لم تكد تنتهي مباراة كرة القدم التي خاضها الفريق الاولمبي الكويتي ضد نظيره الامريكي ضمن مسابقات اولمبياد سيدني, والتي خسر فيها الفريق الكويتي بهدف مقابل ثلاثة اهداف, حتى بدأت تطالعنا كتابات صحافية من اكثر من معلق عربي (محب!!) تدعي ان الفريق الكويتي قد تنازل طوعا عن المنافسة في هذه المباراة لمصلحة الفريق الامريكي بسبب الحلف السياسي الذي يجمع بين الكويت والولايات المتحدة (!!). هذه التعليقات التي تستند الى قراءة مغلوطة للاحداث, حتى الرياضية منها, انما تدل على نهج فكري سقيم, وعدم فهم لكثير من الامور سواء الرياضية او السياسية, فهذه التعليقات ـ وان كانت محصورة في فئة من الغلاة ـ انما تدل على ان البعض لدينا لا يزالون ينظرون الى السياسة بوصفها مؤامرة, كما ينظرون الى الرياضة باعتبارها حربا لا منافسة, وقتالا لا يقبل التعايش بين الربح والخسارة (!) وان كان هؤلاء قد ذهبوا هذا المذهب الخطأ في تأويل الخسارة الكويتية في كرة القدم, فنحن لا نعرف سببا معقولا يدفعهم الى غض الطرف عن ان الكويت قد اهدت العرب اول ميدالية في هذه الدورة, وهي تلك التي حازها الرامي الكويتي المتألق فهيد الديحاني. هذا التفكير الاعوج يطالعنا في كل مناسبة, ويصادفنا في كثير من التعليقات, في مشهد ارتجالي يتصدى فيه من لا يعرف للاجتهاد والتأويل, وربما للتعمية والتضليل للاغلبية التي تتلقى معلوماتها من هؤلاء, حتى تكتمل حلقة خلط الاوراق التي تسود, او ـ في الاقل ـ تتفشى في ثقافتنا العربية. ولأسباب عدة ينشر هذا الرأي العام غير المستنير في قطاعات كبيرة من الشرائح الاجتماعية, في الاقتصاد كما في السياسة, كما في الاجتماع, ليشكل في النهاية ظاهرة مضللة لتناول الشأن العام, حتى ان كل شخص يتصور من جانبه انه يدلي بالقول الفصل دون تمحيص او دراية. والمعلومة الخاطئة او المستفزة تجد من يقبلها لغرض في نفسه, سواء أكان سياسيا أو غيره, مثل ظن تلك الصحيفة ان هناك بالفعل قراء سوف يصدقون قصة التنازل في مضمار كرة القدم ليفوز (الامريكيون) بالنتيجة. ليس المهم هنا ان يقال هذا او ينشر في الصحافة, ولكن الاهم ان هناك من يصدقه من العامة, نتيجة النقص المعرفي الهائل والخطير الذي يجتاح الرأي العام العربي, والذي نعاني منه جميعا في اكثر من مضمار. فالاغلبية عندنا ـ في الوطن العربي ـ لا يقرأون, وان قرأوا فهم يقرأون الخفيف السطحي, مبتعدين عن العميق والجوهري, وهو الامر الذي يؤدي الى غربة الرأي العام عما يحدث حوله, فهو لا يعرف الكثير, والمشكلة انه يجهل انه لا يعرف, مما يسبب له في كثير من الاحيان قصورا مزدوجا في فهم الاحداث التي تخصه, بل وتؤثر في حياته ومستقبله. لعلنا بسبب ذلك نجد انفسنا من افقر الشعوب المعاصرة قراءة, لأن القراءة هي التي تجعل الفرد في المجتمع يفرق بين الحق والباطل, بين الصحيح والمعوج, وما اقصده بالقراءة هو قراءة الكتب التي تقدم لقارئها زادا حقيقيا من المعرفة. لذا يأتي معرض الكويت الخامس والعشرون للكتاب الذي نستقبله في الكويت في نوفمبر المقبل, كي نتذكر بإجلال الرجال الذين ساهموا في وضع لبناته الاولى منذ ربع قرن, ولم يكن قد سبق هذه التظاهرة التاريخية حينذاك غير مكانين بين العرب هما بيروت والقاهرة, كما نتذكر جهدهم وجهد من جاء بعدهم لرعاية الكتاب وهم الناشرون, والخواص منهم بالذات. كم كانت كبيرة طموحات اولئك الرجال عندما تبنوا اقامة مثل هذا المعرض الذي اخذ ينمو ويتوسع, فلم يكن صلب الهدف هو ان تكون هناك (مظاهرة ثقافية) شكلية بقدر ما كانت هناك عزيمة اسست على فهم ان القراءة الجادة هي المدخل الحقيقي للعصر, كما كانت دائما مدخلا حقيقيا لكل عصر. وان كانت التباينات الثقافية بين الناس متعددة, سواء في الشكل واللغة والدين والمذهب والبيئة الاجتماعية, فإن اهم الفروقات تظل هي تلك التي تفرق بين من يقرأ ومن لا يقرأ. فمن يقرأ يعتقد ان قراءة الكتاب عمل مهم وواجب قطعي جميل ومفيد. اما من لا يقرأ فيعتقد ان القراءة عمل عبثي ومضيعة للوقت لا فائدة منها, فهنا فريقان لا يعرف ثانيهما متعة الاول, وجنته الارضية. من يقرأ يعتقد ان اهمية القراءة امر يجب الا يخضع للنقاش, ولكنه مخطىء في هذا الاعتقاد. فلو كان ذلك صحيحا لكان عدد اكبر من الناس يقرون هذا الرأي, ولكن الحقيقة هي غير ذلك, فشرح اهمية عملية القراءة ـ لمن لا يقرأ, خاصة القراءة الجادة والكثيفة ـ هو عمل صعب, بل يكاد يكون شبه مستحيل في تقديمه لمن فقد هذه الرغبة, ولم يذق ثمارها, ويتخذ هذا الامر طريقه من الخاص الى العام, ومن الافراد الى الشعوب, حتى ان بعضها يخاصم القراءة الى درجة الهوس, بل يضع الكثير من العراقيل ليتأكد من ان الكتاب الجيد لن يصل الى قارئه, وقد يصل الامر الى فرض نوع معين من الكتب قد لا يرغبه الكثيرون. المهم انه ليس هناك كتاب واحد يتماثل بشكل تفصيلي لكل قارىء, كما لا تتماثل الكلمات لكل قارىء, فالمدرسة النقدية الشهيرة التي تقول ان (القارىء هو مؤلف النص) توافق الحق في هذا الاتجاه, وهي قضية مجربة, فكم نص اختلف على تفسيره القراء, وحتى النصوص الثابتة اختلف عليها الكثيرون وفسرت تفاسير عدة, وحتى نحن في اعمالنا اليومية او في قراءتنا, قد يختلف تفسير النص بالنسبة لنا باختلاف كاتبه, فلو جئنا بمقولة لمواطن عادي, واخرى تمثل تصريحا من رجل مهم, لوجدنا قراءتنا للنصين مختلفة, وان تماثلت الكلمات وفي التاريخ نشبت حروب اريقت فيها دماء من اجل الاختلاف على تفسير نص معين, كما تختلف قراءة النص عند الناس بسبب خلفيتهم الفكرية وتجربتهم ومساحة التسامح التي يتمتعون بها. قد يقول قائل: لماذا تكون القراءة بهذا المعنى مهمة واساسية, في الوقت الذي نستطيع اليوم ان نحصل على (المعلومة) من مصادر اخرى, كالتلفزيون مثلا, ووسائل الاتصال الحديثة, وهنا خلل بين في التحليل, فأولا كل وسائل الاتصال الحديثة تعتمد اساسا على القراءة وعلى النص بهذا المعنى, وثانيا, وهو الاهم, ان النص المكتوب يجعل عقل الانسان يعمل بكثافة اكبر, فقراءة النص تختلف عن مشاهدة التلفزيون, فأنت عندما تقوم بفعل المشاهدة يتوقف جزء من ذهنك عن العمل النشط, فالمشاهد يرتاح امام التلفزيون بينما يشقى مع نص جيد. القراءة اذن, من خلال كل ما قلت هي فعل نخبوي, بمعنى ان من يتوفر عليها ويتوسع في متابعتها هم القلة في المجتمع, ولكن هذه القلة تتسع في المجتمعات الحديثة وتكبر, فتجد ان صناعة الكتاب عملية نشطة ومتسارعة, ساعدت على انتشارها اليوم وسائل الاعلام الحديثة, وهنا قد نجد النسب الرقمية مفيدة وايضا لاختصار الموضوع, نقول معلومة تتكرر كثيرا, تفيد ان اسرائيل مثلا تنتج (عشرة اضعاف) ما تنتجه الدول العربية مجتمعة من كتب, ويستطيع اي قارىء مهتم ان يجد التفاصيل لدى اتحاد الموزعين العرب, والذي تذهب صرخاته في الهواء دون مجيب الا في حدود ضيقة للاهتمام بصناعة الكتاب العربي. قلت ان القراءة بهذا المعنى تخبوية, ولكن لها زاوية اخرى ومهمة, فهي مطلوبة في المجتمع الى درجة الشيوع, فالدولة مثلا لا تدفع للمواطن كي يمشي على قدميه, رغم اهمية المشي للانسان, ولكن الدولة, او معظم الدول, فقيرة كانت ام موسرة, تدفع للمواطن كي يقرأ, فتفتح المدارس والجماعات ومعاهد العلم لذلك الغرض. لابد ان هناك سببا اصيلا كي تقوم الدول بتلك العملية الشاقة والمكلفة, فلعل بعض اهدافها ان يكون المواطن قادرا في نهاية المطاف على ان يفرق بين خانة الحق والخير وخانة الباطل والشر, وان يساعد المجتمع الذي يعيش فيه على ان يكون افضل وارحب, وان يكون هناك رأي عام مستنير يفرق بين الغلاة ومطالب التعايش السمح. لعل المقولة التاريخية التي وصلت الينا من الفلسفة اليونانية بهذا الخصوص والقائلة (انت حصاد ما تعرف) محقة في زماننا اكثر من اي زمان آخر, على الرغم من انها قيلت في عصر مختلف. فأنت على سبيل المثال, ان لم تكن تعرف موضوعا ما حق المعرفة, فلن تستطيع ان تتصدى للفتوى بشأنه, او لاصدار رأي حقيقي يتعلق بجانب من جوانب هذا الموضوع؟ وليس هناك جديد حين نقول ان طريق المعرفة الحقيقية هو القراءة, فلكي تعرف, لابد ان تقرأ, بل وان تعترف بأن فهمك لما تقرأ ليس هو الفهم الوحيد القاطع والنهائي, الذي لا يقبل الخطأ, بل يجب ان تكون اكثر تواضعا وتعطي الآخرين حقهم في القراءة المستقلة عن فهمك والمختلفة مع ما ذهبت اليه, ولعل هذا يتسق مع ما أثر عن الفقيه العظيم الشافعي حين قال: (ان ما عندي صواب يحتمل الخطأ, وما عند غيري خطأ يحتمل الصواب) . لقد كان الشافعي قارئا عظيما... الى جانب كونه فقيها عظيما!