هل حدث لك أن كنت في طريقك الى مكان ما, وفجأة توقفت وضربت جبهتك بكفك, وقد أدركت أنك بدلا من أن تتجه بسيارتك الى المكان الذي تريده, ذهبت الى مكان آخر في غالب الأمر هو طريقك اليومي؟ من منا لم يحدث له ذلك؟ أنا حدث لي منذ أيام, ولكن الكف الذي ضرب جبهتي لم يكن كفي بل كان كف الأستاذ علي عبيد زميلنا العتيد داخل حبس هذه الاستراحة.. حتى الآن لا أدري كيف تورطت في كتابة الاستراحة, ولقد قاومت ببطولة محاولات جريّ الى الكتابة الصحفية. وأنا كنت لا أذكر تفاصيل التورط, فإني أذكر أنه كان في غاية البساطة, وكأنني لم أقاوم من قبل. وكأنني كنت أقف وراء خط الهاتف أنتظر مكالمة لأهرع الى عمل أحلم به. وكنت ومازلت أخاف من الكتابة في الصحف رغم أنني بدأت حياتي صحفيا. وخاصة اذا كانت الكتابة منتظمة. والناس عندها أيام الأسبوع سبت وأحد واثنين ... الخ أما أنا فأيام الأسبوع هي يوم كتابة الاستراحة و.. وبالطبع ـ كما يفعل كل الكتاب ـ أغير اليوم كسلا أو لأن شيئا ما شغلني عن الكتابة. بل أحيانا أهرب منها تماما. وأنا من الذين يعتقدون أن الكاتب أكثر من غيره فهما لنفسه, فهو يبدأ عمله بتأمل مشاعره وتحليل رغباته ودراسة حالاته. ولكن أنا أعلنها أمام الجميع ـ أقصد طبعا جميع من يقرأون هذه الاستراحة أيا كان عددهم ـ ان ما آمنت به طويلا هو غير صحيح. وأن كل محاولة لفهم الذات باءت بالفشل.. وفي النهاية أنا رجل آخر غير الذي أعرفه, وأكاد أقف أمام المرآة وأمد يدي أصافحه وأسأله: من أنت يا هذا؟! لقد ظللت مدة طويلة ـ لا أحب أن أعدها ـ أكتب الاستراحة. ولو أنك قرأتها مرة بامعان لأدركت أنني أعتبرها صرخة في واد. وأن الأخوة في (البيان) لابد لديهم من الأسباب ما يجعلهم يسمحون بهذه الاستراحة. ربما كان السبب ـ هكذا فكرت ـ أنهم تورطوا في شخصي الضعيف ظنا أنني أعرف كيف أكتب استراحة. فلما عرفوا العكس أصبح صعبا إجلائي عن مساحتي. أو أن تثبيت الكتاب في أماكنهم الأسبوعية يحتاج الى انقلاب لا يريده الأخوة, ولذلك قبلوا الاشواك بجوار الورود. ولا تظن ـ عزيزي القارئ ـ أن ما أقوله من قبيل التواضع أو دفع الحسد. بل هذا ما أحسه تماما. وبالطبع يتغير أحيانا. ولكن على مسافات طويلة كأن يقابلني أحدهم في باريس وما أن يتعرف عليّ حتى يناقشني في استراحة كتبتها, أو تقابلني فتاة في الجزائر تقرأ الاستراحة بانتظام. وكانت الفتاة فاتنة الى درجة أنني طلبت من مصور الفندق أن يصورنا معا. وقال الرجل في استهانة انه يصور الجميع وغدا تعال لتأخذ صورتك. وفي الغد ذهبت الى مكان المصور فوجدته علق مئات الصور, تفحصتها جميعها فلم أجد الصورة فيها. وكانت المرة الوحيدة في حياتي التي أهتم فيها بالصور. لكني كنت أريد أن أطبع منها عدد زملائي في الاستراحة وأرسل لهم صورة المعجبة ـ وأظنها المعجبة الوحيدة ـ لأثير غيرتهم.. وفشلت خطتي.. وفجأة وفي استراحة البيان 17 سبتمبر وبعد غياب طويل أحسده عليه يكتب علي عبيد أنه يرشحني عميدا لكتاب الاستراحة, وذكرني هذا بأن أول أحلامي التي وئدت أن أعمل مدرسا في الجامعة. ولم يكن في هذا الحلم أن أعمل عميدا! وربما لو خطر على بالي أن الأستاذ لابد له ذات يوم أن يكون عميدا لتخليت عن الحلم باختياري. وأصدقكم القول انني ظننت أن علي عبيد يسخر مما أكتبه ـ وعندئذ كنت سأرى أنه على حق ـ فأن أكون مستورا بين زملائي شيء وأن أكون عميدا لهم أو نقيبا فهذا شيء آخر. وفجأة تذكرت الزملاء الذين أحس أنني أرفع بصري لأقرأ ما يكتبون, ولا أريد أن أحدد أحدا حتى لا ينقلب من لا أذكره على (عمادتي ).. ولكنني كنت استهول دائما الجهد الذي يبذله الدكتور جابر عصفور والأستاذ محمد الخولي والأستاذ علي عبيد نفسه. وكنت أحسدهم على ما في استراحتهم من معلومات وجهد وأحس أنني بجوارهم وبجوار غيرهم مثل المنولوجست الى جوار عبدالحليم حافظ. وأشار علي عبيد في استراحته الى غيرته مما يعجبه من كتابات. وهو اعتراف جميل, أراه الخطوة الأولى والكبرى في معانقة عملية الكتابة نفسها. فالغيرة الأدبية هي أرقى أنواع التقدير. فنحن لا نغار في القراءة إلا مما يعجبنا.. وإلا كيف نغار مما هو سخيف ورديء وما أكثره في زماننا؟ وكادت أن تحدث كارثة لولا لطف الله, وهي أن أصدق اقتراح زميلي, وتذكرت ما حدث للفنان أحمد راتب عندما قدم شخصية محمد القصبجي. كان يحدثني كل يوم مرات ينقل اليّ كلمات الاعجاب ممن قابلوه أو اتصلوا به. وكنت أسمعه هادئا دون تعليق. وذات مرة قلت له: لا تصدق ما تسمع! وكأنني فجرت قنبلة بين يديه. واصفر وجهه ورد: ماذا تعني بألا أصدق! قلت له: اسمع واستمتع بما تسمع.. لكن لا تجعله يؤثر عليك. فاذا كنت قد بلغت الذرى كما يقولون فأجدر بك أن تعتزل, إذ ماذا ستقدم بعد ذلك؟ وأظنه كره ما قلته, لكنه بعد شهور حكاه في احدى الندوات واعتبره نصيحة ذهبية على حد تعبير حفيدي, الذي يرى أن نصائح جده كلها ذهبية. وإن لم يذكر بالخير نصائح أبويه! وكان أحمد بهاء الدين يقول لمن حوله: ليس مفروضا أن تتمتعوا بشهرتكم أو نجاحكم. يجب أن تتركوا الاحتفالات لأصحابها, وتهرعوا أنتم الى أعمالكم. اترك الناس يحتفلون بك, واذهب لتقرأ كتابا, أو تكتب سطرا. وأذكر ذات مرة أن كانت تسجل معي المذيعة اللامعة عزة الاتربي برنامجا. وبعد عدة دقائق توقفت وطلبت مني أن تتكلم معي. وتركنا الكاميرا وكنا في بيتي ودخلنا غرفة المكتب وأنا أظن أني وقعت في خطأ ما, لكنها قالت لي: من المستحيل أن نقدم برنامجا وأنت بهذا التواضع.. أحاول.. مجرد محاولة.. لابد أن تحدثني عن عملك بثقة.. وقلت لها انني لا أتواضع ولكني أقول ما أحس بصوتي.. ووعدتها أن أكون أكثر اعتزازا.. وفي يقيني أنها لم ترض عني.. وربما لذلك أنا أعشق المغرورين وأسعى الى صحبتهم. لي صديق ممثل أرحب به قائلا: أهلا أعظم ممثل في العالم! فيقول ممتعضا: بل في العالم العربي فقط! وأحد كتاب التلفزيون والمسرح من الدرجة الثالثة بكى عندما حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل, إذ معنى هذا أنهم لن يعطوها لأحد في مصر قبل فترة. طبعا هذا (الأحد) هو صاحبنا. وصديق لنا من الكتاب صرخ في وجه المنتج: لا تذكر أمامي اسم شكسبير, أنا أفضل منه. ولم يكن قالها قبله إلا جورج برناردشو. رغم هذا كله عشت في وهم صنعه لي علي عبيد ولو ساعات.