تراهن الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ انطلاق قطار مدريد للتسوية السلمية للصراع العربي الاسرائيلي على عنصر الزمن, وتنطلق من يقين خادع بأن الزمن يسير لصالح المشروع الصهيوني, وتتبنى تكتيكات مراوغة تعتمد على تفتيت القضايا من جهة وشق الصف العربي من جهة اخرى, ليتاح لها عبر التلاعب بالمسارات التفاوضية الوصول الى اعلى سقف للتنازلات العربية. تجلى ذلك منذ حكومة اسحق شامير وحتى الحكومة الحالية لايهود باراك, وعبر تبادل كل من ائتلاف العمل وتحالف الليكود على دست الحكم. وبمراجعة مسيرة التسوية منذ مطلع التسعينيات وحتى الآن, يتضح وللأسف نجاح التكتيك الاسرائيلي في الغالب الأعم, في حين بقي المفاوضون العرب يتخبطون في سياسة رد الفعل, وحفاظهم على وضع المتلقي لما يطرحه الآخرون, سواء أكانوا الاسرائيليين أم الوسيط الامريكي المنحاز غالبا للمشروع الصهيوني. وزاد الطين بلة, ان الاطراف العربية لم تستثمر الكثير من الفرص السانحة التي دخلت, بفعل غياب التنسيق العربي, السرداب التاريخي للفرص الضائعة, وتركت نفسها طوعا رهن ارادة المفاوض الاسرائيلي والراعي الامريكي يتلاعبان بالوقت ويضعان قوائم من الشروط التي تفرغ مفهوم السلام من مضمونه. والحقيقة التي يجب ان نواجهها بشجاعة هي ان الطريق الوحيد لتصحيح مسارات التفاوض بين العرب واسرائيل يكمن في بداية بسيطة وبديهية وهي خلق آلية واضحة ومحددة للتنسيق والتناغم بين الاطراف العربية, واعطاؤها ثقل وصورة المرجعية وجعلها اشبه بخط دفاعي خلفي يؤمن ظهر المفاوضين ويحذرهم من مناورات و مراوغات المفاوض الاسرائيلي او انحياز الوسيط الامريكي. عندما يتحقق ذلك ستبدأ المفاوضات الصحيحة وستتخلى اسرائيل عن تلاعبها بالوقت.