في تلك الايام التي كانت فيها الطرق تتقاطع والعلاقات تتشابك والمصائر مجهولة حدث تحول واضح في حياة هيكل جعله يختار طريقه ويرى مستقبله الصحافي امام عينيه وينتقل من (روز اليوسف), و(الاجيبشيان جازيت) إلى (آخر ساعة) في تلك الايام عرف هيكل ـ (أمير الصحافة) ونجمها الساطع ومؤسس مدرستها الحديثة في مصر ـ محمد التابعي محمد وهبة, الشهير بمحمد التابعي. دخل هيكل مكتب هارولد إيرل رئيس تحرير (الإجيبشيان جازيت) حسبما يقول لشأن من شئون العمل) فوجد عنده زائراً قدمه له: (الأستاذ محمد التابعي صاحب مجلة (آخر ساعة) ورئيس تحريرها) . وبدا التابعي وكأنه يعرف هيكل, أو بدا وكأن هارولد إيرل قد حدثه عنه, وكالعادة كان التابعي رقيقاً مجاملاً. (1) وفي اليوم التالي كان هيكل في مكتب التابعي في (آخر ساعة) يحمل (خطاب توصية) من هارولد إيرل (2). وسأله التابعي: (كيف ترى مستقبلك؟) . كان السؤال مفاجأة, فقد كان هيكل يتصور أن عمله في (الإجيبشيان جازيت) يكفي لكن التابعي كان له رأي مختلف (مهما فعلت في (الجازيت) فإن المستقبل محصور وضيق فهي جريدة تصدر في مصر بلغة أجنبية, ثم ان توزيعها بعد الحرب سوف يتقلص بالطبيعة, ويعود الى بضعة ألوف بدلاً من عشرات الألوف. ان الصحافي المصري مجاله الصحافة المصرية باللغة العربية, وبقرائه فيها, هذا هو المستقبل) , ثم رفع سيجارته المنتصبة في مبسمها الذهبي بين شفتيه وراح ينظر اليه بعينيه اللتين يختلط فيهما الرمادي والأخضر والازرق وقد تدلت نظارته على أنفه وامتد بصره إليه من فوق إطار النظارة) (3). وهكذا, انتقل هيكل إلى (آخر ساعة) واقترب من الرجل الذي تتوقف الصحافة المصرية عنده, وتنحني, فهو حجر الأساس في صورتها التي نراها عليه اليوم, مهما كانت الألوان والظلال. مع أمير الصحافة إن (محمد) هوالاسم المدون في شهادة الميلاد, وقد أضيف اليه اسم التابعي تيمنا وتبركا بالشيخ التابعي حسب رغبة أمه التي نذرت ذلك لو أنجبت ذكراً بعد أن اتت للدنيا بأربع إناث, ورغم ان عائلة التابعي كانت تعيش في المنصورة إلا أنه ولد في بورسعيد, حيث كانت اسرته تقضي الصيف في مصيف (الجميل) وكان ذلك في صيف عام ,1896 وقد كان والد التابعي مهندسا, لكنه مات وكان التابعي صبيا في السابعة من عمره, وقد بدأ التابعي تعليمه في المنصورة ثم اكمله في القاهرة, حيث دخل مدرسة السعيدية الثانوية, وزامله فيها صديق عمره فكري اباظة, لكن ناظر المدرسة الإنجليزي مستر (شارمان) لم يحتمل شقاوته, فطرده من المدرسة ليكمل تعليمه في مدرسة (العباسية) الثانوية الداخلية في الاسكندرية في حي (محرم بك) . ولا يشترك التابعي وهيكل في الاسم الاول (محمد) فقط, وانما يشتركان في قراءة الاساطير الشعبية وهما في مرحلة الطفولة, فقد كان التابعي مبهوراً بأساطير (الزير سالم) و(الزناتي خليفة) ومثله كان هيكل, ويشتركان في عشق التاريخ والإيمان بالجغرافيا, والتعبير باللغة الانجليزية التي كتبا بها في بداية حياتهما الصحافية. إن التابعي ـ الذي لم يكن يخطط لنفسه هو ايضا ان يكون صحافيا ـ قرأ ابان ثورة 1919 هجوما ما شنته صحيفة (الإجيبشيان ميل) على أسلوب المظاهرات المعادية للإنجليز فاغتاظ وتناول القلم وكتب أول مقال باللغة الانجليزية وأرسله للصحيفة, وكانت دهشته واضحة عندما وجده منشورا مع التعليق عليه, وتكررت القصة حتى أصبح التابعي صديقاً لرئيس تحرير الصحيفة المستر (أوفارول) وبينما هما يشاهدان معا مسرحية (غادة الكاميليا) لروز اليوسف ويوسف وهبي وعزيز عيد طلب منه مستر أوفارول ان يكتب نقدا لها لنشره في مجلة (سفنكس) التي كان يشرف على تحريرها الى جانب (الإجيبشيان ميل) ولم يعجب النقد فرقة (رمسيس) المسرحية فأوحت لجريدة (النظام) أن ترد عليه, وكان أن رد التابعي على جريدة (النظام) بمقال كتبه لأول مرة باللغة العربية في جريدة (السياسة) التي تعبر عن حزب (الأحرار الدستوريين) وهكذا, وجد التابعي نفسه من دون أن يقصد متورطاً في بلاط صاحبة الجلالة. (4) ولعل هذا هو السبب الذي جعل التابعي يقول لهيكل: (إن الصحفي عليه أن يبدأ من المسرح, ثم ينتقل الى البرلمان, على عكس مدرسة (الإجيبشيان جازيت) التي كانت ترى البداية المناسبة للصحافي في تغطية الجريمة, ثم يستقر في البرلمان أيضاً, ولمدة ثلاثة أشهر وجد هيكل نفسه في كواليس المسرح, خاصة مسرح (نجيب الريحاني) بدلاً من (ميادين القتال) ثم وجد نفسه في شرفة مجلس النواب بدلاً من (محافظة) القاهرة التي تصب فيها كل أخبار الجريمة التي تقع في مصر. سجون زمان ولو كان هيكل قد بدأ مشواره في الصحافة المنشورة باللغة العربية في (روز اليوسف) فإن التابعي هو الذي قامت عليه (روز اليوسف) منذ بدايتها. في ذلك الوقت كان التابعي موظفاً في قسم الترجمة في مجلس النواب, وكان قد تعرف على فاطمة اليوسف وزوجها الأول محمد عبدالقدوس في مصيف رأس البر, وكان التابعي في الاسكندرية عندما طلبت منه فاطمة اليوسف العودة للقاهرة ليشاركها في تحرير المجلة التي حصلت على ترخيصها, بل ويكون رئيس التحرير الفعلي الذي لم يكشف اسمه لأنه كان موظفاً في الدولة. ولو كان هيكل قد دخل السجن بعد أن اصبح كاتبا لامعاً فإن التابعي دخل السجن في بداية حياته الصحافية, بل أن التابعي كان أول صحافي مصري توضع في يده القيود قبل أن يحكم عليه بالسجن في ديسمبر عام ,1927 لقد نشر سلسلة مقالات تفضح الملوك والملكات في العالم, بدت وكأنها تشير من بعيد إلى الأسرة المالكة في مصر, بل انه قال ان الدوق اوف كنوت هو ابن الملكة فيكتوريا من الخديوي اسماعيل, وقال: إن شاه إيران كان على علاقة غرامية بخادمة فرنسية عندما كان سائقا لأحد السفراء الاجانب في طهران, وعندما ضبطه السفير هو والخادمة طرده من خدمته, فتطوع في الجيش, ونجح في أن يصبح وزيراً للحربية, ثم قام بانقلابه, وتولى السلطة, أي أنه مدين بعرشه لهذه الخادمة الفرنسية, وقد وجهت اليه تهمة سب وقذف الملوك والملكات ليس في مصر ولكن في أوروبا, وحكم عليه بالسجن لمدة 6 أشهر ولكن مع ايقاف التنفيذ. لكنه فيما بعد في عام 1933 حكم عليه بالسجن مع التنفيذ لمدة 4 أشهر, والمثير للمقارنة انه كان يشرب المياه المعدنية في السجن على حسابه بسبب متاعب الكلى التي كان يعاني منها, وهو ما جري لهيكل وللسبب الطبي والصحي نفسه عندما وجد نفسه في السجن, ان الكلى كانت مصدر شكوى دائم لهيكل, وقد تصاعدت الشكوى الى حد القلق في عام 1999حينما كشفت التحاليل الطبية عن وجود (كيس) غير صلب حول إحدى الكليتين, واستدعى الامر سفرا الى الولايات التحدة ودخول مستشفى كليفلاند الشهير وإجراء جراحة لازالة 15% من الكلى المصابة. ويبدو أن سجون تلك الايام كانت افضل للصحافيين من سجون هذه الايام, ففي مذكراته عن السجن يقول التابعي: (كان أول إجراء قاموا به أنهم استدعوا حلاق السجن الذي قص لي شعر رأسي (نمرة واحد) كما يقولون, اما ذقني فكان الحلاق يحلقها لي كل اسبوع مرة واحدة وبالفتلة, ثم ادخلوني الى الحمام وخرجت من الحمام إلى زنزانة كانت في الدور الأول من السجن. ووجدت في الزنزانة (برش) على اسفلت ارضية الغرفة ومن فوقه مرتبه محشوة بالقش ومخدة محشوة كذلك بالقش وبطانية صوف, وكنت أشرب الماء المعدني, ولكن من مالي الخاص, ومن ثم كانوا يحضرون لي كل يوم زجاجة ماء ايفيان وكان ثمنها وقتئذ خمسة قروش وكنت بدأت اشرب المياه المعدنية منذ عام ,1931 أي منذ مرضي للمرة الثانية بسبب المغص الكلوي. وفي صباح اليوم التالي زارني كبير أطباء مصلحة السجون المرحوم الدكتور عبد المجيد محمود, واكتشف ان فّي عدة أمراض لم أكن أعرفها أو اشعر بها, ومنها لغط في القلب, وزلال, وضغط دم ضعيف, إلى آخره, وامر ان يضعوا لي سريراً في الزنزانة والى جانبه مائدة صغيرة عليها غطاء من الرخام, كما أمر لي بطعام خاص وهو بناء على طلبي قهوة وقطعة من الجبن أو الحلاوة الطحينية في الفطور وكنت أتناوله في الساعة السادسة صباحا, وحساء عدس وكبدة أو لحم مشوي وأرز وفاكهة الموسم سواء أكان ذلك عنبا أم برتقالاً في الغداء, وكان ميعاده في تمام الساعة الثانية عشرة ظهرا, ومثله في العشاء في الساعة السادسة مساء, ومرة كل اسبوع كان يقدم لي نصف دجاجة (روستو) في طعام الغداء. وحدث أن وصلني كيلو من البتي فور واحترت في كيفية إخفائه , وأخيرا حشوت به جيوب (الروب دي شامبر) الذي كنت اضعه فوق البيجامة, ولقد بقيت رائحة البتي فور عالقة بالروب دي شامبر عدة ايام, وذات يوم كنت في المستشفى وأرسلت لي فاطمة اليوسف زجاجة صغيرة مملوءة بالكافيار الاسود اللون الاصيل, واحترت كيف افتح الزجاجة أو البرطمان الصغير, واخيرا قمت من فراشي وذهبت إلى غرفة العمليات الجراحية وكانت بجوار الجناح الذي كان سريري موجودا فيه, ووجدت في الغرفة دولابا مملوءا بالآلات التي يستعملها الطبيب في إجراء أي عملية جراحة, واخترت منها آلة صلبة, استطعت أن انزع بها غطاء برطمان الكافيار, واعدت الآلة إلى مكانها بعد أن غسلتها جيداً وذهبت بالكافيار الى الحمام القريب من سريري وأكلته (حاف) اي من غير عيش أو طوست أو زبدة, إلى آخر ما يؤكل به الكافيار) . في الكشكول البني فور خروجه من السجن قرر التابعي السفر الى اوروبا في رحلة استجمام وفي تلك الفترة دبت الخلافات بينه وبين فاطمة اليوسف, ويرى صبري أبو المجد أن خطابات مصطفى أمين الى التابعي (من الاسباب التي ادت الى الاسراع بوقوع الانفصال بين التابعي وفاطمة اليوسف فما اكثر ما أوغر صدر التابعي من فاطمة اليوسف) . ففي واحد من هذه الخطابات (لقد ضايقت المدام (لقب كانت تنادى به فاطمة اليوسف) الفقرة التي جاء فيها إنك تطلب منها أن تسمح لك بالانفجار, فقد فهمت مئات المعاني للانفجار اقسم لك انك لم تجل في خاطرك أنت يوما ما إني حاولت أن اعرف سبب جفاء المدام من ناحيتك فأول هذه الاسباب أنك لا ترسل لها خطابات تسأل عن صحتها (... وتقبل يديها ورجليها إن أمكن, وثاني الاسباب انك لا تسأل عن المجلة لا بمقالة ولا بنقدها أو باقتراح تحسينات, وثالث هذه الاسباب إن اجابتك في التحقيق لم تعجب المدام فهي ترى انك قلت طالما نصحتها بعدم نشر مثل هذه الاخبار. بينما في الواقع هي التي طالما نصحتك بعدم نشر هذه الأخبار. (5) ويستطرد صبري أبو المجد: (كانت فاطمة اليوسف لا تطيق في ذلك الوقت مصطفى أمين, الذي رد إليها الموقف بإنهاء شركة استمرت بينها وبين التابعي لمدة 9 سنوات وعشرة استمرت 14 سنة كانت حديث الوسط الصحافي والفني والسياسي) . وقد بقي مصطفى أمين بعض الوقت في (روز اليوسف) ثم لحق بالتابعي في (آخر ساعة) وقد كتب مذكراته عن تلك الفترة في كشكول بني كان من بين الأوراق التي احتفظت بها زوجة التابعي السيدة هدى ونشرت بعضها في مقدمة كتاب صبري أبو المجد عن التابعي, وكان السبب في تصورها أن مصطفى أمين فعل بالتابعي ما سبق أن فعله بفاطمة اليوسف, وفي هذه المذكرات: السبت 14 يوليو: (صدر العدد الاول من (آخر ساعة) أعتقد أنه عدد مدهش ولكن ينقصه التهويش في كتابة الأخبار) . الأحد 15 يوليو: (تكلمت مع المدام في التليفون, كانت تسيل رقة وظرفا وأبدت اسفها أن عددنا سقط, إنني أتألم لم أسمع رأي الناس في المدام, ولا أعرف لماذا أتألم هكذا؟) . الجمعة 3 اغسطس: (عرضت عليّ المدام خمسة جنيهات لأدفع قسط السيارة فرفضت وقلت لها اني لا اقبل أن أخون استاذي) . السبت 4 اغسطس: (قالت لي المدام اختر فاخترت, طبعاً استاذي) . الخميس 20 سبتمبر: (قالت لي المدام ـ لو كنت تحبني تخرب (آخر ساعة) كما خربت (روز اليوسف) . الأربعاء 3 اكتوبر: (أنا مع المدام لكن عندما أخرج من عندها أدبر لها المقالب, لماذا اكرهها كل هذه الكراهية؟) . (6) في مطبخ السياسة صدر العدد الأول من مجلة (آخر ساعة) يوم السبت 14 يوليو 1937 ونجحت نجاحا مبهراً, خاصة وان التابعي أخذ من (روز اليوسف) معظم نجومها ومحرريها, الدكتور سعيد عبده, فنان الكاريكاتير الأرمني إسكندر صاروخان, مصطفى أمين, علي أمين, وضم اليها فيما بعد جيلا جديداً من الصحافيين, هيكل, ابراهيم الورداني, ورشدي صالح, وتوفيق بحري, وفرج جبران, وغيرهم. ويمكن القول ان هيكل وجد نفسه في (آخر ساعة) وهو يعترف بأن (تجربة العمل مع التابعي ممتعة) . ويشهد أنه تعلم منه الكثير, ويقول: (ولقد وجدتني شديد الإعجاب بأسلوبه الحلو السلس, وفي البداية رحت أقلده) (7) ويقول أيضا: (ربما كان التابعي على حق, على الأقل فيما يتعلق بمجلس النواب (البرلمان) فلقد أتاح لي مقعد (آخر ساعة) في شرفة المجلس الاقتراب من أجواء السياسة المصرية) . إن العبارة الأخيرة ليست مجرد عبارة عابرة, فالبرلمان عادة هو مطبخ السياسة, وفي هذا المطبخ ينضج الصحافي والمراقب الموهوب ويتعلم على نار هادئة وقد توقف هيكل عند حادثتين رواهما لي وأثبتتا له أن واجهة وكواليس السياسة المصرية في تلك الايام كانا وجهين لعملة واحدة هي فساد الحكم. الحادثة الأولى كانت في البرلمان عندما تقدم مكرم عبيد (وكان قد انفصل عن الوفد واصدر الكتاب الأسود ضد مصطفى النحاس وحكومته) بسؤال حول استغلال أحمد حسنين رئيس الديوان الملكي لنفوذه في الحصول على أثاث من جهة حكومية بسعر أقل من المعتاد وحدثت ازمة حادة ترتب عليها تدخل سير والتر ستمارت السكرتير الشرفي للسفارة البريطانية وقابل رئيس المجلس عبدالسلام باشا جمعة وطلب منه حذف ما جرى من مضبطة الجلسة حفاظا على ما تبقى من سمعة الوفد ودفاعا عنه وحماية لعوراته وفي اليوم التالي قال عضو البرلمان فكري اباظة عند التصديق على جلسة اليوم السابق: ان المضبطة حذف منها شيء, فقام مصطفى النحاس غاضبا وانكر ذلك, بل وسب مصطفى النحاس فكري اباظة وقال له (أقعد يا كلب) !) . فذهل فكري اباظة وتساءل: هل سمعت صحيحا؟ فرد عليه مصطفى النحاس: أنت سمعت ما قلت.. وهاج معظم نواب الوفد مؤكدين ان ما جرى بالامس لم يجر. قال لي هيكل: ان هذه الحادثة علمتني أول درس في السياسة المصرية, واقعة تحذف, ورئيس يسب عضواً, ونواب ينكرون ما جرى, وقبل ذلك نحن أمام فساد واستغلال نفوذ, وتدخل من الانجليز في أعلى سلطة تشريعية في البلاد, من هذا المدخل عرفت السياسة المصرية على حقيقتها. والحادثة الثانية كان بطلها ايضا أحمد حسنين باشا كان التابعي قد دعاه لحفل في بيته الى حفل على شرف رياض الصلح, وكان بين الحضور هيكل ومصطفى أمين, اما نجمة الحفل فكانت المطربة أسمهان. ولم يمر سوى بعض الوقت حتى جلس رئيس الديوان على الأرض, تحت قدمي أسمهان, ولم يتردد في أن يشرب (الشمبانيا) في حذائها بينما كانت هي تغني (ليال الأنس في فيينا) . سيل المفاجآت في ذلك الوقت كانت مجلة (آخر ساعة) مجلة وفدية. وفي أجوائها وجد هيكل نفسه بحكم طبيعة المصادر الصحافية المتاحة أقرب إلى الوفد. ( مع احساس غالب بأن ذلك مجرد تأثير مناخ وليس نتيجة مؤكدة لاختيار وقرار) (8). لكن الوفد خرج من الحكم باقالة الثامن من أكتوبر 1944 الشهيرة. ووجدت (آخر ساعة) نفسها في المعارضة أمام (حكومة ائتلافية هزيلة من أحزاب الأقلية شكلها الدكتور أحمد ماهر باشا رئيس حزب السعديين تحت جناح القصر) . وكانت هذه الضربة سياسية للمجلة. ولم يمر سوى شهر واحد حتى تلقت (آخر ساعة) ضربة أخرى أشد. وهي صدور (أخبار اليوم) . وكانت هذه ضربة صحافية للمجلة. وهكذا تحالفت السياسة والصحافة ضد التابعي ومجلته. لقد حققت (أخبار اليوم) نجاحا فوريا بسبب المقالات المثيرة التي كتبها مصطفى أمين تحت عنوان (لماذا ساءت العلاقة بين القصر والوفد؟) . وكانت كما يقول هيكل: (حافلة بالأسرار والحكايات والقصص ومشوقة إلى أكبر حد) . وكان هناك سبب آخر لنجاح (أخبار اليوم) هو لجوؤها للصحافة الشعبية بصورتها الحديثة على طريقة صحافة (التابلويد) أو صحافة (بيفر بروك) الانجليزية وهي مزيج من الاثارة والتسلية والنميمة والدعاية السياسية المباشرة. وفي كل الأحوال فإن (أخبار اليوم) أصبحت المدفعية الثقيلة الموجهة إلى الوفد تدك مواقعه دكا عنيفا صبح كل سبت, وكان الوفد في موقف لا يحسد عليه, مطرود من الحكم بالاقالة, ومحاصر تحت دك المدفعية الثقيلة لأخبار اليوم(9). وبدأ التابعي يسعى جاهدا لتطوير (آخر ساعة) حتى (تستطيع أن تقف مع الوفد في وجه المدفعية الثقيلة الجديدة) . لكن هيكل يضيف: (ربما كانت هناك أسباب أخرى منها ان التابعي كان يعتبر نفسه أستاذا لمصطفى وعلي أمين, وربما شق عليه معنويا أن يرى مجلة أسبوعية سياسية جديدة يصدرانها تسبق مجلته وتفوقها بكثير من نواح عدة. ويستطرد هيكل: (ومع اني كنت قد أصبحت سكرتير تحرير (آخر ساعة) فإن عملية التطوير الجديدة تولاها التابعي بنفسه وظلت بنودها في رأسه ينفذها واحدا بعد واحد) . (ومن سوء الحظ ان التجربة لم تنجح, وفوق ذلك فإن مصروفات (آخر ساعة) زادت بأكثر من توقعات التابعي) . وكان (ان قرر التابعي في نوبة ملل أو نوبة يأس ان الوقت قد حان ليرفع عن كاهله أعباء ملكية مجلته, لقد قرر أن يبيع (آخر ساعة) , وقد اتفق على بيعها فعلا, والمشتري الجديد هو (أخبار اليوم) مصطفى وعلي أمين) (10). ولكن بيع التابعي لـ (اخر ساعة) كان صفقة خاسرة بالنسبة له تماما, فهو لم يأخذ مليما واحدا مقابل تنازله عنها, وقيل في عقد البيع الذي حرره زهير جرانة في 18 ابريل 1946 انه أخذ ألف جنيه لكنه يقول في مذكراته ان ذلك لم يحدث. والذي حدث ان الضرائب حاسبته على الألف جنيه, وقال: انه وقع العقد لانه كان في أشد حالات المرض, وانه كان في حاجة للسفر إلى الخارج. وينص العقد الذي وقعه مصطفى أمين وشهد عليه شقيقه التوأم ان التابعي يتقاضى مبلغ 300 جنيه شهريا مقابل مقالين كل شهر. وكل ما زاد على ذلك يأخذ 15 جنيها على كل مقال. على ان يتعهد بألا يشترك في تحرير أو إصدار أو تمويل أي مطبوعة أخرى. وفي أوراقه يقول التابعي: ان هيكل وصف هذا العقد بالنسبة لي بالغبن الشديد. كانت العلاقة بين هيكل والتابعي قد أصبحت علاقة حميمة, فهيكل يعتبر نفسه (أقرب تلاميذه إليه) . ويعتبر نفسه كذلك (آخر هؤلاء التلاميذ) . والتابعي يعتبر هيكل (اكتشافه) الشخصي في عالم الصحافة. لم يطلب الملاك الجديد لـ (آخر ساعة) سوى أربعة محررين فقط, هم التابعي وهيكل وسعيد عبده وصاروخان. قال التابعي لهيكل: (هم يطلبونك.. ويصرون عليك) . فسأل هيكل في سخرية: (هل يشترون الأرض ومن عليها مثل عقود الاقطاع الروسي؟) .. وأحرجت السخرية التابعي, وشعر هيكل بالندم, ولا يزال. في مساء اليوم نفسه وقعت مفاجأة غير متوقعة, اتصل اميل زيدان ـ مالك (دار الهلال) هو وشقيقه جورج زيدان ـ بهيكل ودعاه للقائه. وعرض عليه رئاسة تحرير مجلة (الاثنين) وكانت مجلة سياسية مصورة سبق أن رأس تحريرها مصطفى أمين و(في عهده بلغت أوج انتشارها) . وبعد خروجه منها في نوفمبر 1944 تولاها غيره وتأثرت أحوالها, وطلب هيكل مهلة ليفكر في العرض, وكان أقرب لقبول العرض. (فها هي رئاسة تحرير مجلة سياسية من مجلات الدرجة الأولى تعرض عليه وهو لم يتجاوز بعد سن الثالثة والعشرين) . وتصور هيكل ان التابعي سيوافقه على رأيه, لكن التابعي فاجأه بالقول: (راجع نفسك. إن مجالك سيكون أوسع وأرحب في (أخبار اليوم) ) . وأضاف بصوت مشحون بالتأثر والكبرياء معا: (انه لا يريده أن يتركه وحده) . ولم يتوقف سيل المفاجآت, فقد انفتح الباب ودخل منه أحد الملاك الجدد هو علي أمين, لم يكن هيكل قد لقيه من قبل, لكنه أقبل على هيكل فاتحا ذراعيه ويقبله على الخدين, وهو يقول: انه لا يهنئه فقط على انضمامه لـ (أخبار اليوم) ولكنه يهنىء (أخبار اليوم) أيضا على انضمامه إليها. وتطوع التابعي ليحدث علي أمين على عرض (دار الهلال) بأن يتولى هيكل رئاسة تحرير مجلة الاثنين. وهز علي أمين رأسه بشدة نفيا ورفضا. وقال: مكانه الحقيقي معنا في (أخبار اليوم) (11). ليلة تقرير المصير بقي هيكل إلى الغداء مع التابعي في بيته, واستأنفا الحديث بعد الظهر, ثم في المساء, وحتى آخر الليل. وقبل الفجر أدرك النعاس التابعي, فدعا هيكل إلى أن يستريح حتى الصباح في غرفة نوم اضافية بجوار غرفته, ودخل هيكل الغرفة, لكنه لم ينم ولا استراح. إنها لحظة من لحظات التحول وتقرير المصير, فها هو (الأستاذ) عاريا, أجيرا, بعد أن فقد (آخر ساعة) في ثانية واحدة. وها هي عائلة صحافية جديدة تضاف لعائلة الصحافة) عائلة (أمين) التي قررت النجاح والثراء مهما كان الثمن, وقد أضيفت لعائلة (زيدان) في (دار الهلال) , وعائلة (تقلا) في (الأهرام) , وعائلة (فاطمة اليوسف) في (روز اليوسف) , وعائلة (نمر) في شركة الاعلانات الشرقية, وعائلة (أبو الفتح) في المصري, إن معظم الأقوياء في بلاط الصحافة كان لهم ظهور من ملكية ما يعملون وما يكتبون فيه, فما الذي يمكن أن يفعله هيكل؟. لقد مرت عليه ليلة تقرير المصير مثل عام من الأرق والسهر. محرر في (أخبار اليوم) أم رئيس تحرير في (دار الهلال) ؟ الحرية في اتخاذ القرار عند آل زيدان. أم الصحافة المتحركة مع الضغوط والمعاناة عند آل أمين؟ سؤال ظل يؤرقه حتى تسللت نسمات الفجر ممزوجة بالندى, وقام من أرقه يبحث عن فنجان قهوة, وبدا له ان التابعي كان نائما مستريحا, غير مؤرق, فهذه هي طبيعة التابعي البوهيمية أن ينفق أكثر مما يكسب, وأن يبيع ما يملك من دون حساب الربح والخسارة, وألا يعمل لدنياه أبدأ. الـهـوامـش: (1) هيكل: (بين الصحافة والسياسة) ـ مرجع سبق الاشارة إليه ـ ص 28. (2) سمير صبحي: (الجورنالجي) ـ مرجع سبق الاشارة إليه ـ ص 37. (3) هيكل: المرجع السابق ـ ص 29. (4) لعل أفضل كتاب عن محمد التابعي هو كتاب صبري أبو المجد عنه وهو المصدر الرئيسي لي في الكتابة عن التابعي وقد صدر الكتاب في عام 1986 عن دار التعاون. (5) و(6) صبري أبو المجد: المصدر السابق. (7) هيكل: المصدر السابق: ص 29. (8) و(9) و(10) و(11) هيكل: المصدر السابق ـ الصفحات 30 و31 و34.