ان ما يلقاه المفكرون والعلماء والأدباء والصحفيون في الوطن العربي من حيف, وما يواجهون من اجحاف, على الرغم من كونهم رواد المعرفة ومشعل التطور وطليعة التقدم, يبرر البحث عن وسائل غير مباشرة لانصافهم, تعويضا لهم ولو بدرجة نسبية عما يلحق بهم من ظلم اجتماعي. ومن هذه الوسائل الجوائز التي تمنحها جهات عربية مخلصة, تشجيعا للمثقفين وحفزا لهم على مزيد من التجويد والانتاج المتميز. ولسنا هنا بصدد تسمية هذه الجهات التي تنتشر في كثير من انحاء وطننا. ويتم منح الجوائز الثقافية وفق أسس مختلفة. وكثيرا ما يكون ذلك من خلال مسابقات تهدف الى اختيار اعمال عملية او ادبية متميزة جدا, ليفوز اصحابها بالجوائز. ولكن للأسف, فإن بعض الجوائز العربية لا تمنح دائما وفقا لشروط عادلة, بل كثيرا ما يتدخل فيها عامل التوسط واحيانا الصدفة والحظ. كما انها تجري في ظل تعقيدات ادارية وتنظيمية وروتينية من شأنها ان تؤدي الى حرمان بعض اصحاب الاعمال المتميزة من الجوائز بسبب عدم تمكنهم من المتابعات الورقية والبريدية. وقد استحدثت مؤخرا, جائزة للصحافة العربية, هي الاولى من نوعها. وقد اجتمع مجلس ادارة هذه الجائزة في دبي في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر لعام 2000, لإقرار النظام الداخلي وتحديد شروط منح الجائزة التي تهدف الى تكريم الصحفيين وتشجيعهم على مواصلة العطاء الاصيل. وهذه خطوة موفقة ومباركة, لأن الصحفي يقدم للمجتمع عصارة فكره وينتج الاعمال التي تفتح الطرق امام حل الكثير من مشكلات البلاد معرضا نفسه بسبب طبيعة عمله الى بعض الاخطار والمضايقات, ولا سيما اذا كان صحفيا شريفا يجاهر برأيه بشجاعة, ولا ينافق للمسئولين. ولهذا السبب اطلقوا على عمله صفة (مهنة البحث عن المتاعب) ومع ذلك فإن ما يحصل عليه من مردود مادي لا يمكن مقارنته بما يناله اصحاب مهن اخرى كالتجار والسماسرة. ومن هنا فإن تخصيص جائزة كل عام لعدد من الصحفيين المرموقين يعد تكريما لهم وتعويضا نسبيا عن تقصير المجتمع تجاههم. ولكن هناك في هذا المجال, ناحية اساسية لابد ان تحظى ببالغ الاهتمام, وتتعلق بطبيعة الشروط الموضوعة لمنح الجائزة, والتي يجب ان تكون عادلة ومنصفة, وان تفتح الابواب امام الصحفيين المتميزين الذين يحولون اقلامهم الى ابواق لايقاظ النائمين وانارة الظلمات, وتغلقها في وجوه اولئك الذين يكتبون من اجل مصالحهم الخاصة فحسب. وهناك العديد من المقاييس التي يمكن الاستئناس او الاخذ بها, لدى تحديد افضليات منح الجائزة: فنزاهة الصحفي وامانته واستقامته ومدى تقيده بقول كلمة الحق وركوب مراكب النقد السياسي والاجتماعي الحر والبناء والموضوعي, وكذلك مقدار الجودة العلمية والفكرية والثقافية لانتاجه, ومدى نشاطه الصحفي, هي من الخصائص التي يجب ان تفتح الطريق امام نيل الجائزة. اما الصحفيون المداهنون والمنافقون والذين لا يخدمون مصالح الامة, فيجب الا يكون لهم اي نصيب من جوائز الصحافة. وبتعبير آخر, فإن القيمة الثقافية المتميزة للاعمال التي ينتجها الصحفيون, ينبغي الا تشكل وحدها جواز المرور الى الجائزة, بل لابد من ادخال الاخلاق الصحفية في الحسبان, ايضا, ولا ننسى, كذلك اهمية الابتعاد عن وضع الشروط الورقية والاجراءات الروتينية المعقدة التي يمكن ان تعيق توافر فرص منصفة لمنح الجائزة. بقي ان ننوه بأن من محاسن جائزة الصحافة الجديدة ميزتها القومية. فهي لا تمنح على اساس محلي او قطري, وانما نجدها مفتوحة لجميع اولئك الصحفيين المتميزيين الذين آلوا على انفسهم خدمة اوطانهم وحمل مشاعل المعرفة في اي مكان من الوطن العربي العريض. لقد احسن المسئولون الذين مهدوا الطريق لاطلاق جائزة الصحافة صنعا, لأنهم اضافوا بذلك لبنة جديدة الى صرح التطور الصحفي الذي نتوق الى تحقيقه بشتى السبل التي يعد التكريم الفكري والانصاف العلمي من ابرزها. فالشعور بالغبن عند الكاتب الصحفي الذي يعتصر لقمة عيشه بشق النفس هو من اهم المعوقات التي تسد في وجهه منافذ التجويد والابداع الحقيقيين, وتعرقل ابحاره في قارب العمل الصحفي الناجح والفعال. اما عندما ينال صاحب القلم حقوقه الكاملة, فإن هذا سيساعده على اقتحام معترك الكتابة الاصيلة والابتعاد عن الانزلاق في مهاوي الابتذال الصحفي, وكذلك على مقاومة الضعف البشر وضغط الاغراءات التي قد تدفع به في طريق المصانعة والمراهنة والممالأة, والتردي في مزالق النفاق, ونحن هنا لا نزعم ان الجوائز الثقافية, ومنها جائزة الصحافة, تشكل حلا كاملا لمشكلة حقوق الصحفيين, ولكنها دون ريب خطوة ناجحة ومحطة مهمة في الرحلة الى الهدف المنشود. وهي بمثابة اعتراف من الجهات الثقافية, بالجهود العظيمة التي يبذلها اصحاب الكلمة الذين قد يصل بهم الامر احيانا في سعيهم للعثور على الافكار الجديدة المبتكرة, الى ما يشبه محاولة الحرث في البحار, والقبض على الرياح, وصولا الى ادبيات راقية تساعد على تغيير عقول الناس نحو الاحسن. كاتب سوري