كما ان (لكل مقام مقال) فإن مقامنا اليوم حول بعض المثقفين الجدد, أو بمعنى أدق المستهلكين والمستهلكين (بفتح اللام) الجدد. والذين ركبوا القطار السريع للعولمة. فلم تعد كما اعتقدناها مجرد ساندويش هامبرجر في أحد المطاعم السريعة فحسب, أو ادمان أحدهم للكوكاكولا. أو أغاني العشق السريعة التي لا تتجاوز لقاء حميميا ومحموما في محطة قطار أو داخل مصعد في بناية لا تزيد على تسعة أدوار كما تظهرها بعض دعايات العطور. وإنما للأسف هي أهم من ذلك, إنها النخبة (المثقفة) الجديدة التي تعتبر في كل المجتمعات جسرا معرفيا يمتص حالات الكسر بفعل التحولات المفاجئة وعلى كافة الأصعدة. وها هم (المثقفون) العرب الجدد يتحايلون بمهارة لمقاومة العولمة بالعولمة ذاتها! رافعين شعار (وداوها بالتي كانت هي الداء) . فنجدهم يمتهنون ما أسميه ثقافة العناوين والسير الذاتية the culture of bibliography and biography وأكتبها هنا بالانجليزية لأن كثيرا منهم يدعي بأن فهمه لجوهر الأشياء لا يكتمل إلا بالتوضيح من خلال المصطلح الأجنبي. هذه الثقافة الطفيلية القشرية يخادع بها البعض ويلعبها بمهارة وتمويه بارعين. فما ان تذكر لأحدهم اسم مثقف عربي, إدوارد سعيد مثلا, حتى يغرقك بسيل من المعلومات الشخصية الصحفية عن هذا الكاتب قد تصل المعرفة باسم وتاريخ ومكان ميلاد والدة الكاتب. بل لا يكتفي هذا (المثقف المستنير) عند هذا الحد, فيكمل سيله بعناوين الكتب لهذا المؤلف ابتداء بأكثرها شهرة وهو (الاستشراق) وانتهاء بآخر عنوان مقالة ألقم فيها إدوارد حجر الجنوب اللبناني للمشهد الاستيطاني في الطرف الآخر من الأراضي الفلسطينية المحتلة. عندها يبهر هذا (المثقف) من حوله بهذا القدر من المعلومات الدقيقة, ولكن حينما تسأله عن رؤية الكاتب حول دور الإسلام في الصراع الغربي العربي ينتقل (مثقفنا) المراوغ وبمهارة عالية إلى مؤلف آخر وعنوان كتاب آخر, وهكذا دواليك. أين المثقف الحقيقي إذن؟! هل ضاقت فهارس المكتبات وأجهزة الحاسوب بما لديها من عناوين ليقوم هذا (المثقف الببليوغرافي) بالدور ذاته. وهنا يمكن القول إن هذا النوع من ثقافة القشور يهدد الثقافة الحقيقية بالانقراض. ولعل هذا ينبئ بأن الفكر العربي في خطر سواء بحجم ونوعية انتاجه أو قدرته على التأثير في قطاع المثقفين من خلال رؤاهم الفكرية التي لا يمكن استقبالها والتفاعل معها إلا بقراءة كامل النصوص وليس العناوين فقط. وحين انتاج الفكر الابداعي, ليس مهما أن نعرف من صاحبه بقدر ما نستفيد من الابداع ذاته, وكم من قصيدة همشت شاعرها وبقيت هي دائمة التأثير على مر الزمان. وإذا كان الأمر كما نشتهي بأن يتحول المثقف إلى قارئ مطلع بعيدا عن نموذج العشق السريع في محطة القطار السريع! فإنه وباطلاعه ومخزونه الواسع وبثقافته الحقيقية يستطيع أن يؤثر في سلوك البسطاء والمتعلمين من الناس. والمساهمة بتشكيل نخبة مثقفة مؤثرة في حماية هوية الثقافة وثقافة الهوية. وفي النهاية لنا أن نتساءل من هو المثقف العربي, وما هي النخبة؟ يمكنك الاجابة عن هذا السؤال ان ابتعدت قليلا عن آلاف العناوين العشوائية الرقمية التي تمطرك بها الانترنت وتختار كتابا واحدا رصينا لتقرأه كاملا بشكله الالكتروني أو الورقي, المهم أن تقرأه. وإياك والرمال الببليوغرافية المتحركة, فإن غرقت, أحسبك من الغائبين. hani@albayan.co.ae