عندما اصدر التابعي (آخر ساعة) في عام 1934 بدت المجلة الوليدة وكأنها امتداد لمجلة (روز اليوسف) في الحجم, والغلاف الكاريكاتوري, ونوع الورق, وقبل ذلك اسلوب التحرير الذي خصب به التابعي المجلتين, وربما لهذا السبب كان نجاح (آخر ساعة) على حساب (روز اليوسف) والعكس صحيح وربما لهذا السبب ايضا بقيت (روزاليوسف) صامدة, فهي الاصل بينما تعرضت (آخر ساعة) لخطر الفناء امام مدفعية (اخبار اليوم) الثقيلة ولم ينقذها الا الاستسلام لشروط الغزاة الجدد للصحافة, وان تصبح جزءا من دولتهم, وتغير جلدها وشخصيتها. لم يبق هيكل في (آخر ساعة) ـ التابعي اكثر من عامين (منذ دخوله اليها في عام 1944 وحتى بيعها في عام 1946) ولا يجد المدقق لارشيف (آخر ساعة) في هذين العامين نجاحا ظاهرا لهيكل, فاسمه لم يظهر الا مرات تعد على اصابع اليد الواحدة وبالبنط الصغير, وهو امر متوقع, فقد كان في مرحلة البداية, وكان المطلوب منه ان يأتي بأكبر حصيلة من الاخبار, لا ان يكتب المقالات, وان كانت براعته المبكرة في الكتابة جعلته يأخذ مكانا سريعا في مطبخ المجلة الذي يسمى (الديسك) وفيه تعاد صياغة الاخبار والتحقيقات والتقارير بصورة جذابة, ولكن رجال (الديسك) غالبا مايكونوا جنودا مجهولين, لايعرف القراء اسماءهم, اما الاسماء اللامعة على صفحات (آخر ساعة) في تلك الفترة فكانت تقتصر على محمد التابعي, الدكتور سعيد عبده, كامل الشناوي, سلامة موسى, عبدالله الكاتب, واحيانا كانت المجلة تستضيف احسان عبدالقدوس, اما الجيل الجديد فكان لايزال في مرحلة الصبر والتحمل. مرحلة التألق بعد ان اصبحت (آخر ساعة) في (اخبار اليوم) تغيرت تماما, اصبح حجمها في حجم التابلويد, وانتقلت طباعتها الى (الروتوغرافور) ودبت الحياة الساخنة في صفحاتها, وبدأ هيكل يجني ثمرة كل ما زرعه. في اول مايو 1946 عين بمرتب 30 جنيها, ثم حصل على علاوة 10 جنيهات في اول مايو 1948 بعدها قرر السفر الى فلسطين لتغطية الاحداث التي تجري هناك, ثم علاوة 10 جنيهات في اول يناير 1949 بعد ان نجحت رسائله الصحافية التي غطت حرب فلسطين بصورة مذهلة, ثم علاوة 50 جنيها في اول يوليو 1952 عندما عين رئيسا لتحرير (آخر ساعة) , ثم حصل في اول ابريل 1954 على 50 جنيها بدل تمثيل و20 جنيها بدل بنزين واصلاح سيارة, ثم عين مع رئاسته لتحرير (آخر ساعة) رئيسا لتحرير جريدة (الاخبار) في يونيو 1956 وساعتها قرر علي امين ان يرفع اجمالي دخل هيكل من عمله الى 5 آلاف جنيه في السنة, موزعة شهريا كالاتي: 331 جنيها و666 مليما (مرتب اصلي) و15 جنيها غلاء معيشة و50 جنيها بدل تمثيل و20 جنيها بدل انتقال, والمجموع 416 جنيها و666 مليما. (1) لكن الاهم من المرتب وغلاء المعيشة وبدل البنزين كان العمل الصحافي, لقد بدأت مرحلة تألق هيكل على صفحات (آخر ساعة) بتحقيقاته التي كانت تميل في البداية الى الجريمة بأبعادها الاجتماعية والبشرية والخفية والدرامية, وقد غطت هذه التحقيقات سجون الرجال والنساء, وقضايا امن الدولة, والمحاكمات الشهيرة في وقائع الاغتيال السياسي, وكان من الصعب على اشد الخصوم عداء لهيكل ألا يسجلوا اعترافهم واعجابهم به وبموهبته المبكرة في الصحافة التي لم يدرسها ولم يكن في نيته احترافها. في عدد آخر ساعة رقم (668) بتاريخ 13 اغسطس 1947 يضرب هيكل ضربته الصحافية الاولى عندما يستقل هو ومحمد يوسف كبير مصوري اخبار اليوم سيارة جيب ويشقان بها الطريق الى منفلوط ومنها الى حضن الجبل الذي كان (الخٌـط) يتخذه مسرحا لعملياته ولايامه الاخيرة, ان الخط كان من اشهر المجرمين الذين اثاروا الرأي العام في مصر.. وحولته الصحافة الى اسطورة وهي اسطورة اغرت مخرجا سينمائيا كبيرا مثل صلاح ابو سيف لتحويلها الى فيلم سينمائي فيما بعد كان اسمه (الوحش) لعب بطولته محمود المليجي وكتب السيناريو والحوار له نجيب محفوظ. ان ما كتبه هيكل عن (الخط) كان بداية شهرته العريضة, وساعده على ذلك انه لم يتردد في كتابة تحقيقه الصحافي عن (الخط) وكأنه يروي رواية مثيرة, ينتظرها الناس في تشوق وغموض واثارة وتوتر. الموتور والسائق كان عمر هيكل 24 سنة عندما بدأ يعبر عن موهبته الصحافية بهذه البراعة المبكرة, كان ذكيا في اختيار موضوع التحقيق الصحافي وفي اختيار توقيته, وكان جذابا في اسلوب عرضه لما يكتب, ولاجدال من ان عمله في صحيفة (الاجيبشيان جازيت) ساعده على استيعاب التحقيق الصحفي بشكله الحديث, ثم كان ان اضاف اليه دفء الاسلوب الادبي الذي يفرضه ويفضله عادة ذوق القارىء الشرقي, ولاجدال ان دخوله (اخبار اليوم) في تلك الفترة قد منحه الفرصة لتجريب كل ما يخطر على باله من افكار في التجديد والتطوير, فقد كانت (اخبار اليوم) قفزة صحافية حديثة بكل المقاييس الصحافية. لقد رفض هيكل عرض امين زيدان, ووجد نفسه في (اخبار اليوم) محررا وسكرتيرا لتحرير آخر ساعة في الوقت نفسه, وكانت تشغل دورا على السطح في عمارة تملكها احدى شركات التأمين في شارع قصر النيل, وتعرف هيكل على مصطفى امين الذي لايزال يعتبره اهم وأفضل مخبر صحافي عرفته الصحافة المصرية, وراح هيكل يتأقلم مع عالمه الجديد, ولم تكن العملية ـ كما يقول ـ سهلة (وان كانت نتائجها سعيدة بالنسبة الي وبالنسبة الي كل الاطراف فيما اظن, وبالطبع كانت هناك فترة ملاءمة, وأكاد اقول فترة احتكاك, لكنها مرت) . (2) (كان الجو العام في (اخبار اليوم) غير مستعد على الفور لقبول واستيعاب غرباء من الخارج, ولكنها كانت مسألة اسابيع, ثم تحقق الاندماج) .(3) ويدين هيكل بالفضل في اندماجه في (اخبار اليوم) لكامل الشناوي (وكان رئيسا لتحرير (آخر ساعة) في ذلك الوقت) كان هيكل يعرفه من قبل, فقد جلس الى جواره مرات في شرفة الصحافة في مجلس النواب واستهوته شخصيته, فكامل الشناوي شاعر وكاتب ومحدث وراوية (فنان قلب نواميس الكون فاذا النهار نوم واذا الليل يقظة ومغامرات وحكايات لا اول لها ولا آخر) (4) ويبدو ان اختلاف شخصية هيكل عن شخصية كامل الشناوي كانت سببا في انجذاب كل منهما الى الآخر, التناقض احيانا يكون عنصر جذب. كان هيكل يتهمه بالبوهيمية, وكان كامل الشناوي يتهمه بالنظام, كان هيكل يراه يهدر ثلاثة ارباع وقته وكان يرى ان الحياة اجمل من ان تضيع في العمل وكان كامل الشناوي على علاقة حب دائمة مع الحب نفسه, فقد كانت له حكاية غرام كل ليلة, وكانت غراميات يائسة تلهمه قصائد حلوة فاذا جاء الصباح وسطعت الشمس تبدد غرام الليل وبقيت القصيدة الحلوة نسمعها ونستعيد سماعها عندما تهدأ الاحوال وتتيح لنا الظروف ان نسعى الى غرفة مكتبه, ملتقى الجميع بدفئها الذي يذوب فيه الصقيع. (5) ويعترف هيكل بأن مشاعره الخالصة اتجهت من اول لحظة الى علي امين (كان كتلة متحركة من الحيوية, وكان مع حجمه الضخم مازال يحتفظ بقلب الطفل الذي كان فيه ذات يوم وبطيبته, وأحيانا كانت تعتريه حماقة الطفل واندفاعه التلقائي, لكن الرجل فيه يعود بسرعة ليؤكد نفسه فاذا هو مزاج صاف وروح أليفة, كان هيكل يحار في الطريقة التي ينفعل فيها بسرعة ثم يهدأ فيها بسرعة) لكن مهما يكن فإن هيكل يعتبر تلك أحلى جوانب شخصيته. كان العمل في (أخبار اليوم) مقسما بين علي أمين ومصطفى أمين (علي أمين على وجه التأكيد هو (الموتور) الذي يجري فيه الاحتراق الداخلي ويولد الطاقة والحركة, ومصطفى أمين هو السائق الجالس على عجلة القيادة في الدار ويوجهها في أي طريق يختار) (6). وبدا مصطفى أمين في عيني هيكل (رجلا شديد الذكاء فيما يقصد إليه) شديد النشاط مع بعض المبالغة في الحركة, لطيف المعشر حين يريد, لكنه ليس بالضبط مثل توأمه كتابا مفتوحا تقرأ صفحاته في يسر وسهولة, ولم أجد غرابة, فذلك شأن مخبر صحافي كبير له اتصالاته الواسعة ومصادره المتشعبة وحساباته المعقدة) (7). وفي الشهور الأولى من عمل هيكل في (أخبار اليوم) وقعت بينه وبين مصطفى أمين احتكاكات سريعة (لكن العمل المشترك والصحبة الدائمة أزاحا كل شيء جانبا) . وقد اختلفا مرة في الطريقة التي تغطي بها (أخبار اليوم) قضية اغتيال أمين عثمان. ان أمين عثمان هو وزير المالية القريب للانجليز وصاحب التصريح الشهير (ان العلاقة بين مصر وبريطانيا مثل الزواج الكاثوليكي) , أي لا تقبل الطلاق, وقد اغتاله حسن توفيق على نحو مثير, وهرب من سجنه بعد القبض عليه, وكانت (أخبار اليوم) تغطي هروبه (بشكل يضفي على القتل والهرب نوعا من البطولة تختلط فيه القيم) . وكان مصطفى أمين موافقا ومدعما, لكن هيكل كان يرى (ان الجريمة السياسية لا قيمة حقيقية لها إلا إذا كان مرتكبها على استعداد لأن يدفع الثمن كاملا ومن حياته قبل أي شيء آخر, في سبيل ما يعتقد انه حق, وإلا فإن كل القيم تختل بما في ذلك جوهر روح الفداء لدى القاتل نفسه) (8). واختلف هيكل ومصطفى أمين مرة أخرى حول التغطية الاخبارية لمفاوضات صدقي ـ بيفن.. كان مصطفى أمين يتمنى نجاح المفاوضات, لكن ذلك لم يكن ما يحلم, به هيكل, وبسبب اختلاف مصادر أخبار كل منهما بدا أن ما يحصل عليه هيكل من أخبار يتعارض مع ما يحصل عليه مصطفى أمين من أخبار. وتعقدت الأمور بينهما بعض الشيء, عندما كتب مصطفى أمين في (أخبار اليوم) مقالا عن مشروع معاهدة صدقي ـ بيفن عنوانه (نوقعها ونلعنها) . فرد عليه هيكل بعد ثلاثة أيام في (آخر ساعة) بعنوان (إذا كنا سنلعنها فلماذا نوقعها) . الوباء وقد أشاع اختلاف المواقف والاتجاهات ظلا من القلق لبعض الوقت بينهما.. وكان علي أمين هو تيار الريح المندفع الذي يحاول دائما أن يعيد للسماء صفاءها. وربما ساعد على انقشاع الغيوم ان هيكل قرر في تلك الفترة تغيير اتجاهه, وبدت له التغطية الاخبارية في السياسة المحلية جهدا عقيما, وفكر في العودة إلى التحقيق الصحفي(9). كان الانجليز على وشك الانسحاب من ثكنات قصر النيل التي كانت قائمة في قلب القاهرة, فقرر هيكل أن يقدم الصورة الأخيرة للحياة في أكبر معاقل الاحتلال والذل في العاصمة المصرية, وكان برفقته محمد يوسف كبير مصوري (أخبار اليوم) . وقد رفض البريجادير هايم جويس قائد القاعدة دخولهما, لكنهما على الرغم من ذلك تسللا إلى الداخل وبقيا فيه أربع ساعات, وعندما خرجا قدما التحقيق الصحافي الذي نشرته (آخر ساعة) في عددها (644) بتاريخ 26 فبراير 1947 تحت عنوان (تسللنا إلى الثكنات) . وكان وباء الكوليرا قد تفشى في مصر, فغادر هيكل القاهرة هو ومحمد يوسف أيضا ليقيما في منطقة ظهور الوباء في محافظة الشرقية, وتقرر عزل المحافظة عن بقية مصر وكانا فيها, وكانت رسائلهما الصحافية تصل كل أسبوع إلى (أخبار اليوم) تنقل لقرائها ولقراء (آخر ساعة) صورة شاملة إنسانية للحياة في ظلال الموت. لقد عاد هيكل إلى الحياة مع الخطر كما كان يفعل في (الإجيبشيان جازيت) كان الخطر هناك هو الحرب, وكان الخطر هنا هو الوباء. وقد لفتت مجموعة من التحقيقات التي كتبها هيكل عن الكوليرا الأنظار إليه.. وفازت بجائزة الملك فاروق الأول للصحافة العربية.. وكانت جائزة لها شأنها في ذلك الوقت خصوصا بين الصحافيين الشبان.. ولا شك ان الصور التي التقطها محمد يوسف كانت سندا قويا لكل ما يكتبه هيكل. لقطة الموسم ومحمد يوسف هو واحد من المصورين الصحافيين المهمين في مصر, كان حلمه أن يلتقط صورا جميلة, لكن ظروفه لم تكن تسمح له بأن يدفع ثمن الكاميرا, ومن ثم التحق بـ (دار الهلال) في عام 1931 ليعمل في قسم التصوير الميكانيكي المرتبط بطباعة الروتوغرافور, وهناك عثر على من يقرضه كاميرا كلما احتاجها, وبدأ يجرب التصوير في اخوته وفي المناظر الطبيعية, ولكنه على الرغم من ذلك لم يكن يعرف ما هو التصوير الصحافي, وذهب يطلب عملا في جريدة (روز اليوسف) اليومية (لم تستمر طويلا). وكانت أول مهمة يكلفونه بها هي تصوير مظاهرة في الأزهر, وذهب إلى موقع الحدث لكنه وجد المظاهرة قد انفضت وخجل أن يعود بلا صور, فصعد إلى سطح أحد المنازل المطلة على ميدان الأزهر والتقط صورة عامة للميدان فيها عدد كبير من رجال البوليس الذين كانوا يقفون تحسبا لمظاهرة أخرى. وتصور انه بهذه الصورة قد حصل على نصر صحافي, وكانت مفاجأة عندما رأى زملاءه المصورين في الجريدة نفسها يقدمون صورا للمظاهرة, ومن يومها علم ان المسألة ليست مزاحا. ويروي هيكل في عدد (آخر ساعة) (776) بتاريخ 29 يونيو 1949 قصة صورة من صور محمد يوسف, كان بطلها الآخر هو مصطفى النحاس, الذي يقول هيكل عنه: من مميزاته انه رجل (فوتوجنيك) . وهو بهذا الوصف نموذج رائع لمصوري الصحف الذين يبحثون عن الوجوه المعبرة الصالحة للتصوير. ومن أشهر صور النحاس باشا صورة نشرتها (آخر ساعة) لرفعته وهو يصفق, ولقد أثارت هذه الصورة يوم نشرها ضجة كبرى, وتحدث الناس عنها ولكن القصة الحقيقية لهذه الصورة بقيت في الكتمان حتى الآن. ولقد التقطت هذه الصورة يوم زفاف السيدة سعاد الوكيل شقيقة صاحبة العصمة حرم النحاس باشا وكانت الحفلة في الآريزونا, ولم يكن بين المدعوين طبعا (أخبار اليوم) ولا (آخر ساعة) وبينهما وبين النحاس باشا ما صنع كل الحدادين في العالم, منذ اخترعت الحدادة حتى اليوم, ومع ذلك كان لابد لـ (آخر ساعة) أن تدخل الحفلة وأن تلتقط الصور وما كان ينبغي أن تفوتها هذه الحفلة وكانت وقتها من أكبر حفلات الموسم. وتسللنا أخيرا إلى داخل الحفلة, تسللنا مع أهوال مع الشبان الوفديين الذين كانوا يحرسون مداخل الآريزونا ومخارجه في همة لا تقل عن همة البوليس في تعقب الارهابيين اليوم. ثم وجدنا أنفسنا ـ محمد يوسف وأنا ـ أمام النحاس باشا وأمسكت قلبي بيدي أنتظر ما سوف يفعله النحاس باشا وكانت المفاجأة الكبرى ان ذاكرة النحاس باشا وهي ذاكرة حادة خانته أو لست أدري ما الذي حدث؟ فإن رفعته أقبل علي مرحبا يقول: انت اتعشيت؟.. قلت: نعم. قال: إذن تعال كل بطيخا, ثم استطرد: أنا أكلت شمام. وكنت أنا لا أزال في رهبة الاشفاق من أن يتذكر رفعته انني أعمل في (آخر ساعة) لا أحس بشهية نحو البطيخ أو نحو الشمام, وكان كل ما أود أن أفعله أن أبتعد عن النحاس باشا بسرعة. وأقبل فؤاد سراج الدين باشا وهمس في أذني: ماذا تفعل هنا؟ قلت في استسلام: ما تراه. قال: على أي حال سأكتم السر فعلا, وأشهد أن فؤاد باشا كتم السر فعلا, وفجأة قال النحاس باشا لفؤاد باشا ولي: تعالوا نسمع أم كلثوم! وكانت أم كلثوم تغني أغنية (أهل الهوى يا ليل) أو ستبدأ في غنائها, وذهبنا إلى الصف الأمامي وجلسنا, رفعة النحاس باشا وإلى يساره فؤاد سراج الدين باشا, ثم أنا, وبدأت أم كلثوم تغني. غنت أم كلثوم: أهل الهوى يا ليل.. واستبد الطرب بالنحاس باشا فصاح وهو يعبر بيديه ورجليه وكيانه كله: أيوه.. ما لهم؟ وأكملت أم كلثوم: فاتوا.. مضاجعهم.. وصاح النحاس باشا: علشان.. ايه؟. واستطردت أم كلثوم: (واتجمعوا يا ليل.. صحبة وأنا معهم) .. وصاح النحاس باشا: ليه؟.. لازم ح يطلعوا بيان.. وضحكت وابتسم فؤاد باشا وقال: النحاس باشا سعيد الليلة لانه يحب سعاد ـ يقصد سعاد الوكيل ـ كما لو كانت ابنته. ولاحظ محمد يوسف ان النحاس باشا يصفق لأم كلثوم بحماسة, ومال على أذني يقول لي: ما رأيك في صورة للنحاس باشا وهو يصفق؟ قلت: عال. قال: ولكن عليك أن تستأذنه. قلت: ماذا أقول له؟ وجلست أقلب المشكلة في ذهني: كيف أستأذنه؟ وماذا أقول له؟ والأغنية تكاد تنتهي ثم ينهض رفعته لينصرف إلى بيته ـ كما قال ـ لينام وتضع الصورة العجيبة, ثم حزمت أمري وأقدمت وهمست بالفكرة لفؤاد باشا, قلت له: هل تستأذن لي رفعة النحاس باشا لكي نصوره وهو يصفق, قال: إلى هنا لا.. وأنا لا أستطيع أن أقول له شيئا من هذا.. وسمع النحاس باشا حديثنا, والتفت إلى فؤاد باشا وإلي ثم قال: ماذا تريد؟ وسكت فؤاد باشا ولم يكن أمامي مفر من الكلام, قلت: كنت أطلب من فؤاد باشا أن يستأذن رفعتك في أن نصورك وأنت تصفق, وقال رفعته بغضب: ليه (الزفت) ده بقى؟ وقلت بسرعة: كنت أريد أن أكتب تحتها (عندما يصفق الرجل الذي اعتاد أن تصفق له الجماهير) . وضحك النحاس باشا بملء شدقيه وقال: جميلة دي.. فكرة كويسة دي.. ثم التفت إلى الوراء بسرعة وقال: فين المصور بتاعك؟ وأشرت إلى محمد يوسف فاقترب وبدأ النحاس باشا يشرح له فكرة الصورة كما لو كانت فكرته. قال بلهجته الخاصة المعبرة - بل القوية التعبير - أسمع.. هي ح تخلص الحتة دي.. وأنا ح أسقف على طول.. فاهم.. وانت تروح واخد الصورة حالا.. وهز محمد يوسف رأسه موافقا ونظر إلى النحاس باشا الذي قال له فجأة: لا.. ده أنت باين عليك خيبان.. متنفعش.. ما انتاش سريع كفاية.. لا بلاش.. موش عاوزين الصورة.. ثم سكت رفعته وتغيرت ملامحه بسرعة وقال: وألا انت تنفع.. طيب حاجربك.. بس بسرعة.. وقبل أن تمضي ثانية عدل النحاس باشا عن رأيه ومط شفتيه في قنوط وقال: لا متنفعش.. واستمر رفعته يقول: ينفع.. ثم يعود للنقيض, ثم يغير رأيه, بلا سبب ظاهر, وأنا لا أكاد أتابع كل هذه التغيرات, وأخيرا.. أخيرا استقر رفعته على رأي وقرر أن محمد يوسف (ينفع) ثم قال له: أهه.. خللي بالك.. ما تبقاش خيبان.. هي ح تخلص الحتة دي وأنا أسقف.. أهه.. أهه.. انت مستعد. وفرغت أم كلثوم من مقطع وصاح النحاس باشا: أهه.. أهه.. ثم رفع يديه يصفق بحماسة.. والتقط محمد يوسف الصورة بسهولة) . لقد روى هيكل قصة هذه الصورة بعد نحو ثلاث سنوات من التقاطها, وكان وقتها يوزع وقته وعمله بين أخبار الجريمة وأخبار المجتمع, لكن ما صنع شهرة هيكل كانت تحقيقاته الصحافية الساخنة المعبرة عن الناس. وهي التحقيقات التي نال بسببها جائزة الملك فاروق, وكان اسمها الرسمي (جائزة الملك فاروق للصحافة الشرقية) وكانت تقدم للصحافيين العرب تحت سن الثلاثين. لقد حقق هيكل نجاحا ملفتا للنظر في مرحلة اهتمامه بالتحقيق الصحفي المحلي.. لكن.. النجاح في حياة الصحافي سرعان ما يصاب بالملل والقلق.. ويصبح السؤال عن الخطوة التالية.. النقلة القادمة.. ماذا بعد؟.. وهو سؤال ملح جدا رغم ارهاقه وصعوبته والمتاعب التي تأتي من الاجابة عليه. الـهـوامـش: (1) موسى صبري: (50 سنة في قطار الصحافة) ـ مرجع سبق الاشارة إليه ـ ص 789. (2) محمد حسنين هيكل: (بين الصحافة والسياسة) ـ مرجع سابق ـ ص 37. (3) و(4) و(5) و(6) و(7) و(8) و(9) هيكل المرجع السابق: الصفحات 37 و38 و39 و40.