أليس عجيبا ان تواصل اجيال تلو اجيال تمجيد زعيم صدامي لم يربح في حياته معركة حربية واحدة؟! لكن بعد مضي ثلاثين عاما على رحيله فإن ما لا يقل اثارة للدهشة, ان جمال عبدالناصر لا يزال حتى في غيابه (عصا القياس) الشعبية لاحداث وتقلبات الامة العربية حتى اليوم. حاضرا او غائبا يبقى عبدالناصر هو المعيار المعتمد شعبيا, جيلا بعد جيل, ليس لتقييم الاحداث الجسام فحسب.. بل ايضا لتقييم الزعامات. لي عظيم الشرف ان اسجل انني من جيل اولئك الملايين من ابناء الامة العربية الذين عايشوا عصر عبدالناصر.. وبملء الفم اتباهى بأنني كنت ولا أزال من عشاق مجده البطولي. لكن السؤال لا يزال مطروحا: ما السر في اصرار الاجيال العربية المتعاقبة على تمجيد عبدالناصر, حتى لتحسبه حيا مقيما, بينما رحل الزعيم وهو مهزوم في ميدان القتال؟ على كثرة ما قرأت عن عبدالناصر وسيرته لم اجد اجابة شافية تماما كتلك التي حواها كتاب صدر عام 1996 للصحفي العربي المخضرم سعيد ابو ريش المقيم في لندن. وكتاب (صداقة وحشية) المكتوب باللغة الانجليزية سجل وثائقي لاسرار العلاقات بين الغرب والزعامات العربية الموالية له منذ نهاية الحرب العالمية الاولى. وفي هذا السياق يظهر عبدالناصر كحالة استثنائية تضيء صفحات في ذلك التاريخ العربي المخزي. فماذا قال ابو ريش عن ناصر؟ لقد تحدث اولا هذا الكاتب الفلسطيني الرصين عن الزعامة الناصرية كعصا قياس شعبية معتمدة حتى بعد رحيله. يقول ابو ريش: (تحدث الى سائقي التاكسي في مصر او مسئولين حكوميين في الاردن او فلاحين في فلسطين المحتلة او ادباء في سوريا او عمال يمنيين في المهجر الاوروبي او احفاد المهاجرين اللبنانيين الاوائل في البرازيل وسوف تسمع عبارة في اشكال لفظية مختلفة لكن مغزاها واحد: لو كان عبدالناصر حاضرا لما حصل كذا وكذا) . ثم يشرح ابو ريش الظاهرة: (في قلوب العرب يعيش عبدالناصر في معية شخصيات مثل صلاح الدين وطارق بن زايد. وهذا غريب بالنسبة الى رجل يربح معركة في حياته) . واذ يصدر ابو ريش هذا الحكم المسنود بحقيقة معلومة فإنه يستخلص عبرة هي (ان الصراع العربي الاسرائيلي هو في الحقيقة حالة ذهنية ومعركة حضارية ثقافية تستعصي على الحلول البسيطة للمشاكل العابرة) . اجل كان عبدالناصر ولا يزال كما استخلص ابو ريش الرمز الخالد والثابت للمواجهة الحضارية العربية ضد اسرائيل والغرب.. وهي مواجهة سوف تظل باقية تتخللها معالم على الطريق من اتفاقات وصفقات وخيانات ومناورات الى ان تصل المواجهة الى حدها الفاصل يوما ما. واذا كان شخص عبدالناصر لا يزال رغم غيابه الطويل محل احترام واعجاب جماهير الاجيال العربية المتعاقبة فإن هذا اكبر دليل على ان هذه المواجهة الحضارية لا تزال على قيد الحياة.. فهي تعتمل في قلوب العرب وسوف تفصح عن نفسها بصورة حاسمة يوما ما. ان خصوم عبدالناصر من الساسة والكتاب الغربيين, وخاصة اليهود منهم, يقيمونه على اساس معيار كم خسر من معارك حربية. لكن هذا معيار ضحل ووقتي وجزئي. لقد بقي عبدالناصر بطلا خالدا رغم هزائمه بالمعنى العسكري الصرف لأنه تجسيد مثالي للمواطن العربي النموذجي المتسلح بالكرامة الذاتية التي قد تواجه هزيمة من خارج الذات لكنها لا تسمح لهذه الهزيمة ان تتحول الى انهزام داخلي.