تؤكد عملية اختصار المسافات وتكثف شبكة الاتصالات والتكنولوجيا وتداخل الاسواق والاقتصاديات والثقافات ان كل ذلك يتم بوتيرة اسرع من ان نعيها او نتابعها او نتعامل معها. ان رأس المال الذي ينتقل الآن عبر العالم هو احد موحدات هذا العالم واحد تعبيرات العولمة. اذ ينتقل يوميا 600 مليار دولار من عملة الى اخرى. كما ان اكبر خمسة بنوك في العالم لديها اموال وممتلكات تتجاوز كل الاحتياطات المالية للحكومة الامريكية واليابانية والالمانية. وتجد ايضا ان مدخول جينرال موتورز يجعلها اكبر دولة في افريقيا والدولة الثانية في المدخول والميزانية في جنوب امريكا. دخل شركة ايكسون يعادل الدخل السعودي. دخل اي بي ام يعادل دخل فنزويلا. لنأخذ انتيلسات, فهذا الطريق الفضائي الممتد عبارة عن تحالف بين 122 دولة. يتضمن 17 ساتالايتا لخطوط الهاتف, الفاكس, التيليكس, الكمبيوتر, اشارات التلفزة. الانتيلسات يسمح للبنوك بمعرفة تحويلاتها, والشركات بالتحدث مع فروعها في العالم. وبالوقت نفسه هناك اليوم اكثر من 20 ألف شركة عالمية تعمل على مستوى العالم, وهي تبني صناعة عالمية تخترق كل يوم مزيدا من الدول والاقتصاديات وتزحف على كل مكان وتصل اصول هذه الشركات العملاقة الى اربعة الاف مليار. كما ان 75% من تجارة السلع والبضائع العالمية بيد هذه الشركات, ونجد ايضا ان 80% من تبادل التكنولوجيا والادارة الدولية في العالم بيد هذه الشركات. وبالوقت نفسه نجد ان اكبر 300 شركة عالمية لديها 70% من مجموع الاستثمارات المباشرة في العالم, ولديها 25% من الرأسمال العالمي. وبينما نجد ان 90% من الرأسمال المستثمر في العالم هو في عشر دول نامية, الا ان هذا الرأسمال بدأ يدخل ويتحول لدول اخرى تمارس اصلاحات اقتصادية في امريكا اللاتينية وفي اسيا وفي الشرق الاوسط. ويقف العالم العربي جامدا امام هذه التطورات خاصة وان نصيبه من هذه الحركة العالمية محدود. والعالم العربي لا يعرف كيف يتعامل مع الازدهار العالمي الا في اضيق اطار وهو لا يمتلك حتى الآن, المعارف والوسائل والاستعداد لممارسة دوره في عالم الادارة والعمل لمواكبة هذا التطور. وقد نظلم العالم العربي لو قلنا انه لا يعمل شيئا, بل نجد ان بعض اجزاء العالم العربي حققت بعض التقدم. لكن العرب كمجموعة ما زالوا بعيدين عن حركة الاصلاح والتغير التي تهب على العالم وعلى معظم قاراته, وهم لهذا مهددون بتجاوز العالم لهم. فمن لا يجيد ترتيبات اليوم لن يكون ناجحا في ادارة ترتيبات المستقبل, ومن لا يجيد فتح الابواب العالمية والتداخل مع كل جديد فسوف يفقد مقعدا مهما من مقاعد المستقبل, بل سوف يتم تقرير مستقبله بمعزل عنه وفي مراكز قرار لا تنبع من بلاده او اقليمه, بمعنى اخر ان العولمة ليست امرا حتميا لكل الشعوب وكل الدول والانظمة, فبامكاننا ان نرفضها ونتركها تمر, ولكن ثمن ذلك سوف يكون فقدانا للاستقلال والدور والقوة والمستقبل, بمعنى آخر ان من يجيد فن التعامل مع العالم من خلال اجادة فنون الادارة والبناء الجديدة ومن خلال اجادة فن الانفتاح دون الانصهار سوف يستفيد من التطورات القائمة اليوم. اما من يقف دون حركة ومن يضع مزيدا من المعوقات امام اسس الارتقاء فسوف يصدم فجأة بتطورات كبيرة لا تقل عن الهزائم العسكرية التي سبق وان مرت على العرب. لهذا فإن الانطواء على الذات باسم القومية او الوطنية او الرفض او التعصب الديني (وليس التدين) لن يغير من حقيقة ان الجانب الاكبر من العولمة يتم خارج الحدود الوطنية وخارج حدود الاسرة والفرد والقبيلة والدين. لهذا فالحفاظ على الذات يتطلب مرونة وسرعة تواكب السرعة العالمية, والحفاظ على الهوية يتطلب حلولا وسطا بين المحدثين والليبراليين والاسلاميين في مجتمعاتنا. ان البحث عن القضايا التي يجب ان نركز عليها اصبح امرا ملحا, فأين نحن من تقليص البيروقراطية التي تعيق كل تقدم لانها تبطىء كل مشروع؟ وأين نحن من فتح الباب امام الجيل الذي يعرف العالم كما يعرف نفسه ومجتمعه؟ واين نحن من مبدأ انه لا نجاح لنا ولمؤسساتنا ان لم يصل لقيادتها الجيل الذي يعرف العالم واختبره في اطر عملية ومهنية؟ في السابق كان الشرط للتقدم ان نعرف انفسنا, اما اليوم فشرط التقدم ان نعرف العالم بعمق ودقة كما نعرف انفسنا ثم نبدأ. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت