضي جل حياته محاولا تغييرها او لاعنا الساعة التي قبل فيها حياة بهذا الشكل. لقد صادفت رجلا يعمل مديرا مناوبا لفندق كبير وهو ناجح بعمله وجمع من خلاله ثروة صغيرة قد تكفيه بقية عمره ان اجاد استثمارها.. لكنه قال انه اصيب بالملل من هذه المهنة التي تتطلب منه دائما ان يكون انيقا ولبقا ومبتسما وجاهزا للاعتذار اذا اصطدم بأحد الكراسي دون قصد. يريد هذا المدير ان يبدل مهنته بعدما امضى فيها حوالي عشرين عاما, النصف الاول من عمره المهني اجتهد فيه ليكون ناجحا والنصف الثاني اجتهد اكثر ليعزز ذلك النجاح, وفي غمرة هذا الاجتهاد نسي ان يكون فردا عاديا, فسألته: من هو الفرد العادي؟ فلم يحر جوابا.. سوى انه اشار الى اشخاص يضحكون بصخب ويتبادلون الاحاديث بأريحية تامة.. وقال: كم اتمنى ان اكون مثلهم! هذا المدير يريد ان يبدل مهنته لانه ليس سعيدا, وهذا التشخيص وصلت اليه سريعا, لان الرجل بدت عليه علامات الاكتئاب, وهو فعلا جاد في تفكيره الى درجة انه طيلة حواري معه كان يراقب الناس الذين يضحكون بسعادة ويحسدهم من اعماق قلبه! قلت للمدير مازحا: ولكن العمل الجديد الذي تبحث عنه قد لا يضعك في موقع الادارة وقد لا تصبح مديرا بسهولة فأشاح بوجهه وهو يقول: اريد ان اكون انسانا عاديا. ان مفهوم العادية الذي يبحث عنه الرجل مختلف عما نعيشه نحن, لان لكل فئة امتيازاتها الطبقية ومشكلاتها الاجتماعية, والملل الذي يصيب بعض الناس نتيجة الفراغ ناجم عن اسلوب ضيق للعيش وعدم القدرة على التصالح مع الحياة, كما ان شدة الانشغال تدفع الى استقالة الروح وتحول الجسد الى آلة روبوتية تعمل وسط حقل من جفاف الروح وتيبس المشاعر. إذن اي نوع من الاشخاص نحبذ ان نكون, واي اسلوب حياة نفضل, اعتقد لا خيار لنا في ذلك, لاننا ـ وفي هذه المنطقة تحديدا من العالم ـ لا نختار المهن ولا نعرف من ألوان طيف السعادة سوى ما يختاره الاخرون لنا, وهؤلاء يعيشون بنفس الطريقة, لذلك كثيرا ما نجد المتقاعدين في وطننا لا يعرفون كيف يملأون اوقات فراغهم بشيء مفيد, وقد ينتهي بهم المطاف الى احد المقاهي يثرثرون.. ويثرثرون.. وهكذا. ولكن لو نظرنا حولنا جيدا ونحن بلدان ذات طابع سياحي لأدركنا ماذا يعني ان نستثمر السنوات الباقية من اعمارنا, فمعظم افواج السياح الذين يأتون الى بلادنا هم من الذين تجاوزوا الخمسين او اكثر وهم يجوبون العالم بهدف المعرفة والاكتشاف لتتحقق لهم السعادة والمتعة, وهؤلاء معظمهم كانوا في وظائف ذات يوم وبعدما تقاعدوا بدأوا في تحقيق أمنية العمر.. كأن يشاهدوا الاهرامات او ان يتوغلوا في الصحراء او ان يتصوروا قرب القلاع والاوابد القديمة التي يزخر بها وطننا. مسألة المدير الذي ذكرناه آنفا تنطبق على عدد كبير من الاشخاص, وجميعهم ناجحون في حياتهم المهنية, ولكنهم على الصعيد الشخصي يعانون من عطب في الروح.. لو انتبهوا جيدا الى هذا الخلل وعالجوه باكرا.. فان امنية حياتهم ستتحق يوما ما وهم يعرضون لاحفادهم صورا من رحلاتهم السياحية قرب سور الصين او في مجاهل افريقيا.. وربما كانت سعادتهم مضاعفة لو بكروا في اختيار برنامجهم المستقبلي لأن الروح تشعر بالظمأ ان لم تسق جيدا فان الجفاف سيصيبها بعد وقت قصير.