قلت لأصحابي, ونحن في مدينة أصيلة, في ضيافة صديقنا محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب: لن تكتمل معاني الإقامة في أصيلة على شاطئ المحيط الأطلسي إلا بزيارة المدينة المجاورة لها, مدينة (العرائش) حيث توجد أفضل أنواع السردين التي يشتهر بصيدها صيادو العرائش, كما توجد مقبرة جان جينيه التي أظن أننا جميعا نود زيارتها. وتحمس الصديق الشاعر أحمد عبد المعطي لصحبتي هو وزوجته الدكتورة سهير عبد الفتاح المتخصصة في الموسيقى, كما تحمس صديقنا الشاعر والناقد التونسي المنصف الوهايبي. وانضم إلى ركبنا شاب وفتاة من العاملين مع صديقنا محمد بن عيسى في المركز الدولي للمؤتمرات, وأخذنا سيارة قطعت بنا ما يزيد على سبعين كيلو إلى أن دخلنا (العرائش) . وجهتنا الأولى المقابر التي يقع فيها قبر جان جينيه. وجان جينيه (1910 ـ 1986) لمن لا يعرفه شخصية غريبة, مثيرة للانتباه, نادرة الأشباه في دنيا الأدب, فقد بدأ حياته متشردا خارجا على القانون, لكنه انجذب إلى عالم الأدب, فأصبح روائيا معروفا بقدرته على تحويل الموضوعات الجنسية الفاحشة إلى رؤى شعرية فوضوية للعالم, كما أصبح كاتبا مسرحيا حفر لنفسه مكانة ريادية متميزة في المسرح التجريبي, وانتهى به الأمر إلى أن أصبح واحدا من أعلام الأدب الفرنسي الحديث. وقد ولد جينيه سفاحا لأم سرعان ما هجرته, فرعته عائلة من الفلاحين إلى أن ضبط وهو يسرق في العاشرة من عمره, فاقتيد إلى إصلاحية أحداث بشعة, تعلم فيها الكثير من فنون الإجرام, وعاش فيها سنوات وصفها بعد ذلك في روايته (معجزة الوردة) (1945 ـ 1946). وتقدم سيرته الذاتية (يوميات لص) (1949) وصفا صريحا جريئا لحياة التشرد التي قادته إلى أن يصبح نشالا ومتاجرا بجسده خلال الثلاثينيات, كما تكشف هذه السيرة عن أفكاره الوجودية التي سعت إلى التحرر من كل شيء. وقد بدأ جينيه الكتابة سنة 1942 أثناء سجنه بتهمة السطو, فأنتج رواية (سيدتنا ذات الورود) (1944) التي تصور في حيوية استثنائية العالم السفلي لحي مونمارتر في فترة ما قبل الحرب, وهو الحي الذي كان يعج بالسفاحين والقوادين والشواذ. وأخذت مكانة جينيه الأدبية تفرض نفسها على الحياة الثقافية الفرنسية, وذلك إلى الدرجة التي دفعت مجموعة من أبرز الكتاب الفرنسيين إلى التقدم بالتماس لرئيس الجمهورية الفرنسية بخصوص العفو عن جينيه الذي كان قد أدين بتهمة السطو للمرة العاشرة سنة ,1948 وحكم عليه بالسجن مدى الحياة, فاستجاب الرئيس الفرنسي وأصدر قراره بإرجاء تنفيذ الحكم. وبعد أن أضاف جينيه إلى روايتيه الأوليين رواية ثالثة بعنوان (شعائر الجنازة) (1947) وأتبعها برواية تحولت إلى فيلم شهير بعد ذلك, اتجه إلى عالم المسرح, واختار طريق التجريب الذي مضت فيه الطليعة المسرحية. وتميزت محاولاته المسرحية الأولى ـ فيما يقول دارسوه ـ بإحكامها التقني, وبنية الفصل الواحد, كاشفة عن تأثير قوي بمسرح جان بول سارتر. وقد واصلت مسرحيته (حرس الموت) (1949) اهتمامه بعالم السجون التي عرفها أكثر من غيره. لكنه سرعان ما ترك هذا العالم لينغمس في مشكلات الهوية التي جذبت الطليعيين من كتاب المسرح الفرنسي, أمثال صامويل بيكيت ويويجين أونسكو. وكان ذلك في السياق الذي كتب فيه مسرحية (الخادمات) التي جعلت منه رمزا من رموز مسرح العبث. وقد مضت مسرحياته اللاحقة ((الشرفة) سنة 1956 و(السود) سنة 1958 و(الحواجز) سنة 1961) في طريق غير بعيد عن ذلك, مؤكدة نزعة تعبيرية قصدت إلى صدمة المتلقي وتوريطه بالكشف عن نفاق عالمه وإذعانه. وقد انجذب جينيه إلى المغرب العربي كما انجذب كثير غيره من الأدباء الفرنسيين والإنجليز والأمريكان وغيرهم, وعرف التسكع في شوارع طنجة التي تسكع فيها محمد شكري الروائي المغربي الذي تتضمن روايته ما يصلها ببعض صفات عالم جينيه الذي استهوته الحياة على شواطئ طنجة, ومنها إلى مدينة (العرائش) ذات الأصول الرومانية التي أصبحت مقره الأخير الذي أوصى أن يرقد في ترابها رقدته الأخيرة. وقد ختم جينيه سنوات حياته الأخيرة بالتعاطف مع القضايا العربية العادلة, وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وقد كتب عن حياته بين الفلسطينيين في الأردن, كما كتب نصا لا ينسى عن مذبحة صبرا وشاتيلا في لبنان, تلك المذبحة التي أدمت القلوب العربية. وكان ذلك كله وغيره يدور بخواطرنا ونحن في الطريق من (أصيلة) إلى (العرائش) , وظل كل واحد منا يذكر ما يعرفه عن حياة جينيه الغريبة العجيبة, أو يذكر أهمية بعض ما قرأه له, أو ما ترجم له, ولم يخل الأمر من تدخل الشاب المغربي الذي صحبنا, وكان من مدينة أصيلة, فذكر لنا بعض الحكايات شبه الشعبية التي كانت تتردد عن حياة جينيه في مدينة العرائش. واستمر بنا الحال على هذا النحو إلى أن أدركنا مشارف (العرائش) التي عرفناها بالآثار الرومانية التي كانت أول ما صافح أعيننا منها, وبالاستدارة اللافتة للقناة المتصلة بالمحيط, وظللنا نتبعها إلى أن دخلنا المدينة, ومضينا في دروبها إلى أن وصلنا إلى شارع مواز للمحيط, وقال لنا السائق: هذه هي المقابر, فنزلنا, ودخلنا إلى المقابر, وبدأنا البحث عن قبر جان جينيه. ولست أدري لماذا تفاصحت, وقلت للصحاب, دعونا نبحث عن علامة بارزة فوق قبر مميز, أو عن قبة, أو حتى عن نصب كبير. لكن المقابر كانت متسعة, فضعنا بينها, إلى أن وجدنا شيخا مغربيا جالسا إلى جانب مقبرة, فسألناه عن قبر جينيه, فنظر الرجل إلينا باستغراب, وقال لنا في سخرية لم نخطئها في لهجته المغربية: كيف تبحثون عن قبر أجنبي غير مسلم بين قبور المسلمين؟! وعندئذ, انتبهنا جميعا إلى أننا طلبنا من السائق أن يتوقف بنا عند المقابر, ولم نقل له مقابر من, كما انتبهنا إلى أننا لم نفكر في ديانة من الديانات, وتصرفنا على نحو لا شعوري, كما لو كان وعينا يقول لنا: إن الأرض كلها موروثة لعباد الله مهما اختلفت دياناتهم. واعتذرنا للشيخ المغربي مدارين خجلنا من الموقف الذي وضعنا أنفسنا فيه. وعدنا إلى السيارة التي انطلقت في الطريق نفسه, لكن بعد أن قال لنا السائق لماذا لم تخبرونا أنكم تريدون مقبرة الأجانب؟! وسارت بنا السيارة بضعة كيلو مترات في موازاة المحيط الذي كنا نراه يترامى أسفل الشاهق الذي يمضي فيه طريقنا, إلى أن وصلنا إلى المقبرة المقصودة أخيرا. وكان أول ما لاحظناه لافتة باللغة الإسبانية تشير إلى عناية الحكومة الإسبانية بهذه المقبرة, في إطار التعاون الإسباني المغربي. وسرعان ما عرفنا سبب هذا الاهتمام عندما لاحظنا أن أغلب المقابر ذات الضروح لقادة إسبان من رجال البحرية ورجال الجيش, فضلا عن أسماء إسبانية كثيرة وجدناها على شواهد القبور. وتلقانا حارس المقبرة بالترحيب, وإقتادنا ما بين المقابر إلى أن بلغ بنا قبر جان جينيه, وكان قبرا عاديا في إتجاه المحيط, مكتوبا على شاهده الصغير اسم جان جينيه على هيئة توقيعيه مع تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة الذي حمل تاريخ عامين متعاقبين, الأمر الذي تساءلنا حوله جميعا ولم نجد إجابة. وطالت وقفتنا حول القبر الذي أخذنا نتطلع منه إلى المحيط المترامي بعيدا في أسفل المرتفع كأننا ننظر إلى الأبدية التي سوف ننتهي إليها جميعا, ونرقب نوارس البحر التي تحلق ما بين البحر والمرتفع الصخري الشاهق الذي تقع عليه المقبرة البحرية الجميلة التي دفن فيها هذا الأديب الذي نقله الأدب من طائفة المجرمين إلى دوائر كبار المبدعين. وقلنا لأنفسنا في النهاية: فلنذهب إلى قلب المدينة التي أحبها هذا الأديب, وإلي القرب من الميناء التي تتناثر على الأرصفة المقابلة لمدخلها المقاهي والحانات الشعبية, حيث المزيج العجيب من الأجناس والأخلاق واللغات والطبقات, وحيث المزيج البشري الذي أنغمس فيه جينيه إلى قراره. وانتهى بنا الطواف إلى مشوى شعبي, على رصيف من الميناء, طازجا, حيث جلسنا نأكل السردين المشوي الخارج من الميناء, غير مبالين بقذارة المكان, وعدم وجود مكان نظيف لغسل اليدين, فقد طرحنا ذلك كله وراء ظهورنا وقررنا أن نعيش تجربة واحدة آمنة من تجارب الصعلكة, لعلنا نقترب بعد القرب من عالم جان جينيه في حدود المقبول التي قاربت بين كثيرين من القراء العرب وبين كتاباته.