ازدواجية المعايير التي يقيس بها الغرب (الديمقراطي) جدا تعدت تعاملاته التقسيمات الكلاسيكية التي اعتدنا عليها بتقسيم دول العالم أو الأنظمة الحاكمة فيها ما بين دول أو أنظمة (مقبولة), بغض النظر عن تطبيقها للديمقراطية على النسق الذي يؤمن به الغرب من عدمه, وبين دول أو أنظمة (غير مقبولة) , حتى لو كانت تلك الدول تحكمها أنظمة اختارتها شعوبها, أي جاءت من خلال اختيار حر من جانب الشعب, وهو ما تنادي به الديمقراطية الحقيقية, تلك الازدواجية يحكمها معيار واحد, المعيار الأول والأخير في عرف الغرب (الديمقراطي) وهو مدى حماية التي تمنحها تلك الدول وتلك الأنظمة الحاكمة للمصالح الخاصة بالغرب في المناطق, أي مدى لعبها دور القامع لشعوبها. تعدت الازدواجية في المعايير هذا الأسبوع مكانها الذي كانت تراوحه ردحا من الزمن, إلى أن تعدت التفرقة بين أوضاع الدول والأنظمة بشكل جماعي إلى التفرقة بين (الأفراد والأشخاص) , طبقا للمعايير (الديمقراطية) الجديدة: هناك أفراد وأشخاص من (غير المقبول) تلبية طلبات اللجوء السياسي التي يتقدمون بها, حتى لو كانوا يتعرضون للتصفية الجسدية في بلادهم نهارا جهارا ما دامت الأنظمة الحاكمة في بلد اللاجئ السياسي تتمتع برضاء الديمقراطية الغربية ورعايتها. وبين أفراد وأشخاص (مقبول) منهم التقدم بطلب اللجوء السياسي, بل وتلبية هذه الطلبات على وجه السرعة,أو ممارسة الضغوط اللازمة على الحكومات التي تحاول التنصل من (مسئولياتها) تجاه تلك الطلبات, حتى لو كان هؤلاء الأفراد (طالبو اللجوء السياسي) قتلة محترفون ومطلوبون من العدالة بأدلة دامغة. أول من تم تطبيق قاعدة (ازدواجية) المعايير الجديدة عليه كان (فلاديميرو مونتسينوس) مدير مخابرات نظام رئيس البيرو ألبيرتو فوجيموري, ومستشاره الخاص, وكاتم أسراره, بل وظله في الحكم, والملقب بحق بلقب (راسبوتين البيرو) . بل تعدت هذه الازدواجية حدود تفسير قوانين اللجوء السياسي, وفق ما تضمه القوانين الوطنية والدولية, فليس في تلك القوانين ما يشير إلى أنه يمكن للدولة أو النظام الحاكم أن يطلب اللجوء لأحد مواطنيه, لأنه في هذه الحالة تصبح الدولة أو النظام الحاكم مدان مسبقا بممارسة أعمال غير ديمقراطية, لأن اللجوء وان كان يطلبه عادة من يريد, لكن أحد شروطه الأساسية أن يتقدم به الفرد نفسه, وأن يثبت هذا الفرد أنه من الملاحقين والمهددين بالتصفية الجسدية لأسباب سياسية, وليس لأسباب قضائية عادية, أي تشترط القوانين ألا يكون ملاحقا قانونيا بجريمة يعاقب عليها قانون العقوبات الجنائية في بلاده. لكن في حالة مستشار الرئيس ألبيرتو فوجيموري انقلبت المعايير, فقد طلب الرئيس البيرواني من حكومة بنما أن تمنح اللجوء السياسي لمدير مخابراته الملاحق قضائيا بأدلة دامغة لا يمكنه إنكارها, لأنها مسجلة بيديه, وبالأجهزة التي كان يستخدمها في التجسس على معارضي النظام الذي يعمل لحسابه, وعندما رفضت الحكومة البنمية قبول طلب اللجوء لغرابته, أولا باعتباره لا تنطبق عليه شروط طلب اللجوء السياسي المتعارف عليها, وثانيا لأن طالب اللجوء لم يتقدم به شخصيا, بل تقدم به رئيس الحكومة التي كان طالب اللجوء أحد أجهزتها الباطشة, وثالثا لأن هذا الشخص يمثل جزءا من الجهاز الحقيقي الذي يلاحق الآخرين, أي أنه مدان بممارسة الملاحقة السياسية للآخرين, ومن غير المعقول أن يكون ملاحقا سياسيا حتى يمكن قبول طلبه. هذا الموقف المبدئي من جانب حكومة بنما لا غبار عليه, ولكن الدول الديمقراطية, وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ضغطت على الحكومة البنمية لتتخلى عن تفسيرها الصحيح لقوانين اللجوء السياسي, وتتخطاه هذه المرة من أجل (سواد عيون الديمقراطية) , فالبيت الأبيض يرى أن عدم قبول طلب اللجوء السياسي لمدير مخابرات البيرو يعد تهديدا لديمقراطية البيرو, لأن العسكر قد يخيفهم الوضع في البلاد فيتحركون للوثوب على السلطة, مما يفتح الباب أمام صراع دموي (؟!). لكن لو بحثنا عن الحقيقة لوجدنا أن الضغط الأمريكي الذي تعرضت له الحكومة البنمية لقبول (قاتل محترف) كلاجئ سياسي, لوجدنا أن هذا الضغط لم يكن لحماية (ديمقراطية البيرو) من الانهيار بقدر ما كان حماية لأسرار تدخلات المخابرات الأمريكية في إدارة الحكم في البيرو, وتاريخ (اللاجئ السياسي) مستشار الرئيس ألبيرتو فوجيموري يفضح الرؤية الأمريكية. يؤكد ملف فلاديميرو مونتسينوس أنه ضابط بجيش البيرو, وتم فصله من منصبه وقضى سبع سنوات مسجونا على ذمة (قضية تجسس) , لأنه ببساطة باع للمخابرات الأمريكية وثائق سرية خاصة بأمن بلاده مقابل مبلغ من المال, أي أنه كان يعمل جاسوسا لصالح الولايات المتحدة الأمريكية, وهناك من يؤكد أنه كان عضوا نشطا في العمالة للمخابرات المركزية, ليس فقط قبل سجنه, بل وبعد خروجه من السجن, وهناك مؤشرات تشير إلى أنه كان يمثل الدعم الأمريكي الذي كان يقف وراء انتخاب المرشح المجهول (ألبيرتو فوجيموري) لمواجهة الكاتب (ماريو بارجاس يوسا) , لأن بارجاس يوسا لم يكن انتخابه مأمون العواقب, وذلك بسبب تاريخه القديم في التقلب الأيديولوجي ما بين اليسار واليمين, على الرغم من أنه دخل الانتخابات عام 1990 مرشحا عن اليمين ومدعوما بالبنوك الرئيسية في البيرو. كان فوز ألبيرتو فوجيموري برئاسة البيرو مفاجأة لمن يرون ظاهر الأمور, وظل هذا الفوز مفاجأة لأكثر من عامين حتى ظهر في خلفية الصورة تلك الشخصية السرية التي ترفض الأضواء, شخصية (فلاديميرو مونتيسينوس) المستشار الخاص للرئيس البيرواني الجديد, وكان يبدو أن السرية المحيطة به وقتها لها أسبابها العملية, نظرا لارتباطه في عمله بالدفاع في قضايا خاصة متهم فيها أبرز رموز مافيا المخدرات في بلاده, لذلك لم يكن يريد في ذلك الوقت أن يفقد الأموال التي تتدفق على مكتبه الخاص كمحام يدافع عن أشهر مهربي المخدرات في أمريكا اللاتينية. لكنه كان في الظل يلعب دور السلطة الحقيقية في البيرو, وفي الوقت نفسه يضمن لنفسه دخلا مرتفعا من دفاعه عن مهربي المخدرات وتجار السلاح, إضافة إلى أنه كان المدير الفعلي لمخابرات البيرو, فقرر في تلك الفترة أن يكتفي بالسلطة الفعلية ويترك للرئيس فوجيموري التمتع بالأضواء بمفرده. بدأت علاقته الفعلية مع ألبيرتو فوجيموري منذ اللحظات الأولى التي أعلن فيها ترشيح نفسه لرئاسة البيرو, وكان أول عمل مناط به تزوير شهادة ميلاد الرئيس المولود في اليابان وهو ما يمنعه من الترشيح طبقا لدستور البلاد, وبعد ذلك قام أيضا برشوة عدد من القضاة ليخفي آثار تزوير ارتكبه فوجيموري في تقارير الضرائب, وبعد أن تولى فوجيموري الرئاسة خطط لأول انقلاب عسكري ضد الدستور ليضمن للرئيس البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة. خلال كل هذا قام فلاديميرو مونتيسينوس بإعادة تشكيل المخابرات وتحويل دورها ليمنح الأولوية لمراقبة رموز المعارضة في البلاد والسيطرة على القضاء, وتشكيل قيادة الجيش الذي تحولت قيادته إلى مجموعة الأصدقاء والمقربين منه, خاصة انهم جميعا من (الدفعة) التي تخرج منها في الكلية العسكرية. كون أيضا علاقات خاصة متشعبة مكنته من استخدام بعض الصحفيين الألمان في نصب (المصيدة) التي سقط فيها زعيم (جماعة الدرب المضيء) , الذي استخدمه فوجيموري دعائيا كأكبر انتصار يحققه في الحرب الأهلية غير المعلنة التي تعيشها البلاد ضد هذه الجماعة. عبر علاقاته المتشابكة مع المخابرات الأجنبية, وبصفته كعميل قديم للمخابرات الأمريكية تمكن من وضع الخطة التي انتهت بتدمير السفارة اليابانية في العاصمة ليما, والقضاء على محتجزي الرهائن من جماعة (توباكو أمارو) . نجاح هذه العملية كان بداية ظهور فلاديميرو مونتيسينوس إلى الأضواء, فقد كان إلى جوار الرئيس فوجيموري أثناء الإعلان عن تفاصيل الخطة وتنفيذها. يبدو أن الأضواء بهرت عيني (الرجل الخفي) فقرر استغلال أي فرصة للظهور وفرض شخصيته بعد أن احكم سيطرته في الخفاء على الرئيس والجيش والمعارضة, لذلك كان هو وراء الإعلان عن اكتشاف (الشبكة الأردنية الوهمية) لتهريب السلاح إلى رجال حرب العصابات في كولومبيا, ويبدو أن هذه المرة كانت (السهم الذي أصاب كعب أخيل) , لأن هذا الإعلان وضع جانبا من الجيش في موضع الشبهة, بل أن هذا الإعلان لم يجد رضاء في الدوائر الأمريكية التي من المفترض أنه يعمل بالتنسيق معها. جاء انتقام الجيش في شكل (فيديو الرشوة) الذي كشفه متلبسا بجريمة سياسية من الدرجة الأولى, لتضاف إلى جرائمه الأخرى المتعددة, من تزوير الانتخابات الأخيرة إلى عمليات خطف وتعذيب وقتل لعدد من رموز المعارضة وقدامى رجال مخابرات البيرو الرافضين تنفيذ أوامره, ولم يعد أمام الرئيس فوجيموري سوى إنقاذ نفسه, ولكن تسليم ذراعه اليمنى للمعارضة قد يكشف الكثير من الأسرار, التي قد تنتهي بالرئيس إلى ملازمة مستشاره في السجن. من هنا كان تقديم أغرب طلب لجوء سياسي في التاريخ, السيد الرئيس يطلب اللجوء السياسي لمستشاره الخاص وذراعه اليمنى, والقوة الديمقراطية الأولى في العالم تدعم الرئيس بالضغط على حكومة بنما لقبول الطلب على غرابته, حتى لا يغضب جنرالات البيرو ويطيحون بالديمقراطية المسكينة, وكأن هؤلاء الجنرالات يتحركون بإرادتهم الشخصية, لا تنفيذا لمخططات المخابرات الأمريكية (!). كاتب مصري مقيم في أسبانيا