لولا التدخل العسكري السوري الحاسم في سياق الحرب الاهلية في لبنان عام 1976 لمنيت القوات المسيحية بقيادة تنظيم (الكتائب) التابع للطائفة المارونية الكاثوليكية بهزيمة عسكرية ساحقة على يد (الجبهة التقدمية), ربما حركت في ذلك الحين عدا تنازليا متسارعا للقوة السياسية للمسيحيين. هذا المشهد التاريخي الفاصل كان يجب ان يستدعيه اعضاء مجلس المطارنة الكاثوليك في لبنان قبل ان يفكروا في اصدار بيان يطالبون فيه برحيل القوات السورية المرابطة في الارض اللبنانية على نحو ما فعلوا عند نهاية الاسبوع المنصرم. فالوجود العسكري السوري في لبنان سوف يظل لأمد غير منظور, والى ان تستقر الاجواء العاصفة في المنطقة التي نشأت عن عملية سلام الشرق الاوسط وملابساتها المعقدة اكبر ضمانة لعدم تجدد الحرب الاهلية اللبنانية. ثم ان النظرة اللبنانية الى الوجود السوري يجب ان تكون من خلال اعتبار سوريا حليفا مصيريا للبنان في مواجهة التحالف الاسرائيلي الامريكي ترقبا وتحسبا لما يمكن ان تفضي اليه (عملية السلام) مما لا يمكن التنبؤ به. حقا.. ان مما يثير القلق العربي العام تجاه بيان القادة الدينيين للطائفة المسيحية الرئيسية في لبنان هو انه يعكس نظرة تعادل بين سوريا واسرائيل بينما الاولى شقيق ونصير والثانية عضو غريب اجنبي وعدواني في منطقة الوطن العربي. ان تاريخ السوريين وحاضرهم ومستقبلهم جزء لا يتجزأ من تاريخ وحاضر ومستقبل اللبنانيين.. وسوريا ولبنان هما في الحقيقة بلد واحد وشعب واحد.. وظلا هكذا حتى عشرينيات القرن المنصرم عندما دخلت فرنسا على خط هذه الوشيجة التاريخية لتقسيم سوريا الكبرى بالتعاون مع بريطانيا الى اجزاء متفرقة مما انتهى بكل من سوريا ولبنان الى كيانين مستقلين. من هذا المدخل كان تدخل سوريا في مشهد الحرب الاهلية اللبنانية بعد سنة من اندلاعها. تدخلت دمشق لتعيد التوازن بين القوى المتصارعة. ولهذا جاء هذا التدخل في ظرف خطير كاد يودي بهذا التوازن. كانت تلك المنازلة الدموية الشاملة بين المسيحيين المارونيين من جهة وتحالف للمسلمين تحت اسم (الجبهة التقدمية) يتزعمه صائب سلام عن المسلمين السنة وكمال جنبلاط عن الدروز.. ومعهم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان بقيادة ياسر عرفات. ورأت دمشق ان تقتحم المشهد بقوة عندما حشرت القوات المسيحية في زاوية بحيث ان القضاء عليها قضاء مبرما ونهائيا كان محتما وهكذا دخلت القوات السورية مرجحة كفة القوات المسيحية كاجراء استثنائي وعاجل لاعادة التوازن السياسي بين القوى اللبنانية. واذا كان التدخل السوري على هذا النحو قد جلب لدمشق غضبا على صعيد المسلمين اللبنانيين وحلفائهم الفلسطينيين فإن نكران الجميل من جانب المسيحيين كان مدعاة للعجب. فمنذ ذلك الحين والى ان وضعت الحرب الاهلية اوزارها عند نهاية عقد الثمانينيات ورطت القيادة المسيحية نفسها في تحالف مع اسرائيل. هذا التحالف هو الذي فتح ابواب لبنان لدخول اسرائيل كطرف ناشط في صراع داخلي بين طرفين عربيين ينتميان الى شعب واحد ـ مما ادى الى اطالة امد الحرب الاهلية واتساع نطاقها التدميري الدموي. ولكن كما رأينا فإن التدخل الاسرائيلي في الشأن الوطني اللبناني وما تبع ذلك من احتلال عسكري اسرائيلي في الجنوب اللبناني ـ معقل الشيعة ـ ادى الى اندلاع مقاومة شيعية ضارية تجسدت في نشوء (حزب الله) كقوة قتالية عجلت بنهاية الوجود الاسرائيلي. والآن فإن القيادات المسيحية عندما تطالب بتصفية الوجود السوري فإن هذه المطالبة توقظ في اذهان غالبية الشعب اللبناني صور التحالف الماروني الاسرائيلي. وعندما تتيقظ هذه الشكوك في ظروف الضغوط الاسرائيلية الامريكية على دمشق فإنه ليس من عدم الانصاف ربط المطلب المسيحي بالضغط الاسرائيلي الامريكي الهادف الى اضعاف الموقف التفاوضي السوري.