بعض الناس تموت بمجرد استخراج شهادة الوفاة, وبعضهم تتواصل حياته بعد الموت, وقد يصبح غيابه أكثر حضورا وأعمق أثرا. من هذا الصنف من البشر وعلى رأسهم الزعيم جمال عبدالناصر أحد أعظم حكام مصر في تاريخها الطويل. حقق انجازات بعضها يعتبر ضربا من ضروب الخيال, وارتكبت أجهزته هفوات بالرغم من خطورتها لم تستطع تلطيخ الثوب الأبيض بالبقع السوداء, أنصاره ارتفع بهم العشق الى مرتبة الدراويش, وأعداؤه تحول بعضهم الى طلاب ثأر, وجهوا اليه كل التهم ورموه بكل نقيصة, لم ينجح الموت في اخماد النار المتأججة في صدورهم, لدرجة أن بعضهم اتهمه بأنه باع بعض بواكي الدولارات وحصل على عمولته من حصيلة البيع, مع أنه أكثر خلق الله زهدا في الدنيا, وكان شعاره الذي رفعه في مواجهتها غري غيري غري غيري! الله يرحمه ويحسن اليه جمال بن عبدالناصر حسين, البطل الذي اصطاده أعداؤه في النهاية وقتلوه هما وغما, نفس الأسلوب الذي اتبعوه مع محمد علي باشا, ومع علي الكبير, ويقول أعداء عبدالناصر, ولماذا لم يأخذ عبدالناصر حذره؟ ولم يحتط لذلك اليوم الذي كان يخشاه ويتوقعه؟ وردي عليهم.. وهل أخذ الاتحاد السوفييتي حذره؟ إحدى القوى الأعظم في العالم. مع أنه كان يمتلك أسباب القوة, جيش قوي وشعب متماسك وحزب حديدي, وبالرغم من ذلك نجحت المؤامرة, وتفكك الاتحاد السوفييتي, وحل زعماء المافيا محل قادة الحزب, وأصبح الفساد هو النظرية, وتجار السوق السوداء هم أعضاء اللجنة المركزية ذلك لأن كيد القوى الشريرة أخطر من كيد النسا. ولأن في طبيعة البشر شيئا يجعلهم يرفضون القيود مهما كانت أهدافها لخدمة المجموع, ويجعلهم يضيقون بالعدل المطلق حتى لو كان الذي يطبقه هو الخليفة عمر بن الخطاب. ولله در الدكتور طه حسين تعرض لهذه المسألة بشكل عبقري في كتاب (الفتنة الكبرى) قال الدكتور طه في كتابه (عندما مات عمر بن الخطاب فرح المسلمون أيما فرح, وابتهجوا أيما ابتهاج) والسبب طبعا أن سيدنا عمر لم يكن يرحم مذنبا ويعفو عن مخطئ, وفي زمن عمر بن الخطاب ترددت نكتة تقول ان سيدنا عمر لمح زجاجة خمر مع رجل في الطريق, فتعقبه وألقى القبض عليه, فأخفى الرجل يده الممسكة بالزجاجة خلف ظهره, فسأله عمر ماذا في يدك؟ أجاب الرجل زجاجة خل, فقال عمر بل زجاجة خمر, فتوسل الرجل الى عمر أن يتركه لأن محتويات الزجاجة التي معه من الخل ولا علاقة لها بالخمر, ولكن سيدنا عمر أصر على رؤية الزجاجة, فتوسل الرجل الى الله جل جلاله أن ينقذه من العقاب الذي ينتظره على يد عمر. وكانت المفاجأة أن سيدنا عمر عندما انتزع الزجاجة من يد الرجل اكتشف أن الزجاجة بها خل ولا أثر فيها للخمر. النكتة تقول ان الله سبحانه وتعالى كان أرحم بالرجل المخطئ من سيدنا عمر. هذا كان في مجتمع سيدنا عمر بن الخطاب, فما بالك بمجتمع عبدالناصر؟ الذي كان فيه أمثال علي شفيق وحمزة البسيوني واللواء اسماعيل همت!؟ والآن وقد مضى ثلاثون عاما على وفاة جمال عبدالناصر ما الذي بقي على أرض مصر؟ بقيت مصر العمال والفلاحين وكانوا كما مهملا في العهد الملكي, وبقيت مصر بدون الاحتلال الانجليزي الذي بقي جاثما على أرضها سبعين عاما طويلا. وبقيت قناة السويس شركة مساهمة مصرية والتي أصبحت أهم مرفق ملاحي على ظهر الأرض, قناة السويس التي يديرها الفريق أحمد فاضل مع نخبة من شباب المصريين, وبقي السد العالي الذي حمى مصر من المجاعة ومن الغرق, وبقيت مصر زعيمة العالم العربي ودرة العالم الاسلامي, وبقيت الجمهورية المصرية التي نعيش فيها ونحيا على أرضها, لقد كانت صفقة عبدالناصر صفقة رابحة لمصر وكان عبدالناصر هو الخاسر الوحيد فيها. ولو عاش عبدالناصر مجرد موظف في دواوين الحكومة لاستمتع بحياته أكثر وربما عاش أطول وأهنأ, ولو كان عبدالناصر من طلاب الدنيا لكان بمواهبه وحضوره وقوة شخصيته من كبار رجال الأعمال, ولكان الآن يقضي أيامه في منتجع سويسري هاربا بأموال عشرة بنوك من بنوك مصر. ولكن لأن كل انسان يعمل لما هو ميسر له. فقد عمل عبدالناصر لما هو مخلوق له. وكان ميسرا للمجد وللنضال ولخدمة بلده وشعبه, وعاش حياته يقاتل على كل الجبهات, وعاش ومأكوله الجبنة البيضاء, ودواؤه الماء الساخن المخلوط بالملح يغمس فيه أقدامه ليشعر بالراحة بعد تعب وعناء, رحم الله الزعيم جمال عبدالناصر وجزاه خيرا بما قدمه لبلده وشعبه, الرجل الذي عاش لمصر ومات من أجلها. كشف الميداليات كشف ميداليات دورة سيدني الاسترالية يعكس مدى التغير الذي تسبب في شقلبة الدنيا واعاد توزيع الأدوار والأماكن. الولايات المتحدة في المقدمة وبعدها مباشرة الصين, ثم تأتي روسيا بفارق كبير في المركز الثالث ثم تأتي استراليا صاحبة الأرض في المركز الرابع, وحصلت على نصف ميداليات الولايات المتحدة ثم فرنسا ولها نفس ما لدى استراليا من ميداليات, ثم ايطاليا بعد فرنسا ثم رومانيا ثم هولندا ثم بريطانيا التي كانت ولها ست ميداليات لاغير ثم هولندا بعد بريطانيا. ونقرأ في ذيل الكشف أسماء دول نامية مثل كولومبيا وايران وموزمبيق وجنوب افريقيا وجامايكا ولم نقرأ في الكشف اسم دولة عربية واحدة بالرغم من حصول الكويت على ميدالية برونزية. الأمر الذي لا أجد له تفسيرا كيف يتمكن رجل من أثيوبيا من هزيمة متسابقين من السويد وسويسرا وأمريكا وكندا في مسابقات المسافات الطويلة.. في العدو فاز العداء الأثيوبي هيلاسلاس على متسابقين من هولندا وسويسرا والسويد والولايات المتحدة كيف يحدث هذا؟ بينما إفطار الرجل السويدي يكفي لإطعام الأثيوبي في عام وولد كوبي اسمه جارثيا فاز على جميع أبطال العالم في مسابقة مئة متر عدوا مع الحواجز. فاز الكوبي الغلبان على بطل العالم الأمريكي وبطل أوروبا البريطاني والبطل الهولندي. مع أن الفرق معروف بين كوبا والولايات المتحدة. طيب وإن كان هذا ممكنا فلماذا نجد الخيبة ماسكانا؟ واشتراكنا في هذه المهرجانات مثل عدمه. واذا كانت كينيا وموزمبيق قد استطاعتا أن تنقشا اسميهما على كشف الميداليات. فهل نحن في درجة أقل من موزمبيق وترينداد وتوباجو؟ إن هناك دولا الأكل فيها بمضاربة على رأي بيرم التونسي حصلت على ميداليات, وبعض هذه الدول تعاني من المجاعة والبطالة ووقف الحال, فلماذا نحن فقط الذين ينطبق علينا المثل إياه؟ الناس خيبتها السبت والحد واحنا خيبتنا مش على حد! والسؤال الآن.. من المسئول عن هذه الخيبة؟ الاتحادات الرياضية, اللجنة الأولمبية, وزارة الشباب, نادي الأسد المرعب.. هذا السؤال لابد له من جواب .. ولابد أن تكون هناك مساءلة وتحقيق.. أيا كان المسئول لأن فضيحة مصر على المستوى الدولي لايمكن السكوت عليها, ولا يمكن السماح بمرور هذه الجريمة بدون عقاب, إلا إذا كان هناك من يرى أن الحصول على الميداليات ليس المهم, ولكن المهم هو رضا الوالدين والفوز بدعوتهما!