لم أصدق يوما ان بامكان راقصة أن تؤلف كتابا تكتبه بنفسها, ولن أصدق أن مسئولا كبيرا لديه من المشاغل والوظائف, والمصالح ما يجعله غير قادر على (حك رأسه) يمكنه أن يصبح كاتبا بين ليلة وضحاها! كما لن يقتنع الناس بأن مطربة معتزلة أو فنانة تركت التمثيل أو لاعب كرة بالكاد يقول جملة متماسكة في لقاء تلفزيوني يستطيعون أن يدبجوا مقالات أسبوعية في صحفنا ومجلاتنا العربية, التي أصبحت أكثر من (الهم على القلب) لكنها الشهرة والنفوذ ونفاق الاعلام.. ثالوث سيئ إذا اجتمع على طاولة المصالح, امتلأت الصفحات بكل الدجل والغثاء. وعليه فإن الشهرة والنفوذ إذا اجتمعا في شخص فإنه يستطيع أن يكون كاتبا متى شاء, ومؤلفا إذا رغب, وصاحب مبادرات ثقافية ودور بارز ونجم ساطع.. فلا شيء يقف أمام بريق المال وسطوة النفوذ.. وهو داء عالمي, نصيب العالم الثالث منه كبير جدا, لان الجهل والفساد هما البيئة الأفضل لنمو كل السوءات الإنسانية. وان نظرة فاحصة للصحف وللحياة تؤكد ما نقوله وبسهولة أيضا. ولقد تساءل الكثيرون: لماذا يزاحم أهل الجاه والمال أهل الأدب والثقافة تحديدا؟ أيعني ذلك سهولة اللعب في هذه الساحة ـ نقصد ساحة الثقافة ـ أم لانها الساحة الأكثر تحقيقا للشهرة والنفاذ إلى قلوب وعقول أكبر عدد من الناس ما لا تحققه بقية الساحات والمناصب والأعمال؟ أم ان المتاجرين في ساحة الثقافة كثر ممن يعرضون أنفسهم ونتاجاتهم وملكاتهم للبيع لكل قادر على الدفع خاصة من أصحاب النفوذ؟ ولا أدري السر وراء عشق البعض للشهرة المزيفة والظهور ولكنه بالتأكيد خلل ما في تركيبة بعض الأشخاص التربوية والنفسية ووقوعهم تحت ضغط عوامل كثيرة أهمها الاحساس بالنقص ما يدفعهم دفعا للخلاص عن طريق تسليط الأضواء على ذواتهم وهؤلاء كثيرون هذه الأيام, وكما يقول القاص العراقي فؤاد التكرلي في روايته الأخيرة (المسرات والأوجاع) فإن (الجميع هذه الأيام متعطشون وبشكل أعمى ليس للشعور بذواتهم, بل للشعور بشعور الآخرين بها, وهذا هو قمة الضياع وفقدان الثقة)!! في المجتمعات التي تعطي أفرادها فرصا كبيرة للاحساس بذواتهم, اخترع الناس وسائل وطرقا كثيرة, كجوائز الأدب والسينما والموسيقى وبراءات الاختراع ونجومية السينما وعروض الأزياء وكرة القدم وسباقات السيارات, والكثير من المغامرات والسلوكيات وما على الإنسان سوى أن يفكر ويقرر ومن ثم يقدم على مغامرة الشهرة أو ينسى الأمر كلية. في مجتمعات أخرى تضيق الفرص ويتنافس الجميع على المساحة نفسها, ومع مرور الزمن تتآكل المساحة وتنتهي ويبقى التنافس أو الصراع قائما!! لذلك يختفي الابداع وتتآكل الشهرة, وتدخل التجارة أو المكسب المادي طرفا رئيسيا ووحيدا في تنظيم اللعبة واللاعبين.