(الشأن الإسلامي) في جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية سابقا لم يكن غائبا بطبيعة الحال عن بال الدارسين والباحثين طيلة سنوات القرن العشرين وربما قبل ذلك التاريخ, لكن التركيز في ذلك الوقت كان منصبا في اغلب الاحيان على النواحي الاكاديمية في دراسة تاريخ وتطور تلك الاصقاع من قلب القارة الاسيوية, وعلى تطور الحياة الثقافية والمعرفية فيها وعلى ما تستند اليه من تراث عقيدي امتزجت فيه تعاليم العقيدة المحمدية بتاريخ المنطقة واعرافها ومواريث شعوبها في مجالات الفكر والتفاعل والصراعات فضلا عن تأثيرات البيئة الجغرافية المادية وما خلفته من اساليب الحياة على صعيدها. وطيلة السنوات السبعين التي عاشتها التجربة السوفييتية ـ البلشفية أو الشيوعية كان الاهتمام قد تحول في معظمه إلى التركيز على هذا الميراث الحضاري ـ العقيدي لشعوب جمهوريات آسيا الوسطى, ومن ثم على نضالها من اجل الحفاظ على هذا التراث والحدب عليه وتطويره في مواجهة سياسة الكرملين العاتية والمزدوجة وخاصة في عهد ستالين الذي امتد نحو 30 عاما حتى وفاة ستالين نفسه عام 1953, ولقد كانت سياسة عاتية عندما استخدمت اسلوب قهر الدولة مستندا إلى بطش الحديد والنار في نفي العقيدة الدينية من حياة الناس ثم انها كانت سياسة مزدوجة بمعنى انها لم تعمل رغم ذلك على محو الطابع القومي ولا التراث الثقافي ـ التاريخي لشعوب تلك المناطق بل على العكس ربما تكون قد شجعت على تمثل هذا التراث واستحضاره أو استدعائه في حياة الناس, وهكذا شجعت الدولة السوفييتية مثلا بحوث المخطوطات ومعاهد الاستشراق وحافظت على ما تؤديه مؤسسات من قبيل مؤسسة الافتاء في تلك المجتمعات, وربما كان ذلك يرجع إلى رغبة الكرملين في تجميل صورة حكمه امام شعوب العالم الاسلامي وخاصة في مناطق الشرق الاوسط أو العالم العربي, دع عنك المناطق المتاخمة مباشرة لتلك الكيانات الاسيوية ـ الاسلامية في ايران أو تركيا مثلا, وقد تكون اساليب الكرملين قد تطورت أو تحسنت في ضوء اشهر العسل كما قد نصفها التي عاشتها العلاقات العربية ـ السوفييتية, وقد كانت اشهرا منتظمة يسودها بين الطرفين فترات من الخلاف والتوجس وسوء الظن, وان كانت في مجملها قد شهدت تعاونا ايجابيا في مجمله ولاسيما بين مصر والعالم العربي ابان الحقبة الناصرية, وبين الاتحاد السوفييتي تحت قيادة خروشوف ومن بعده بريجنيف. وفي تلك الحقبة, وفي ظل هذا التعاون بدأت تدخل ضمن اهتمامات العالم العربي ـ الاسلامي اسماء ورموز تتعلق بطشقند وسمرقند وعشق اباد وما حولها وما يجاورها من اصقاع وتخوم وتجسد جانب من تلك الاهتمامات في زيارات متبادلة بين مؤسسات الافتاء والبحوث في تلك المناطق وبين مؤسسة جامعة الازهر في القاهرة, فضلا عما شهدته عواصم اسيا الوسطى المسلمة في تلك المرحلة ايضا من انعقاد مؤتمرات جامعة لعناصر التضامن الافريقي ـ الآسيوي, وما إلى ذلك بسبيل. صعود العامل الاسلامي بيد ان الامر ما لبث ان تغير مع حلول عقد التسعينيات من القرن الماضي حين برز (العامل الاسلامي) ليشكل المفتاح الرئيسي لفهم الاوضاع والتطورات السياسية في آسيا الوسطى, ورغم ان هذا العامل اصبح الان محورا للاهتمام والدرس والتحليل, الا ان الباحثين الاكاديميين لايزالون يشكون من العقبات التي ما برحت تواجه البحث الميداني في هذا الصدد, ولاسيما من حيث الحجم المحدود, ان لم يكن الضئيل لعينات البحث فضلا عما يصفونه بانه (التباينات الاقليمية للاسلام) التي نجمت عن اوجه التفاوت الشاسعة تاريخيا في التجربة الاسلامية لكل من جمهوريات آسيا الوسطى اضافة إلى الاختلافات الواسعة للغاية فيما بينها من حيث مؤشرات ومستويات التعليم والتطورات الاقتصادية ـ الاجتماعية, وحالات التحضر أو التطور الحضري من حياة القرية أو الحلّة أو القبيلة إلى المدينة والمراكز الحضرية بعامة ومن حيث انماط تنقل السكان (الحراك الديمغرافي) وايضا من حيث عدم تجانس الاصول العرقية لهؤلاء السكان بين منطقة واخرى. و في ضوء هذا كله تخلص الدراسة المنشورة بقلم (شيرين اكنر) في مجلة (هارفارد للشئون الدولية) عدد ربيع عام 2000, إلى ان الاسلام في آسيا الوسطى ـ السوفييتية سابقا ليس بالظاهرة الموحدة أو المتجانسة ولا ينبغي للسياسي ـ ناهيك عن الباحث الاكاديمي ـ ان ينظر اليه على هذا النحو وانما ينبغي ان ينظر إلى هذا الشأن الاسلامي, كما اسميناه على انه ينقسم إلى ثلاث فئات اساسية يصنفها البحث المذكور على النحو التالي: * اولا: الاسلام التقليدي. * ثانيا: الاسلام الذي ترعاه الحكومات (حتى لا نقول الاسلام الحكومي) . * ثالثا: الاسلام النقي الخالص. وفيما يتعلق بالفئة الاولى, فهو يتصل بالتيار أو المسار الرئيسي الذي يكاد ينتظم غالبية سكان آسيا المسلمة الوسطى وهو تيار محافظ, تقليدي وعمومي وان كان السائد هناك ان الامر يتعلق بتحديد وشخصية الناس هناك قبل ان يتصل بنوعية الولاء الديني أو العقيدي وهو ما يترجم نفسه إلى ما يسميه البحث الذي نحيل اليه بانه شعور قوي بالالتزام بضرورة الحفاظ على ما تواضع عليه وما خلفه الآباء والاجداد وهذا الشعور يتراوح بين صرامة الالتزام بالتعاليم الدينية وبين حالات التخفف من هذه الصرامة, وان كان ثمة اتفاق على التمسك اساسا بمظاهر أو طقوس واشكال هذا الالتزام حيث يرى البحث المذكور على ان امر الاسلام التقليدي هذا انما يتعلق بجانب التواصل الشكلي أو الطقوسي أو السلوك العلني والجماعي وهو امر له اهميته في حد ذاته قبل ان يتعلق بجوانب التفكر والتأمل في جوهر العقيدة والبحث العميق المنظم أو الفلسفي في جوهرها. عمران بيوت الله من هنا مثلا سادت في اعقاب استقلال جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة, نزعة حماسية نحو بناء المساجد, وفي هذا الاطار ازداد عدد المساجد في جمهورية تركمانستان من 4 مساجد فقط حتى الثمانينيات ليصبح 180 مسجدا في عام 1994, وفي اوزبكستان وفي الفترة نفسها ارتفع عدد جوامعها من 300 إلى خمسة آلاف مسجد, ولقد نختلف مع البحث الامريكي المذكور في توقفه عند شكلانية هذا السلوك عندما نعرف ان هذا الاندفاع إلى تعمير بيوت الله جاء بمثابة طفرة تعويض تاريخي مشروع ومفهوم من جهة, فيما صاحبه من جهة اخرى اندفاعة مباركة كما نصفها نحو انشاء مدارس للتثقيف والتعليم الديني ومكاتب لتحفيظ وتدريس القرآن الكريم وايضا لتعليم اللغة العربية. الاسلام الذي ترعاه الحكومات والامر هنا جاء متصلا بضرورات المبادرة إلى ملء الفراغ الايديولوجي الذي تخلف عن تداعي وانماء الايديولوجية الماركسية وانهيار النظام الشيوعي ـ السوفييتي الذي كان قد قام على اساسها, وربما لم تجد الحكومات وهي تجهد في هذا المضمار صعوبة في تبني الفكر والتعاليم الاسلامية اذا كان الامر بمثابة عودة مرحب بها إلى الاصول السمحة والجذور التي كانت ولاشك مستكنة لاتزال في اعماق الضمير الجمعي والذاكرة الثقافية الشاملة لشعوب تلك المناطق ومن ثم عمدت الحكومات المحدثة التي حكمتها إلى تأكيد دور الاسلام بوصفه العامل الجامع المشترك في تأكيد اواصر الوحدة الوطنية بين ابنائها لانقاذها من فوضى الفراغ الناجم عن سقوط مذهب الماركسية ـ اللينينية, ولم يكن من قبيل المصادفة في تلك الجمهوريات الماركسية سابقا, ان وقف رئيس الجمهورية في كل من اوزبكستان وقرغيزستان يوم توليه منصبه ليقسم على كل من الدستور والقرآن الكريم, وهؤلاء الرؤساء والحكام الجدد كانوا قد ارتقوا في مدارج العمل السياسي خلال المنظومة السياسية الشيوعية ـ السوفييتية, لكن الدراسة الامريكية لا تلبث ان تلاحظ حرص هؤلاء الرؤساء على حيازة شواهد تؤكد وتصدق على جدارتهم بحكم دول اصبح للاسلام الحنيف فيها شأن وأي شأن, ومن ذلك مثلا المواظبة على الصلوات العامة الجامعة أو افتتاح برامج دينية في الاذاعات الحكومية أو الحرص على زيارة مكة المكرمة التماسا للعمرة أو الحج إلى بيت الله الحرام. امثولة افغانستان من جانب اخر, ورغم ان من هؤلاء الرؤساء من اعلن ان شعبه يدين بالاسلام السني, فلم يصل الامر إلى المناداة بأسلمة القوانين أو الاعراف والقواعد الدستورية المعمول بها هناك, ان الشاغل الاساسي لحكومات الجمهوريات الاسلامية في اسيا الوسطى هو بالاحرى تعزيز وترويج الاسلام الطيب أو السمح الذي (يفيدها) في دعم الدولة وتطورها مع التصدي للاسلام (الآخر) , وتعنى به ضمنا تيارات العنف أو التطرف الشديد التي تهدد استقرار الدولة وامن المجتمع, ومن ثم يشهد بلد مثل طاجيكستان عديدا من الاشارات والتلميحات إلى ما آل اليه مصير افغانستان التي يتخذونها في آسيا الوسطى مثلا بل امثولة على التطرف أو المبالغة أو الايغال في هذا المضمار إلى حد ان وقع البلد المذكور بين شقي رحى الحروب الاهلية والمنازعات العشائرية ومن ثم تعطيل المسيرة الاغاثية وتشويه صدق المجتمع وعقائده في اعين العالم. الاسلام النقي: ويصفه بحث (شيرين اكنر) في عبارات تقول: * انه يشمل حركة مترامية وفضفاضة تضم عديدا من دعاة التجديد والاصلاح ومنهم من تتمثل مقولاته وطروحاته في العودة إلى الجذور النقية الاولى للعقيدة الاسلامية, وفي هذا الاطار لا يتورع هؤلاء الدعاة عن توجيه النقد إلى الحكومات وسياساتها, بل وعن ان يرشقوا بألسنة حداد احيانا بعض قادة المؤسسات الدينية اذ يتهمونهم بالفراغ الروحي وربما التواطؤ مع الساسة والنخب الحاكمة. وعندنا ان رصد ومتابعة هذه الجماعات امر مطلوب علميا واكاديميا وسياسيا من اجل فهم دعواتهم واستباق ما قد تسفر عنه هذه الدعوات, وبعضها مقبول ومفهوم, وبعضها الاخر متشدد إلى حد منذر بأخطار التطرف والغلو, في تشكيل مصائر الشعوب المسلمة في آسيا الوسطى, فمن هؤلاء من يبشرون بالاسلام النقي الخالص الذي يتخذ اطاره المرجعي في حقبة الراشدين رضوان الله عليهم ومنهم من يتبنى دعوة احياء الخلافة بوصفها مؤسسة سياسية, ومنهم من يرفض استخدام العنف سبيلا لاقامة النظام الاسلامي الذي ينشده ومنهم كذلك من تعرضوا لبطش الانظمة الحاكمة سواء من خلال حالات التوقيف أو الملاحقة أو الاغتيال أو التعذيب بل والاختفاء وهو ما برحت ترصده وتنشر عنه منظمات حقوق الانسان المحلية في وسط آسيا والدولية على السواء. والحاصل ان باتت مؤسسات الدولة في عدد من جمهوريات اسيا الوسطى تتخذ من هذه الجماعات والدعوات الاسلامية مشجبا جاهزا تعلق عليه ما يصادفها من مشاكل وتهديدات, وعندما وقعت محاولة اعتداء على حياة كريموف رئيس اوزبكستان وكان ذلك في العاصمة طشقند يوم 16 فبراير 1999, سارعت الدوائر الرسمية إلى تعليق الاتهام برقبة الاصوليين الاسلاميين. ايريك وبيريك الا ان اكثر من مراقب ومحلل دولي مهتم بالمنطقة ومختص بشئونها ما لبث ان شكك في صحة مثل هذه الاتهامات على اساس ان ثمة قوى معارضة تنشط في تلك المنطقة ومنها الاحزاب السياسية التي ترفع شعاري ايريك (وتعني الحرية) وبيريك (وتعني الوحدة) وهي الاحزاب التي سبق انشاؤها خلال الحقبة السوفييتية ذاتها. وفي كل حال فما من شك ان ثمة عودة ان لم نقل صحوة للاسلام في اسيا الوسطى, ومن ثم فالظاهرة الاسلامية امر اصيل في تلك المجتمعات وهي جديدة, بحكم التعريف, بمزيد من التطور والنضوج ومثل اي ظاهرة انسانية في جوهرها فهي قابلة بحكم التعريف كذلك, لان يركب موجتها افواج المغامرين والانتهازيين والمستغلين والمغرضين تحت شعارات شتى. ولسوف يظل امرها إلى حال من الفوران والثوران والاندفاع والتفاعل الشديد ولقد يصلح امرها, وتنصلح احوالها اذا ما لقيت من جانبنا في العالمين العربي والاسلامي مزيدا من الفهم المدروس والوعي الموضوعي والعون الخالص لوجه الله تعالى ولخدمة ترشيد الظاهرة من خلال تزويد القائمين على امرها بما قد يحتاجونه ماديا ومعنويا من اجل استعادة عقيدتهم مكانها ومكانتها في حياة الناس. وما من شك ان ترشيد وتعميق هذا الشأن الاسلامي في جمهوريات اسيا الوسطى جدير بأن يؤتي ثمرات مباركة تعود خيرا ومكاسب سياسية, وادبية وعقيدية بل ومادية وتجارية ايضا تصب بدورها لصالح شعوب تلك المنطقة بخاصة ولفائدة اهل العالمين العربي والإسلامي بشكل عام.