وصلتني رسالة من شخص استطيع ان اصفها بأنها غريبة بأكثر من وجه. واستخدم كلمة (شخص) لأن الطريقة التي سطر بها صاحب الرسالة اسمه تجعل من المستحيل الاستدلال بصورة قاطعة ما اذا كان رجلا او امرأة. الرسالة تستنكر ما كتبته في هذا المكان من سلسلة من ثلاث حلقات عن (التجمع) السوداني المعارض تحت عنوان (هذا التجمع العجيب) كاتب الرسالة (يستنكر) وحسب, متوقفا عند حد الاستنكار. فحجم الرسالة المقتضب الذي يقل عن عشرة سطور لا يتضمن حتى مجرد محاولة لمناقشة ما طرحت في الحلقات المشار اليها من حقائق وآراء وسرد تحليلي واستخلاصات اجتهدت ان تكون كل فقرة فيها مدعومة ببنية علمية مستمدة من التاريخ او الحاضر. الرسالة تخلو تماما من اي حقائق مضادة او آراء مضادة على اسس التحدي العلمي الموضوعي. بالاستنكار العاري تبدأ وبه تنتهي. على ان هذا ليس وجه الغرابة الوحيد. فالرسالة مكتوبة بغير اللغة العربية مع انها صادرة حسب العنوان المسجل عليها من دبي. ثم إن اسم صاحبها مكتوب بالأحرف اللاتينية.. وايضا على طريقة الاختصار الغربية هكذا: A.M Alsawi واذا كان من المتعذر على هذا النحو معرفة ما اذا كان كاتب الرسالة ذكرا ام أنثى فإن مما لا يقل صعوبة تحديد ما اذا كان الاسم عربيا او غير عربي. يمكن ان يكون (الصاوى) بالصاد بقدر ما يمكن ان يكون (الساوي) بالسين.. وفي الحالتين يمكن ان تكون (أل) أداة تعريف كما يمكن ألا تكون. ولكن لماذا, في كل الاحوال اختار الكاتب ألا يكتب رسالته باللغة العربية؟ وأقر بأنني قلبت هذا السؤال على مختلف الوجوه والاحتمالات دون ان اهتدي الى حتى ما يمكن ان يقارب اجابة مقنعة. هكذا يبقى السؤال رهن تكهنات تائهة. ولأن القضية التي طرحتها في الحلقات المذكورة تهم القارىء السوداني بأكثر مما تهم اشقاءه القراء العرب الآخرين فإن من الطبيعي ان يكون على رأس التكهنات في هذه الحالة احتمال ان يكون صاحب الرسالة سودانيا. لكن حتى لو صح هذا التكهن فإن السؤال يبقى: هل هو شمالي ام جنوبي؟ علما بأن قسما من مثقفي جنوب السودان يفضلون التعبير عن انفسهم باللغة الانجليزية وهنا تتوالى اسئلة فرعية: * اذا كان الكاتب عربيا شماليا.. فلماذا يكتب بغير العربية؟ * واذا كان جنوبيا ولا يعرف العربية فكيف تمكن من متابعة مقالاتي المسلسلة؟ وكيف اختار لنفسه اصلا ان يهاجر الى بلد عربي؟ انا كاتب عربي.. انشر مادتي في صحيفة عربية.. تصدر في بلد عربي.. وموجهة الى قاعدة قراء عرب. وعلى هذا الاساس (استنكر) . بدوري ان يصلني تعقيب من شخص مكتوب بغير اللغة العربية! هذه بالطبع (استطرادة) ثانوية. اما بالموضوع فهو: لماذا يضع بعض القراء ـ سودانيين وغيرهم ـ انفسهم اسرى للاستنكار السلبي عندما يعن لأحدهم التعقيب على قضية تطرح صحفيا. انني لا ادعي لنفسي عبقرية. انا مجرد كاتب محترف اجتهد في ان يكون عرضي موضوعيا ومسنودا بالحقائق والأدلة والحجج متحاشيا اسلوب الخطابة الجوفاء والشتائم. ومع ذلك ارحب بطرح من يرى غير رأيي ومن يعارض ما أورد من حقائق بحقائق مضادة ومن يأتي بأدلة جديدة ومن يعرض سردا تحليليا مختلفا. وصاحب الحكم الاخير في النهاية هو بالطبع جمهرة القراء. اما مجرد الاستنكار والصراخ والشتم والتجريح الشخصي فما اسهله اسلوبا.. ولكن في الوقت نفسه ما ارخصه!