يبدو التضامن العربي, في هذه الظروف بالذات, كأنه الحد الاعلى لأحلام الواقعيين العرب, وحين يرفعه الحريصون على ان تظل شمعة الأمل مضاءة في طريق الامة, فهم انما من نهاية القرن العشرين, ولابد ان يكون حرص هؤلاء موضع تقدير. من الواضح ان التطلعات القومية الكبرى قد اصيبت بزلزلة وان الصدمة التي حدثت في سنوات التسعينيات الماضية كانت شديدة القسوة, بالغة التأثير, في كل المجالات, وانها اسفرت عن احباطات وتراجعات وهزائم وانحرافات, في مستويات العمل العربي ومجالاته كلها, المصيري منها وغير المصيري, وتركت في السياسات والنفوس والعلاقات اثارا سيئة, وفتحت الباب امام الآخرين, الاعداء وحلفائهم, ليحققوا انتصارات, ليقطفوا ثمار تآمر وتواطؤ ما كانت لتتحقق لهم في ظل حد ادنى من التضامن العربي وليفرضوا وجودا مباشرا, ويجنوا ارباحا. ويؤمنوا مصالح على حساب الامة وقضاياها ومصالحها, ما كان لهم ان يتوصلوا الى نصر في مجالاتها جميعا, لو كان صف العرب قائما ولو على اعوجاج. ولكن ما حدث حدث, وهجوم الآخرين ما زال مستمرا لتحقيق المزيد من الانتصارات والمكاسب, وتراجع العرب لم يتوقف, بل هم يزدادون ارتماء على اعتاب الاعداء والطامعين بثرواتهم واراضيهم, والمبطنين شرا لكل ما يمثله العرب وما يحملونه من عقيدة وثقافة وحضارة.. فكيف السبيل الى تحقيق تضامن عربي, يعرف كل قطر وكل مسئول وكل عربي واع مخلص لامته, يعرف قيمته, وتأثيره الايجابي, وفاعليته وقدرته على تغيير الواقع الراهن بما هو افضل منه؟! لا اريد ان اذكر بتفاصيل الاشهر الستة المتألقة من تاريخ التضامن العربي في حياة العرب, وهي تلك التي بدأت من اكتوبر 1973, وانتهت بشهر فبراير 1974 فعلى من يهمه الامر ان يعود الى الوقائع والانجازات والاحداث العربية والدولية, وهو يعرف الاثر الايجابي لتضامن عربي جيد في ذلك الوقت, لكنني اريد ان اتلمس الطريق الى استعادة درجة افضل من التضامن, وابحث عن شكل واقعي وفعال له, في ظل المعطيات والمتغيرات التي يزخر بها عالمنا اليوم, عالم القطب الواحد المنحاز لعدونا, والمصالح التي تزري بالمبادىء والانهيارات الرهيبة والمريبة تلك التي يقدم اتفاق: غزة ـ اريحا, انموذجا لها. ان الدخول في تفاصيل الخلافات العربية ـ العربية واسبابها وابعادها وتأثيراتها ومراميها.. ومن ورائها.. الخ, كل ذلك يدخلنا المتاهة ولا يخرجنا منها, ويغرقنا في تفاصيل الخلاف ولا يجعلنا نراها من اعلى رؤية تحمل استشرافا وتهدف الى الخلاص. والتهيب في طرح الامور يجعلنا ندور حول القضايا ولا ندخل حرمها, ولا نقارب اجتراح حرماتها فتبقى هي قائمة ومتورمة ونبقى نحن نطوف بها ولا نحل منها امرا. وربما كان من المفيد ان نبادر الى طرح اسئلة اساسية, ونلتمس لها اجوبة, أو ننتظر اجوبة عليها,. ليشكل ذلك معطى رئيسا يساعد على استعادة التضامن, او يؤثر على طرق استعادته. وأول تلك الاسئلة يتصل بالوضع الذي ادى الى تمزيق التضامن, واضمحلال الثقة بين الاقطار العربية, وجعل كل منها يبحث عن خلاصه الخاص, وعن مصالحه وعن تحالفات تحفظ: نظامه وامنه ومصالحه الضيقة, واستقلاله واستقراره, ولو كان ذلك على حساب مصلحة قطر اخر او اقطار, او على حساب المصلحة العربية العليا, والقضايا المصيرية والمركزية للامة كلها؟! وفي اغلب الاحيان والحالات يتبين الحكم او القطر خطورة ذلك حتى عليه هو ذاته, ولكنه يضحي (بأجزاء) في سبيل الحفاظ على (الكل) ـ والكل هنا قطري خالص وضيق جدا ـ ويفضل ان يبقى ضعيفا على ان يزول, وعلى كل حال هذا امر يحتاج تفصيله الى مجال آخر, وكل تفصيل فيه يصرفنا عن الهدف الرئيسي الذي نسعى للوصول اليه بطرح الاسئلة والتماس الاجوبة, وها هو السؤال: * هل هناك مجال مصالحة عربية ـ عربية على اساس من الثقة والرضا والاطمئنان والاستقرار؟! والمصالحة تشمل بالدرجة الاولى تلك الاقطار التي كانت في حالة حرب, او في حالة اختلاف سعر الحرب, او تلك التي نشأت خلافاتها على ارضية الحرب؟! وكذلك الاقطار التي بينها خلافات مزمنة؟! لا شك ان ذلك السؤال سيطرح سيلا من الاسئلة الفرعية وسيثير الكثير من المشكلات الجوهرية التي لابد من مواجهتها في يوم ما. واذا ما اردنا التضامن, واستشعرنا ضرورته والحاجة الماسة اليه الآن, ونحن فعلا كذلك, فلا مناص لنا من مواجهة تلك الاسئلة بعد اثارتها, ولا مخرج لنا من دائرتها المهلكة الا بإيجاد حلول مرضية لها, وتلك الحلول تتطلب تنازلات متبادلة واستعدادا لقبول الآخر على اسس جديدة من التعامل ومن تلك الاسئلة الفرعية الشائكة: * هل يتم التعامل مع الكويت خاصة, ودول الخليج العربي عامة, وبين العراق على اساس من الاعتراف المتبادل بحق الوجود, وفي اطار معترف به من الحدود والمصالح, الى ان يتغير وضع العرب من اقطار مبعثرة الى صيغ اتحادية او وحدوية تقوم على الرضا والاختيار, او تتم بالطرق التي لا تشكل اي نوع من انواع القهر والاساءة؟! واذا كان ذلك كذلك ـ بعد ان حصد الجميع نتائج الحرب والحقد والغدر وانعدام الثقة, دمارا وهلاكا وضعفا وخسارات لا حصر لها, فهل ينبغي ان تتم المبادرات من داخل البيت العربي, ودون استئذان من احد, ام ننتظر ان تأتي من خارجه؟! ومن الذي يبدأ, ومن الذي يلح بضرورة البدء السليم او بإمكانيته؟! ومن هو هرم بن سنان في عصر العرب هذا؟! واذا كانت الشروط التي وضعت واعلنت سابقا لاستعادة الحوار العربي الشامل, وبالتالي التضامن العربي السليم, ما زالت قائمة من دون ادنى تغيير, فإلى متى سننتظر, والى اية حالة من التردي سنصل, وما هي القطوف (الدانية) التي سنجنيها ونتذوق طعمها جراء عناد هنا وتحد هناك, وتشبث بحلول مسبقة الصنع؟! وهل سيحكمنا ويتحكم بمصيرنا وبمستقبل اجيالنا وقضايانا الى الابد قول معاند, او كيد مكايد, وزعم (زعيم) انه سيزيل (زعيما) ؟! دون ان يأبه اي منهما بحقيقة ان الزمن سوف يزيل الجميع. وان (تلك الايام نداولها بين الناس) حقيقة ساطعة ولكن لا يفقهون؟! وفي مسار اخر من الاسئلة نطرح سؤالا يسوق هو الآخر سيل اسئلة, ويتعلق بالقضية المركزية (فلسطين) وبالصراع العربي الصهيوني, فهل انتهى البعد القومي للقضية وانتفت المصلحة في ان يكون للعرب شراكة فيها مع (الفلسطيني) بعد ان اوشك اتفاق اوسلو على انهاء قضية فلسطين, واصبح عرفات اقرب الى رابين ونتنياهو وباراك من حكام عرب آخرين؟! وهل يصنع اقبال الانظمة العربية, والاقطار العربية بالتالي, على (اسرائيل) والتعامل معها, وفتح جسور مغلقة, حتى قبل ان تفتح للفلسطينيين دار بلدية في القدس وقبل ان ينسحب جنود الاحتلال من الارض العربية المحتلة, وقبل ان يتوقف مسلسل ابادة الوجود الحي والارادة المستمرين في فلسطين المحتلة, هل يصنع ذلك ارضية ملائمة لاستنبات نوع من التضامن العربي لا عهد لنا به على الاطلاق؟! وهل الخضوع لمطلبية (اسرائيل) المدعومة امريكيا المنادية بضرورة الغاء المقاطعة العربية كليا, تلك القائمة نسبيا على الورق, والتي تشكل رمزا تضامنيا عربيا محدودا جدا, هل الخضوع لتلك المطلبية يمكن ان يعزز ارضية للتضامن العربي من اي نوع؟! ان مجرد الدعوات الشكلية لذلك, والقبول بتفجير (بالونات) الاختبار, والقرع مسبقا على باب (سيفتح) يغرس في الوجدان الجمعي العربي شعورا بالاحباط ويبعد من الذاكرة صور التضامن لتحل محلها تشوهات تكاد تكون خلقية للعلاقات العربية ـ العربية. لقد اظهرت الاحداث خلال العقد الاخير من القرن العشرين, لا سيما ما تم فيه من اتفاقيات اذعان وولاء اقطار لغير ولاء العروبة, والتعاون العلني مع العدو ضد الامة, والاستعداد للتنازل عن القدس ومقدساتها, وعن حقوق لا تموت بالتقادم, مثل حق العودة الذي اخذ يحل محل عودة الحق العربي بفلسطين, اظهرت ان العرب لا يعطون ظهرهم للتاريخ فقط, بل يستقيلون من الوجود الحيوي لامة حية ذات شأن في صناعة التاريخ والحضارة البشرية, ويبدون استعدادا عجيبا للخروج خارج التاريخ, بل وخارج دائرة القدرة للدفاع عن الحيز الضيق من الحق الفردي والقطري والقومي؟! وقد ترك كل ذلك, عند شرائح اجتماعية واسعة في الوطن العربي شعورا بالخيبة والاحباط وولد شكا في مصداقية كل ما كان يرفع من شعارات حول القضية الفلسطينية ومركزيتها وحول الصراع العربي الصهيوني وكونه صراع وجود, وحول شعارات تحرير الارض ووحدة الامة والمصير, واشكال التضامن وانواعه وجدواه اصلا؟! بل انه رفع رؤوس اسئلة مقيتة تقول: هل حقا نحن عرب من امة واحدة؟! وهل لنا قضية مشتركة او سيكون لنا قضية مشتركة ندافع عنها بصلابة ووعي وصدق. ونستمر في ذلك حين يتحقق لنا النصر في يوم من الايام؟! كما جعل غربيين متعصبين ومعتدلين, ومثقفين وسياسيين وأصحاب مصالح, يرفعون عقيرتهم بالصراخ الفرح معلنين انتهاء (ما يسمى) بالقومية العربية؟! وفي مسار ثالث من الاسئلة يتصدر السؤال التالي: هل هناك امل بإقامة حوار مسئول بين المسئولين العرب, بغية الوصول الى ايجاد سوق عربية مشتركة حقيقية ـ على الرغم من اتخاذ قرارات بهذا الشأن, وقد جرأتنا قرارات عربية سابقة ومواثيق مثل ميثاق الدفاع المشترك على طرح هذا السؤال ـ وعمل عربي حقيقي وتضامن جاد, وتوجه نحو اتحاد ما زال مدرجا على جدول اعمال القمة العربية منذ عام 1996, هل هناك امل بإقامة مثل هذا الحوار, واختيار مثل هذا السلوك, في هذا الوقت الذي تتوحد فيه اوروبا بعد ان خاضت حربين عالميتين مدمرتين, وتقطع فيه اتفاقية التجارة الدولية اشواطا لتفرض نفسها على العالم كليا في عام 2005 ويقتحم مغامرون عرب (العقبة) غير وجلين ولا خجلين, معلنين عن تعاون شامل مع (اسرائيل) ويعقدون مؤتمرات التطبيع ـ مؤتمر جماعة كوبنهاجن ـ في تل أبيب؟! واذا كان الجواب على ذلك بالايجاب, فهل سيكون ذلك على حساب اغنياء العرب ام على حساب فقرائهم وهل سنعود الى حساب من يخسر اكثر ومن يربح اكثر, ام اننا سنجعل مصلحة الشعب العربي بفقرائه واغنيائه هي العليا, تلك المصلحة التي تتمثل بحماية المنتج والمستهلك معا من استغلال الآخرين, واتاحة فرص ايجابية للأخ والجار الجنب والجار بالجنب؟! وهل يمكن ان يزول شبح الخوف الذي ينيخ على اصحاب رؤوس الاموال العرب فيستثمرون اموالهم او جزءا منها في الوطن العربي, بدلا من استثمارها خارجه وايداعها في بنوك الغرب الذي يستغلها لتنميته في بلاده, وللضغط على بلادنا؟! وهل يمكن للبلدان العربية الممتدة على مساحة متميزة من الارض ان تقيم فيما بينها تعاونا على ارضية التضامن او تضامنا على ارضية التعاون والتكافل في مجالات حيوية تتصل بأشكال التنمية وانواعها؟! ابتداء من تنمية الانسان وانتهاء بتنمية الزراعة واشكال العمران حسب المفهوم الخلدوني للعمران؟! ان التضامن العربي اكثر من ضرورة ملحة, واكثر من مطلب قومي بالنسبة للعرب, اقطارا وافرادا وهو لا يشكل ضررا الا لأولئك الاعداء والمستغلين الذين يريدون ان يستنزفوا الامة وثرواتها ويبقونها مجرد افواه تستهلك ما يصنعون وينتجون, وسواعد تخدم انتاجهم وتنمي ثرواتهم , وعلى من يجدون من العرب, ان مصالحهم قد ارتبطت نهائيا بالمستعمرين ـ المستغلين وبأعداء الامة او يعتقدون انه لا محافظة على مصالحهم وبقائهم ومكاسبهم الا من خلال بقاء قوة الاجنبي واستمرار ضعف العربي, وغياب كل شكل من اشكال التضامن العربي, او العمل العربي المشترك, عليهم ان يتذكروا جيدا انهم لا يخدمون انفسهم ولا ابناءهم واحفادهم على المدى الطويل, ولا يخدمون امتهم ولا عقيدتهم ولا مصالحهم الضعيفة, على المدى البعيد ايضا, ذلك لان الضعف العام للامة في كل مجال سينعكس ضعفا خاصا على كل قطر وعلى كل فرد فيها, وسينعكس هزائم على قضاياها, وذلا على كل من ينتمي اليها وضياعا لكل ما بنته وما كانته على مدى التاريخ والزمن, وفي هذا ضياع اشمل لكل ما تمثله الامة العربية وما تحمله, فمن الذي سيربح بعد ان يخسر الوطن؟! وما هو النجاح الذي يحققه اذا خسر نفسه وتماسكه الداخلي والروحي؟! ومن هو القطر الذي سيسود وينجو من الاستغلال والاذلال بعد ذهاب الامة؟! ومن نكون, اقطارا وجماعات وافرادا, اذا ما ذهب كل ما نمثل من عقيدة وثقافة وحضارة ومنزلة بين الامم؟! هل نعود كما كنا قبل ان يعزنا الله سبحانه وتعالى بالاسلام مناذرة وغساسنة نخوض صراعات بالوكالة, وهو شأن مر علينا في عصرنا هذا وما زلنا نخوض اشكالا من صراعاته؟! ام ترانا نعود خدما عند الامم لا يجمعنا صف ولا صوت ولا رأي ولا رؤية؟! ان التضامن العربي ليس له ترفا, ولا هو من قوي عربي على ضعيف, ولا هو فضل من غني على فقير, بل هو حمى نحتمي في ظله جميعا ونأمن فيه من جوع وخوف, ونعمل لنكون اكثر صحة وقوة وحرية وحضورا في عالم لا يعترف للضعفاء, بحق في الحضور ولا بأي نوع من الحقوق. انه ضمان لغنى الغني قطرا او فردا, ورجاء لكل ضعيف وفقير, وخلاص لكل من ذهبت له ارض او حقوق او اموال او كرامة, باسترداد ما ذهب في ظل قوة التضامن وقدراته, وهو فوق ذلك كله وقبل ذلك كله مطلب للعرب كافة ـ من غير المسئولين منهم على الاقل ـ فهل تتحقق للعرب الجماهير, ولو مرة واحدة غاية تحررهم من بعض الذل وبعض الجوع وبعض الخوف, وتفتح امامهم ابواب الامل, وهم يلجون مع بقية الامم, القرن الحادي والعشرين؟! ان ذلك احد احلام الواقعيين العرب الذين لم يعودوا يتكلمون على الوحدة بل يطرحون حلم التضامن, فهل تراه يتحقق على ارضية موضوعية ـ علمية ـ صلبة يحميها الوعي وتنميها المصلحة المشتركة وتدفعها ارادة عربية حرة هي ارادة التحرر والتحرير, والوحدة في نهاية المطاف؟!