بديهي أن يكون آخر انطباع لنا بعد رحلتنا التي طالت الى الاصقاع الأمريكية عن السكن الذي اتخذناه, كما حكينا لك في حديث سبق, في حي مانهاتن وبالتحديد على مرمى حجر كما يقولون من مبنى الأمم المتحدة, على نهر الإيست.. وقد ظل المبنى العتيد الذي يشغله مقر المنظمة الدولية منذ نحو نصف قرن بشكله وتصميمه المسمى بعلبة الكبريت علما على تلك المنطقة الوسطى ميدتاون كما يسمونها في مدينة نيويورك ولعلها أهم مناطق المدينة الصاخبة. من حولها تتناثر مقار البعثات الدائمة للدول وقد بلغ عددها حتى كتابة هذه السطور 186 دولة, باسم الله ما شاء الله, وهي بحكم الاحتماء في أعراف القانون الدولي متساوية في السيادة والقدر والمكانة سواء كانت في حجم الصين أو أمريكا أو روسيا أو كانت على باب الله مثل توفالو وكيرباتسي الواقعة في مكان فشلت شخصيا وحق المولي في تحديده من مياه المحيط الهادئ. نعترف أن قد ربطتنا وشيجة عاطفية بالشقة الصغيرة التي اتخذناها سكنا خلال الأشهر الخمسة الأخيرة.. صحيح أنه مثل كل ارتباط عاطفي في حياة البشر انطوى على تكاليف باهظة تكبدناها على أساس أن الراغب يدفع وان كل شيء بثمنه وليس هناك وجبة غذاء يقدمونها بغير مقابل كما يقول الأمريكان أو أن الغاوي يدفع النقوط ولو بطاقيته وهو مثل مصري ذائع ترجمته المطربة صباح الى أغنية خفيفة الدم سمعناها ونحن في عمر اليفاعة نقصد الأغنية لأننا بدأنا نسمع السيدة صباح منذ نعومة الأظفار والشهادة لله. وحين نزلنا البر الأمريكي فوجئنا بصاحبة الشقة التي اخترناها وقد غالت في السعر المطلوب.. ولما تفقدنا العين أو العقار المفروش فوجئت السيدة الأمريكية الطماعة بأن وافقنا على المطلوب.. ولم يكن السبب مثلا هو روعة التصميم, فالبناية مثل ألف ألف بناية في نيويورك.. والأثاث يصلح لاقامة واحد من النساك الزاهدين في المتاع فكانت تجلس على أريكة عتيقة وتأوي الى مخدع لم يعرف يوما معنى كلمة وثير.. وكأنك تردد في كل لحظة أنها دنيا فانية ولا ينوب البني آدم فيها سوى الستر و القناعة ولو بأقل القليل.. لكن الذي شدنا الى المكان هو تلك المفاجأة السارة التي تمثلت في وجود مكتبة غنية حافلة في شقتنا المفروشة شديدة التواضع, صحيح أن مساحتها لا تعدو كام متر في كام متر.. وصحيح أنها تطل على شارع شبه صاخب يسير فيه الباص مخترقا المدينة من الشرق الى الغرب (أكروس تاون) وصحيح أن مهرها كان أكثر مما تطيقه مواردنا التي ما تخلت يوما عن فضيلة التواضع, لكن الأهم هي خزانات المكتبة الأربع التي حفلت رفوفها بأشكال وألوان من الكتب في مواضيع شتى ما بين اللغة الى الفلسفة وما بين الطهي الى الأدب البوليسي وما بين التاريخ الى تأليف الرحلات.. وأغلب الظن أن صاحب المكتبة المجهول كان انسانا (من ذكر أو انثى) رفيع الثقافة, فالكتب في حالة جيدة.. واذا تفحصتها تلقاها وقد خضعت سطورها لتهميشات وتعليقات جادة ومتنوعة. ثم انها تضم كتبا بالانجليزية التي نقرأها والفرنسية التي كدنا ننساها والاسبانية التي نروض اللسان والجنان (بفتح الجيم أرجوك) على التعامل معها فقد حدث وتعلمناها (على كبر) كما يقولون. وكم كانت (مسز بوستمان) مالكة العقار معجبة بالفقير ايما اعجاب (وقد باحت بهذه المشاعر الى السيدة حرمنا شخصيا) وقبل أن يداخلنا طائف من غرور ولو مؤقتا أوضحت المالكة أن مرد الاعجاب الدفين هو انني ـ الفقير ـ أدفع الايجار الباهظ قبل موعده مؤخرا على السيدة المعجبة المذكورة, عناء الطلب ثم المطالبة ومن بعده الالحاف ويبدو أنها كانت تصدر في ذلك عن تجارب ايجارية مريرة خاضتها كما قالت مع بعثات دبلوماسية من أقطار افريقية بالذات. مع ذلك فقد غاب عنها أنها أسدت الينا خدمة مضافة وهيأت لنا بالمكتبة اياها متعة لم تكن في الحسبان فضلا عن كونها بالمجان. ومن هذه المتع المفاجئة لقاؤنا الذي طال عليه الأمد الى أن تم مؤخرا مع (فرانسيس بيكون) أديب الانجليز.. المفكر الفيلسوف الذي عاش بين عامي 1561 و1626 وهو بهذا كان معاصرا لشاعرهم الأكبر وليم شكسبير (رحل عن العالم عام 1616). ولقد تعي الذاكرة أن أول اطلاعنا على اسم هذا الفيلسوف الانجليزي جاء من غلاف كتاب اصدره في الزمانات الأستاذ عباس العقاد في سلسلة (اقرأ) الشهيرة وأذكر أن اختار له عنوانا يقول: باكون: رائد العلم الحديث أو شيئا من هذا القبيل.. وقاتل له البدوات التي تعرض للمرء فتصده عن شيء, أو الهمزات أو النزوات التي قد تنتاب المرء فتغريه بشيء آخر. ومن ثم لا أدري لم استفزتنا كلمة (باكون) كرهناها لله في لله.. وتملكنا نحوها غيظ عظيم صدنا عن قراءة كتاب العقاد, ثم عبرنا خلال الدراسة الأكاديمية مرحلة بيكون (باكون كي لا يزعل العقاد) دون أن نلقي اليه كبير بال.. كيف لا وقد تعاصر مع شكسبير فكان أن ناله شيء من خسوف الذكر ازاء وهج الشمس الذي أحاط الشاعر المسرحي الكبير.. ولم ينج من هذا الخسوف أو الكسوف شعراء ومسرحيون ومبدعون آخرون مثل بن جونسون وكريستوفر مارلو.. ومن الطروحات الأدبية التي قد تدخل في باب التقولات أو الأساطير ما ذهب اليه نفر من البحاث عن تلك الفترة الذهبية من الأدب الانجليزي العصر الاليزابيثي من أن شكسبير شخصية خيالية لم توجد قط وأن الذي عرفه الناس هو اسمه فقط وأن هذا الاسم استخدمه صاحبنا فرانسيس بيكون واستتر من خلفه ليكتب المسرحيات التي نسبت الى اسم هذا الشكسبير, إذ كان بيكون ينتمي الى طبقة النبلاء (فيسكونت) وكان مفكرا وفيلسوفا يكتب باللاتينية الى جانب الانجليزية ويدعو الى المنهج العلمي والاستنارة الفكرية. وربما تصور أن مثل هذا النهج الاكاديمي الجاد لا يليق أن يكتب أشعارا ومسرحيات فيها الدم والدموع وفيها الصبابة والعشق والسفالة وتهريج الكوميديا الذي كان يروق لنظارة ذلك العصر البعيد على مسرح الجلوب الشهير في لندن القرن السابع عشر. المهم أن حقت علينا عبارة وقد يجمع الله الشتيتين بيكون والفقير حيث ضمت المكتبة العامرة التي حكينا عنها كتابين أحدهما عن حياته وفكره وعصره والثاني عن أهم طروحاته ومقولاته وخاصة في كتابيه المهمين (المقالات والأورغانون الجديد) ومن ثم فقد رأينا فيما تبقى لنا من مساحة وهي بحق الله محدودة أن نطلعك على بعض مقولات هذا الفيلسوف الكبير كي نتشارك فيما نرجو في متعة فكرية خرجنا بها من الرحلة الأخيرة.. فمن أقوال فرانسيس بيكون ما يلي: - اذا ما بدأ الانسان بالمسلمات فلسوف ينتهي به الأمر الى الشك.. ولكن اذا ما بدأ بالشك قاده ذلك الى اليقين والاطمئنان. - ذهب (قيصر) ليفتح بلاد غالة (فرنسا) وتجشم الصعاب لأنه أراد أن يكون الأول ولو في قرية صغيرة خير من أن يكون الثاني في امبراطورية روما. - على الكتب أن تلاحق العلم وتتابعه, وليس على العلم أن يلاحق الكتب أو يكون تابعا لها. - الأمل افطار شهي ولكنه عشاء مرفوض. - عاد القائد الروماني فابريكوس منتصرا في معركة قتل فيها عدد غفير من جنوده.. وحين هنأوه بالفوز قال واحد منهم: لو تحقق لنا نصر آخر لكان الدمار هو مصير روما. - القراءة تخلق الانسان الكامل والمشاورة تخلق الانسان المستعد والكتابة تخلق الانسان المنضبط. - اذا قرأت فلا تقرأ من أجل أن تعارض كل شيء, ولا تقرأ من أجل أن تقبل كل شيء ولا تقرأ لمجرد الثرثرة وازجاء الفراغ.. بل اقرأ لكي توازن الأمور وتتدبر. - النقود مثل المسك لا يعرف قيمتها إلا اذا انتشرت بالتداول بين الناس. - أربع ركائز يقوم عليها الحكم الرشيد: الدين والعدل والشورى.. والخزانة. - اذا احسنت اختيار الوقت, فأنت بهذا توفر الوقت. - الشباب أنسب للابتكار وليس اصدار الأحكام.. وأنسب لهمة التنفيذ وليس اسداء المشورة, وأنسب للمشاريع الجديدة وليس الأعمال الراسخة المستقرة. - خير للمرء أن يعيش ليدرس, لا أن يدرس كي يعيش. وأخيرا.. يقول صاحبنا بيكون باللاتينية.. بعد إذنك: (نام إن إبساسينتيا بوتستا إيست) . وهذا الكلام الكثير معناه ببساطة: - (المعرفة قوة). أرأيت الى روعة ايجازنا اليعربي المعبر الجميل؟