بالله إن جزت بوادي الأراك وقَبّلَت عيدانُهُ الخضرفاك فاْبعثْ إلى عبدك من بَعضها فإنني واللّه مالي (سواك) لعل سائلا يتساءل لمن هذين البيتين الغزليين الرقيقين العفيفين, أهما لقيس ليلى أم تراهما لقيس لبنى أم تراهما لعباس بن الاحنف أم تراهما لكثير عزة, فإنهما بيتان لا يقولهما الا شاعر غزل رقيق يذوب رقة وعشقاً وهُياما. ولعله لن يصدق ان يقال له ان قائل هذين البيتين اللذين ربما سمعهما من فم عاشق مغرم, لعله لا يصدق أن يقال إنهما لقاض عربي من قضاة الإسلام الذين تركوا لنا آثاراً لا تموت وإن ذهبوا هم وارتحلوا, وليس استغراباً من يقرأ ان تلك الابيات لقاضٍ من القضاة إلاّ لما اعتاده الناس من سمات القضاة في زماننا هذا الذين هم بين قاضيين أحدهما قاض شرعي يظهر التجهم والزهادة والخشونة ويؤثر عدم الابتسام وينكر الشعر والأدب ويعتبره مما يجرح في نزاهة القاضي, والآخر قاض مدني لا يعرف إلاّ نصوص القوانين الفرنسية والغربية, والغربية المستعْربة وليس سوى ذلك, والحقيقة أن تلك النظرة ما اعتادها الناس عبثا ولكن لأن ذلك هو السائد بين معاشر القضاة في هذا العصر, فإن وجد سواهم من القضاة من أهل الأدب والطرفة والمرونة فهم قليلون نادرون (كندرة الكبريت الأحمر في هذا الزمن الأغبر) . المهم ان قائل البيتين الرقيقين اللذين علقتهما في جيد هذه السطور هما للقاضي محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الافريقي الشهير بابن منظور صاحب كتاب لسان العرب ذلك الكتاب العُمدة بين كتب اللغة لأنّه اوسعها شرحاً لألفاظ العربية وأكثرها شواهد من القرآن والشعر والحديث حتى أنّك تجد الكلمة في سواه مشروحة في سطور وتجدها فيه في صفحات طوال وليس ذلك غريباً على كتاب جمع صاحبه حبّات عقده من كتب اللغة النفيسة. ذكره ابن حجر العسقلاني فقال عنه (لسان العرب جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح والجمهرة والنهاية وحاشية الصحاح) وصاحب الكتاب ابن منظور لا ينكر ذلك بل يقره بتواضع جم لا تجده كثيراً عند من هم في زماننا لا يساوون شيئاً ويكفيك من تواضعه قوله عن كتابه الشهير هذا (وليس لي في هذا الكتاب فصيلة أمت بها ولا وسيلة اتمسك بسببها سوى أنني جمعت فيه ما تفرّق في تلك الكتب من العلوم وبسطت القول فيه ولم أشبع باليسير, فمن وقف فيه على صواب أو زلل أو صحة أو خلل فعهدته على المصنف الأول) . وصاحب الكتاب لم يكن جديداً عليه الاشتغال بالكتب فهو كما قال عنه ابن حجر كان مغرى باختصار كتب الادب المطوَّلَة فاختصر الأغاني والعقد الفريد والذخيرة وسواها ولم يكن يمل من ذلك حتى قال عنه الصفدي لا أعرف في الأدب وغيره كتابا مطوّلاً إلا وقد اختصره حتى قال ولده قطب الدين انه ترك بخطه خمسمئة مجلد, ذلك كان ابن منظور الذي عاش قبل ما لا يقل عن الثمانية قرون فهو المولود سنة 630 هـ الراحل سنة 711 للهجرة في عصر ليست له وسائل الرفاهية ووسائل الطباعة والنشر يموت ويترك مخطوطات بيده لا تقل عن خمسمئة مجلد ولو افترضنا ان في كل مجلد عشر صفحات فحسب لكان قد ترك ما لا يقل عن خمسة آلاف صفحة بخط يده في عمر لا يجاوز الثمانين سنة. ونحن في زمان يعيش ويموت الانسان فيه لا يترك وراءه ورقة تقرأ, فما هو السبب يا ترى فلنا كل وسائل الكتابة والقراءة والطباعة والمال والرفاهية ولهم الكتابة والابداع والتأليف والعلم, لعلّه الزمن المبارك الذي كانوا يعيشونه ولعلّه التشاغل بتوافه الحياة التي نعيشها ركضاً وراء عربةٍ نركبها أو ثوب نلبسه أو بيت كبير نُفْني أعمارنا لكي نبنيه, الأهم من ذلك أنهم كانوا أصحاب طلب لعلوم شتى لا يكتفون من المعرفة بوجه واحد, فانك تجد القاضي مثلاً فينا صاحب حرفة واحدة هي القضاء يتعامل معها تعامل صاحب المهنة يموت ويحيا فيها في نصوصها وقوانينها ولا يجهد نفسه كثيراً في معرفة سواها, أمّا قاضيهم فكان صاحب معارف جمة فتجده قاضيا فقيهاً وشاعرا أديباً وكاتبا فقيهاً في اللغة والتفسير وربما وجدته عالماً في الرياضيات والطب والفلك فكيف كانوا وكيف أصبحنا. **** أصبحنا عالة على كتب أناس كانوا أقل منا مالاً ورفاهية وفراغاً لولا كتبهم التي تركوها لنا لما بقيت لنا أصول نفاخر بها, ونعتمد عليها ونتعلم منها ويبدو أننا هكذا كلما جاء جيل جديد منا كان عالة على من كان قبله فكما نحن جميعاً عالة على كتاب ابن منظور كذلك نحن في هذا العصر عالة على من التفت الى كتاب ابن منظور هذا في أواخر القرن التاسع عشر في عهد الخديوي محمد توفيق حاكم مصر آنذاك الذي كان كما يبدو ذا عناية بالعلم وأهله والاّ لما سخر رجال دولته لخدمة هذا الكتاب وطبعه ونشره في زمان كانت الأمة العربية اكثرها يغرق في الجهل والنسيان والفقر وذلك في سنة 1300 للهجرة كما جاء في مقدمة الكتاب التي وضعها أحمد فارس فاثنى على الخديوي ورجال دولته الذين اعتنوا بالكتاب وكان آخر من ذكر (حضرة حسين افندي علي الديك الذي شمر عن ساعد الجد حتى احتمل عبء هذا الكتاب وبذل في تحصيله نفيس ماله رغبة في عموم نفعه) وكفى بهذا الكتاب شرفاً أن ينال الشرف كل من عمل على نشره وطباعته والآّ من كان سيعرف ذلك الرجل (حسين افندي علي الديك) ويحفظ له اسمه في صفحات التاريخ لولا تعلق اسمه باسم لسان العرب. وكنت اتمنى أن اعرف اكثر واكثر عن الديك افندي هذا الذي بهمته وماله ترك لنا هذا الكتاب الجليل مطبوعا. المهم أن اغرب ما قرأته في مقدمة هذا الكتاب بيراعة صاحبه ابن منظور هو شكواه المرّة من أن اللغة العربية في عصره كانت مهملة متروكة يفخر أهلها بسواها من اللغات فقال عن سبب تأليفه للكتاب: (فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون وسميته لسان العرب) . فماذا تراه سيقول لو عاش في زمننا هذا؟