في اغسطس 1942 دعا هارولد ايرل هيكل ورفاقه الثلاثة الى مكتبه وقال لهم: (ان حربا تجري على ارض مصر ومع ذلك فإن احدا لم يصفها بعين مصرية ولم يكتبها بقلم مصري) ثم سأل: (هل منهم من هو مستعد للمخاطرة في تجربة جديدة وعلى مسئوليته وحده) وتحمس هيكل للتجربة, وتحمس معه ميخائيل فالتس, ولكن عائلة ميخائيل فالتس لم توافق على سفر ابنها ولم توقع على اقرار تحمل المسئولية الذي طلبته الصحيفة, ونجح هيكل في الحصول عليه بعد ان اقنع خاله ـ الذي كان متفهما ـ بالتوقيع. وهكذا وجد هيكل نفسه بعد شهر واحد في ميدان الحرب في العلمين, شاهدا على الحرب العظمى الثانية, يراها ويعيشها, ويصفها بعيون مصرية, وانتقل من متابعة الجريمة, ذروة المأساة الفردية, الى متابعة الحرب, ذروة المأساة الجماعية. ولا يمكن الاستهانة بجرأة هيكل على اتخاذ هذا القرار, فكل الاحداث المتلاحقة كانت تؤكد ان الهلاك سيكون من نصيبه, كما ان كل الظروف كانت تشير الى ان الألمان مقبلون, وان ايقافهم مهمة مستحيلة لا يقدر عليها سوى الله وحده. اربعاء الرماد لقد وصلت مدرعات رومل الى العلمين, وبعث راديو ألمانيا برسالة لنساء الاسكندرية تقول: (جهزن فساتين السهرة.. نحن في الطريق) ساعتها لم تكن في المدينة (خياطة) واحدة بلا عمل, لقد اصبحن (مشغولات لشوشتهن) من اجل (تشطيب) فساتين النساء التي سوف تزين (حفل النصر الراقص) (1) وراح اصحاب المحلات يتأكدون سراً من ان بحوزتهم صورا لهتلر ورومل جاهزة لوضعها في اطار بينما انشغلت زوجاتهم في تجهيز الاعلام والرايات ذات اللون الاحمر والابيض والاسود, بل (ان هناك من الاسر كانت قد اجرت غرفاً للضباط الذين كانوا وقتها بالجبهة بدأت تحرق الملابس العسكرية البريطانية التي كانت مودعة عندها, كأنما تحرق دليل ادانتها) . (2) وفي نهاية يونيو 1942 وصل التهديد للاسكندرية الى ذروته, فقرر الانجليز تقسيم السفن الراسية في الميناء بين بور سعيد وحيفا وبيروت, وزادت نشرات اخبار الاذاعة البريطانية الطين بلة, فقد ذكرت ان (نجاح الألمان انما يرجع الى التفوق الكبير في تكتيكاتهم واسلحتهم) . وبدأ العسكريون والدبلوماسيون في الاسكندرية في حرق ملفاتهم.. وشرعت اسرهم في حزم امتعتهم والانضمام للجموع التي ازدحمت في محطة القطارات وبدا أن المدينة على وشك ان تكون مهجورة. وفي القاهرة وصف يوم اول يوليو بأنه (أربعاء الرماد) (3) ففي هذا اليوم بدأت السفارة البريطانية وقيادة الجيش البريطاني في مصر في احراق كميات ضخمة من الملفات, واصبح الهواء ثقيلاً بالدخان الاسود, وادت حرارة النيران الى تطاير بعض الاوراق عالية في الجو قبل ان يتم حرقها حسب الاصول, و(بعد ايام كان باعة الحمص والترمس يصنعون قراطيس صغيرة من اوراق نصف محروقة تحوي معلومات في غاية السرية) . (4) وبدأت طوابير تمتد على طول شوارع كثيرة من حول البنوك, وكان مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء قد وضع مخططا لنقل حكومة مصر واحتياطاتها الذهبية الى الخرطوم, وادت الهرولة الى البنوك الى رفع اصدار البنكنوت من 9.57 مليون جنيه في يوم 25 يونيو الى 76 مليون جنيه في 4 يوليو وتقرر ان تطبع مصلحة المساحة العملات الورقية لأول مرة بعد ان كان من الصعب ان يحدث ذلك كما هو معتاد في لندن بالسرعة المطلوبة, وخلال 4 أيام استطاعت مصلحة المساحة ان تطبع 6 ملايين جنيه على شكل ورقات مالية فئة المئة جنيه وفي الوقت نفسه اعلن فاروق (انه ليس ملك ألعوبة ورفض مغادرة البلاد) . وانتشرت نكات بين سائقي التاكسي بالقاهرة ضد الانجليز من قبيل (اليوم أسوق بك الى جروبي وبكرة انت الذي تسوق بي) وكان للبريطانيين نكاتهم ايضاً.. (فلأن اكثر فنادقهم كان معروفاً ببطء الخدمة قالوا: ان كل ما عليك هو ان تنتظر حتى يأتي رومل الى شبرد وساعتها سوف تتعرض مسيرته للبطء الشديد) . (5) الطريق الى العلمين في هذه الظروف الحرجة, الخطرة, غير المشجعة قرر هيكل ركوب المغامرة وقبل مهمة السفر الى العلمين. كان الشاب المصري الوحيد في مجموعة من 12 شابا من مختلف مستعمرات بريطانيا, اخذوهم في البداية الى منطقة (الدخيلة) بالاسكندرية, ووضعوهم في قاعدة عسكرية بريطانية لعدة ايام تدربوا فيها على أوليات الدفاع عن النفس واطلعوهم على اتفاقية جنيف الخاصة بالمراسلين العسكريين لاستخدامها اذا ما وقعوا في الاسر وكان المسئول عن المجموعة ستيفين بربر الذي اصبح فيما بعد مراسل (الديلي تلجراف) في العاصمة الامريكية واشنطن. (6) وبعد ان انتهت مدة (الدخيلة) ركب هيكل سيارة عسكرية مع ستيفين بربر والحقه بكتيبة هندية تتبع الجيش الثامن وهو الجيش الذي كان عليه ان يواجه رومل في العلمين, وقد كان فريسة للانهاك, وتعرضت طاقاته للنفاد, وبدت قيادته عاجزة عن تحقيق اي تقدم, وهو ما جعل رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل يأتي بنفسه الى مصر ويدرس الموقف العسكري ويجدد قيادة الجيش الثامن ويقترح تعيين الجنرال برنارد مونتجمري قائداً جديداً, ومنفذا لخطة الهجوم على رومل التي وضعت تحت اسم (الشعلة) . ان هيكل نفسه قد شعر بالاحباط في اللحظة الاولى التي بدأت فيها مهمته في العلمين, لقد تركه ستيفين بربر في الكتيبة الهندية ليلحق بموعد في قيادة الاركان في مدينة (الحمام) اولى مدن محافظة (مطروح) على ان يلتقيا في اليوم نفسه ليلاً, لكن قبل ان يأتي موعد اللقاء تعرضت الكتيبة الهندية لقذف بالهاون فقدت على اثره الكثير من الضحايا واخليت من موقعها, فكان أن عادل هيكل الى الدخيلة في أقل من 24 ساعة وفشلت مهمته قبل أن تبدأ, لكنه على الرغم من صدمته الشديدة لم ييأس. ويقول لي هيكل: أنهم ألحقوه بكتيبة اخرى نيوزيلندية.. (كان حظها افضل من حظ الكتيبة الهندية) والحقيقة ان الحظ كان اضافة للتغير الذي جرى في قيادة الجيش الثامن وقلب كل الموازين, لقد سلم الجنرال اوكلينيك القيادة للجنرال مونتجمري الذي كان قراره الاول اعدام كل خطط الانسحاب, وهو امر متوقع من شخصية مونتجمري الخشنة التي خلقت روحاً قتالية جديدة وكأنها نسمة من هواء نقي.. (وسرت حكاية بأن الرقباء فتحوا رسالة من ضابط تقول: المشكلة انك اذا اردت ان تتعامل مع كائن قذر مثل رومل فأنت بحاجة لكائن آخر من عينته وحتى الآن كان جميع قوادنا افراداً مهذبين بدرجة مخيفة لكن حمدا لله فقد حصلنا اخيراً على مونتي) او مونتجمري (7) الذي اجبر رومل على الانسحاب من العلمين في ليلة 2 نوفمبر, وبعد 9 ايام تحررت طبرق, ودقت اجراس الكنائس في انجلترا وفي الكاتدرائية الانجيلية بالقاهرة. وقد بقي هيكل في العلمين حتى بدأ الهجوم وفيما بعد, في الذكرى الخامسة والعشرين للحرب, قابل هيكل مونتجمري في القاهرة والعلمين, في الاحتفال الذي نظمته صحيفتا (الاهرام) و(صنداي تايمز) ـ وكانت في عصرها الذهبي تحت رئاسة دنيس هملتون ـ بهذه المناسبة, وذكره هاملتون بهتافات الجنود له في مدينة الحمام: (مونتي.. مونتي) وصحب مونتي في هذه الجولة بالصحراء الغربية بعض الاحياء من كبار ضباط اركان حربه القدامى وهو وقتها الجنرال السير فرانسيس دي جينجاند رئيس اركان حربه, والجنرال السير اوليفر ليس مدير التخطيط, والجنرال السير بريان هوروكس مدير العمليات, والبريجادير ريشارد جيوفري مدير المخابرات بقيادة الجيش الثامن, و(نزل المارشال مونتجمري ومرافقوه في فندق (سيدي عبدالرحمن) وكان ترتيب كل يوم ولمدة اسبوع ان يطوفوا بالمواقع في الصباح ثم يجلسوا بعد الظهر ـ مع نسائم العصر ـ لمناقشة مفتوحة وكان هيكل ودنيس هملتون ينضمان اليهما متابعين لحوارهم باهتمام شديد وربما قاطعوه بسؤال احياناً, وعادة ما كانت الجلسات الممتعة تجري في شبه دائرة على مقاعد من قماش فوق الرمل على شاطئ البحر. وسألت هيكل ونحن في قرية (الرواد) بالساحل الشمالي, بالقرب من المكان الذي كان مسرحاً لتلك الحرب: ما الذي تعلمته من الحرب؟ أجاب: لقد اشتريت حياتي بمواجهة الموت في الحرب, علمتني الحرب الا اخاف الموت, او ان اتجاهله, ظللت اقول لنفسي: ان الخوف هو الترف الوحيد الذي لا املكه ولا اسمح به. وفي الوقت نفسه ادركت مبكراً ان الانسان يشتري حريته, فأنت حر بقدر ما تعتمد على نفسك, وأنت قوي بقدر ما تواجه الخطر. وقال لي ايضاً: الحرب تعلم الصحافي الكتابة اليومية وتسجيل ما يجري برؤيته الشخصية, ان الاحداث تنقلها وكالات الانباء وتحدد الرقابة العسكرية ما ينشر منها وما لا ينشر, ومن ثم فالفرق بين صحافي وصحافي في تغطية الحرب هو الرؤية الشخصية, ان الحرب احدثت ثورة في التغطية الصحافية, خلقت ما يمكن وصفه بصحافة المأساة, حيث الانسان فيها اهم من الحدث او الخبر, الانسان هو البداية والنهاية, لقد حولت الحرب بعض الصحافيين الى ادباء, اصبحت كتاباتهم (فيها روح) , فيها الاجابة على السؤال الصعب (كيف تمسك باللحظة؟) وهو ما فرق بيني وبين جيلي, وفي الوقت نفسه اثرت الصحافة من تجارب بعض الادباء الذين عاشوا الحرب وكتبوا عنها مثل (اندريه مالرو) الذي كتب عن سقوط باريس, على ان اهم ما خرجت به من التجربة هي انني اصبحت ادون يومياً كل ما يمر بي, واصبحت هذه العادة واحدة من اشهر عاداتي المعروفة. امكانية الاختيار على ان الحرب فتحت امام جيل هيكل ما وصفه هو بإمكانية الاختيار وقد قال: (ان الاجيال التي سبقت جيلنا لم يكن مفروضاً عليها ان تختار, او بمعنى ادق اصح فإن مجالات الاختيار لم تكن واسعة أمامها, ان العالم بالنسبة لمصر قبل الحرب وأثناءها كان مختزلاً في علاقة سياسية ثنائية مع بريطانيا وميلا ثقافياً نوعا ما نحو فرنسا, وكان النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي الفكري نظاماً تابعاً بمنطق الاشياء وحقائقها, ولم يكن هناك غير بديلين اثنين: اما الالتحاق بالصف المعادي للاستعمار او بالصف الموالي له, وحتى هذه الصفوف لم تكن محددة وانما كانت ملتبسة, وقد زاد الالتباس بضرورات الحرب ضد المحور وأصبحت مناصرة القوة المحتلة وهي بريطانيا في الحرب ضد النازية اضطرارا لا مهرب منه غير الوقوع في شرك تأييد النازية تحت توهم مقاومة الاحتلال) . (7) (وكانت حدود الاهتمامات السياسية والصحافية ـ خارج العلاقة الثنائية مع بريطانيا ـ قاصرة على تغطية الساحات الخلفية للقصر الملكي وللسلطة التي تمثل قمة المجتمع ومعظمها من غير المصريين او نصف المصريين, واما بعيداً عن السياسة فلم تكن غير ثرثرات الطبقة الراقية ـ كما كانوا يسمونها ـ الى جانب كواليس المسارح.. وربما الصالات والكباريهات) . (وبالطبع كانت هناك ايماءات هنا وهناك تشير الى اتجاهات اخرى, لكن هذه الايماءات ظلت محدودة في تأثيرها, وربما استطاعت ان تظهر اكثر في مجال الفكر السياسي البحت, من دون ان ينعكس تأثيرها بقدر كاف على الصحافة المصرية) . (والذي حدث ان الحرب العالمية الثانية ـ التي كانت مصر كما رأينا ميداناً من اهم ميادينها ـ جاءت معها وفي اعقابها بأفكار كان من اثرها ان سقطت اسباب الثنائية الحاكمة, واصبحت مصر والحياة فيها مفتوحة لعشرات الاحتمالات, وهنا برزت امكانية الاختيار, واصبح على جيلنا ان يمارس ضرورة الاختيار, وقد اختار جيلنا بشكل او بآخر وبدرجات متفاوتة من الحماسة الى هذه الفكرة او تلك الاختلاف مع هذا التصور او ذاك, ان هذه المرحلة كانت الحقبة الوطنية والقومية في العالم العربي, بكل اولوياتها وهي: مقاومة الاستعمار, الاستقلال الوطني, الوحدة العربية, التصدي للمخططات الامبريالية والصهيونية, عدم الانحياز, اعادة البناء الاقتصادي مع تركيز على التصنيع, اعادة التركيب الاجتماعي مع تركيز على ملكية الارض, السعي نحو حراك اجتماعي يقوم على اسس متساوية في التعليم وفي العمل وفي الصحة وفي السلطة) . ويستطرد هيكل او يستدرك: (لا اقول ان ذلك تحقق كله او معظمه وإنما اقول ان تلك كانت رؤوس الموضوعات التي تحولت الى قائمة بجدول اعمال المرحلة) وهي مرحلة كان حق الاختيار فيها مفتوحاً لأول مرة داخل بلد تحقق اتصاله بعالمه الاوسع واصبح جزءاً من حركته بغير عزله او وصاية او حدود مغلقة) . لقد كانت الحرب هي مستشفى الميدان التي ولد فيها, وقد اتيح له فيما بعد ان ينتقل من العلمين الى مالطا, ومن مالطا الى باريس, كل ذلك وهو في هذه السن المبكرة, فكان ان تفتحت حواسه للخبر والخطر والسفر, وهي الحواس الضرورية للصحافي, وبدونها تصبح الصحافة كتابة على مقعد متحرك في غرفة ملحقة ـ ولو من بعيد ـ بجهاز العلاقات العامة الرسمي والحكومي. غداء فصحافة في سنوات العمل الصحفي في (الاجيبشيان جازيت) لم يكن هيكل بعيدا تماما عن أجواء الصحافة العربية. كان في تلك الأيام يذهب مع فليب حنين رئيس قسم المحليات في (الإجيبشيان جازيت) للغداء في مطعم (الباريزيانا) القريب من الجريدة. وكانت السيدة روز اليوسف الفنانة والصحافية الكبيرة تتردد على هذا المطعم, وقدم فليب حنين هيكل لها, ويكمل هيكل: (ثم لقيناها أكثر من مرة. وكانت هذه السيدة ذات الشخصية القوية كريمة في تشجيعها لصحافيين مبتدئين, ودعتنا إلى مائدتها مرات, ثم دعتنا إلى مجلتها, وكان هناك لقائي الأول مع الصحافة العربية) .(9) إن روز اليوسف, السيدة والمجلة, هما فصل مثير ومهم في الكتاب الكبير الذي لم يكتب بعد بشجاعة أو بصراحة عن الصحافة في مصر. وقد بدأت روز اليوسف كمجلة فنية, ثم سرعان ما وجدت نفسها تخوض في غمار المعارضة السياسية, وساعتها وجدت نفسها تحت سيف المصادرة والتعطل, ووجد معظم من تولوا رئاسة تحريرها أنفسهم عرضة للسجن أو تحت ضغوط النيابات والمحاكم وتهديد حياتهم بالقتل, وقد وصف الساخر الكبير فكري أباظة المجلة بأنها مجلة أصيلة (لا تتأثر بالزمن ولا بالعمر ولا بالسن ولا بالأحداث) . وأنها (كلما امتحنت اجتازت الامتحان بنجاح, وكلما ضحت وعانت وشقيت كلما صمدت وكافحت وزحفت) (10). واستطرد فكري أباظة: (إن إرادة هذه السيدة استطاعت أن تفتح مجلة وتفتح بجانبها معهدا, معهدا خرج من بين من خرج أساتذة وأعلاما وشبابا يزحف اليوم ويغزو ويفتح ويجني أنضج الثمار) . إن هذه الفقرة هي سر استمرار روز اليوسف, فهي مستشفى لولادة المواهب, تفتح لهم الأبواب بلا حساب, فمن النادر أن تجد نجما في الصحافة والأدب لم يمر على روز اليوسف.. خاصة في الأوقات التي تترك فيها المجلة تعبر عن نفسها وتواصل رسالتها وتحدد سقف الحرية. لذلك لم يكن مثيرا للدهشة أن يمر هيكل على (روز اليوسف) وأن تكون محطة في مشواره الصحافي, خاصة وان تجربة النشر باللغة الانجليزية في (الاجيبشيان جازيت) لم تعطه فرصة أن يمد الجسور بينه وبين قراء الصحف العربية, وهم الأغلبية, كذلك فإنه لم يجرب الكتابة بلغته الأصلية, وفي الوقت نفسه فإن (الاجيبشيان جازيت) قد بدأت ـ مع لفظ الحرب لأنفاسها الأخيرة ـ تفقد بريقها وأهميتها, وتوزيعها, لقد انخفض التوزيع من 250 ألف نسخة إلى 50 ألف نسخة, ولم تعد التغطية الصحافية التي تطلبها مثيرة لهيكل بكل المقاييس على حد اعترافه لي, بل أكثر من ذلك قال رئيس تحريرها هارولد ايرل قال لهيكل بوضوح: (أنا أريدك أن تفكر بجدية في مستقبلك. أنت (خامة) صحافية جيدة, ابحث عن فرصة جديدة, مستقرة في الصحف العربية) .(11) ولم تكن الفرصة التي على هيكل الحصول عليها لمواصلة مشواره الصحافي فقط وإنما لمواصلة حياته التي كانت قد استقلت واستقرت بعيدة عن هواجس الأب الذي لم يكن يعرف بالضبط ما يفعله ابنه, وكان يخشى عليه من مصير من سبقوه من الأبناء. وهكذا استجاب هيكل لدعوة السيدة (روز اليوسف) . وكان ذلك في عام 1944. ولكنه على ما يبدو لم يبق فيها طويلا, ولم يكتب فيها كثيرا, لقد كتب عن (بنت الجيران) التي لم ينسها.. وعرض نتائج بحث ميداني عن المجلات المصرية اشترك فيه هو وبعض زملائه في مدرسة التجارة تحت اشراف أستاذه السيد أبو النجا الذي يقول في مذكراته: انه أول بحث من نوعه في الشرق الأوسط وكان أجر المشترك فيه ثلاثة جنيهات عن ستة أشهر من العمل المستمر. وعندما أظهر البحث الميداني تفوق (روز اليوسف) نشر هيكل نتائجه على صفحاتها بعد أن أصبح محررا فيها. ولا تكشف مقالات هيكل المبكرة في (روز اليوسف) ـ ربما الأولى التي كتبها هيكل باللغة العربية ـ عن براعة في الأسلوب ـ أو موهبة في التجديد في الكتابة ـ فقط وإنما تكشف أيضا الكثير من خصائصه الأخرى التي اشتهر بها في كتابة المقال فيما بعد, فهو يتحدث عن شخصية سياسية مهمة هو الملك رأس الدولة.. وهو يحشد في مقاله عددا كبيرا من المصادر اللامعة لتؤيد وجهة نظره. وهي مصادر تحدثت إليه, أو سمعها تتحدث في أماكن مهمة مختلفة, كان هو حاضرا ومتابعا لما يجري فيها, وهكذا مزج هيكل منذ أقدم مقالاته بين جاذبية الأسلوب وبين أهمية المصادر.. وهو ما ميزه في كتاباته. على ان هيكل لم يبق طويلا في (روز اليوسف) . إن صداما ما خفيا وقع بينه وبين إحسان عبدالقدوس, وهو صدام عبر عنه إحسان عبدالقدوس فيما بعد قائلا: (إن هيكل يستولي على الرأس الكبير في أي مكان, استولى على عقل والدتي, ثم عقل محمد التابعي, ثم عقل وقلب علي أمين, ثم عقل جمال عبدالناصر) . ولم يقل إحسان عبدالقدوس كيف كان هذا الاستيلاء, ولا ما الذي أزعجه فيه, خاصة وانه سبق هيكل في (روز اليوسف) بنحو سبع سنوات, كما انه كان أشد بريقا وشهرة, كذلك فإن هيكل فيما بعد كان وراء تعيين إحسان عبدالقدوس رئيسا لمجلس إدارة ورئيس تحرير (أخبار اليوم) . وقد أنقذه القرار من حالة اكتئاب لم تخرجه منه رواياته العاطفية والاجتماعية. لقد بدأ إحسان عبدالقدوس الكتابة في (روز اليوسف) في عام 1937. وكان أول ما نشره في عددها الخامس من يوليو 1937 رسالة مفتوحة بعنوان (مغامراتي وحبي الأول) يقول عنها الدكتور سعيد عبده (إنها كانت رسالة ركيكة محشوة بالأخطاء النحوية على نحو فريد وفيها تقليد شديد لبعض الناشئين من كتاب الصحافة إذ ذاك) (12). لكنه سرعان ما أصبح واحدا من ألمع الكتاب والصحافيين, وأكثرهم جرأة, حتى انه في الفترة التي كان فيها هيكل يتلمس خطواته الأولى في الصحافة المنشورة بالعربية كان إحسان عبدالقدوس يشن حملة نقد قوية ضد الحكومة, وهو ما صادر المجلة وسيق هو إلى السجن, وكانت المرة الأولى التي يدخله, وقد نشرت له والدته وهو في السجن قالت فيها: (إلى ولدي السجين, أحييك في سجنك, تحية أم تحية مواطنة حملت قبلك شرف الجهاد في قضية مصر وقد اختلط في نفسي شعور الأم بشعور المواطنة فما أدري بأيهما أعبر عن نفسي وان قلبي ليستعر جحيما, جحيم الأمومة, وجحيم المبدأ, وكلاهما قطع من عذاب) . وتواصل فاطمة اليوسف الكتابة ـ وقد امتزج الخوف على ولدها بالكبرياء والزهو به ـ فتقول: (إن السجن يا ولدي منازل الأحرار إذا دخلوه مدافعين عن حرية الرأي مناضلين في سبيل الحرية) . و(أحمد الله إذ كرمني وأنا على قيد الحياة بأن أراك تحقق أملي فيك وتستقيم على المنهج الذي ربيتك عليه وأن تكون لبلادك ولحرية الرأي وما زلت في السن التي يكون فيها غيرك لمغامرات الشباب وأحلام الشباب ومباهج العيش الهنيء) ... و ... (سيكون قريبا لقاؤنا تحت الراية لنستأنف الجهاد) (13). ولا يشير هيكل لهذا الصدام ويكتفي بالقول انه التقى إحسان عبدالقدوس في ذلك المبنى العتيق (أول مقر لمجلة روز اليوسف) في شارع محمد سعيد. ولم يكن لقاء بغريب, فقد سبق أن تزاملا في مدرسة (خليل أغا) . (وعلى أي حال فإنه منذ ذلك الوقت اتصلت واقتربت وتقاطعت في بعض الأحيان رؤانا وأفكارنا بل مصائرنا وأقدارنا) . ولم يدخل هيكل مبنى (روز اليوسف) منذ أن تركها في عام 1944 إلا بعد خمسين سنة, حينما وجهت إليه الدعوة للحوار بينه وبين أسرة تحريرها في عام ,1995 ولم يتكلم هيكل عن ذكريات المكان, ودخل مباشرة في قضايا الزمان. الـهـوامـش: (1) أرتيمس كوبر: مرجع سبق الاشارة إليه ـ ص 246. (2) المرجع السابق: ص 247. (3) المرجع السابق: ص 250. (4) المرجع السابق: ص 251. (5) المرجع السابق: ص 251. (6) حوار مع هيكل جرى في الساحل الشمالي في يوم 30 أغسطس 1999. (7) أرتيمس كوبر ـ المرجع السابق: ص 273. (8) محاضرة ألقاها هيكل في (صالون إحسان عبدالقدوس) في روز اليوسف وكان يشرف على الصالون الدكتور والسفير مصطفى الفقي. (9) هيكل: (بين الصحافة والسياسة) ـ المرجع السابق: ص 28. (10) روز اليوسف عدد 23 أكتوبر 1946. (11) هيكل: حوار جرى بيني وبينه في الساحل الشمالي في صيف 1999. (12) سعيد عبده: المرجع السابق: ص 192. (13) المرج السابق: ص 213.