عندما عقدت أول انتخابات برلمانية في السودان في عهد الديمقراطية الثالثة عام 1986 كان من اكبر مفاجآتها رفض (الحركة الشعبية لتحرير السودان) بقيادة جون قرنق خوض المنافسة. اكثر من ذلك سعت الحركة الى تعطيل العملية الانتخابية بتصعيد القتال في جميع انحاء الجنوب. حينئذ كان هذا المسلك مثيرا لدهشة قطاعات النخبة المثقفة في شمال السودان, فقد كان توقع الجميع مركزا على انه بزوال عهد نميري فإن حركة قرنق سوف تلقي السلاح لتتحول الى حزب سياسي يدخل حلبة المعترك الديمقراطي لتتعامل بالأساليب السلمية المتاحة. لكن الدهشة زالت لاحقا عندما اكتشف قسم كبير من الشماليين والجنوبيين على حد سواء ان الحركة ليست سوى تنظيم قبلي ضيق الاطار. ولأن الولاء السياسي في جنوب السودان لا يعتمد الا على الانتماء القبلي حتى بين صفوف المثقفين الجنوبيين فإن قرنق يدرك ان حركته لو طرحت نفسها انتخابيا فإنها لن تحقق انتصارا يوازي وزنها كقوة تفرض نفسها على المشهد السياسي الجنوبي بقوة الحديد والنار. هذا يقودنا بدوره الى طرح التساؤل الاكبر: هل حقا يمثل (التجمع) المعارض بتركيبته الراهنة الشعب السوداني كما يرد من حين لآخر في بياناته وتصريحات قادته؟ ان ما ينطبق على حركة قرنق كتنظيم لا يمثل شعب جنوب السودان الا جزئيا ينسحب ايضا على الفصائل الاخرى داخل (التجمع) . ابتداء يجب ان نعيد الى الذهن ان هناك ثلاث قوى حزبية رئيسية في الساحة السياسية السودانية.. اكبرها, وفقا لنتائج انتخابات 86, (حزب الامة) ويليه (الحزب الاتحادي الديمقراطي) الذي يليه حزب (الجبهة القومية الاسلامية) . (حزب الامة) و(الجبهة) ليسا عضوين في (التجمع) : الاول انشق وخرج.. والثاني لم يكن اصلا وبطبيعة الحال عضوا. ماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة ان ثلثي القوة الجماهيرية الحزبية في السودان ليست ممثلة في (التجمع) اضف الى ذلك ان (الحزب الاتحادي الديمقراطي) منقسم على نفسه بحيث ان شقا منه, ويتزعمه الشريف زين العابدين الهندي, يتخذ موقف مقاطعة كاملة ضد (التجمع) فكيف.. وعلى اي اساس.. يدعى التجمع انه يمثل الشعب السوداني؟ اضافة الى القوى الرئيسية الثلاث داخل التجمع هناك تنظيمات ثانوية اثقلها وزنا ـ والحديث في هذا السياق نسبي ـ الحزب الشيوعي. ورغم انه كان لهذا الحزب قاعدة شعبية محترمة من حيث الكم والكيف معا الا انه مع حلول الديمقراطية الثالثة (1986 ـ 1989) لم يعد هذا التنظيم العريق الا شبحا لذاتيته الضيقة. ظهرت هذه الحقيقة بصورة درامية في انتخابات 86, حيث ان حصيلة الحزب من المقاعد البرلمانية كانت مقعدا واحدا فقط. وحتى مرشحه اليتيم الذي فاز بالمقعد كان جنوبيا صوت له اهل دائرته في جنوب السودان بحكم الانتماء القبلي لا بحكم التزام ماركس. من القوى الثانوية ايضا في التجمع تنظيم قتالي متواضع بزعامة العميد عبدالعزيز خالد.. وهو في الحقيقة الفرع الشمالي لحركة قرنق وتنظيم جهوي يطلق على نفسه (مؤتمر البجا) وغيرها. هذه التنظيمات الثانوية هي جميعا آخر من يرغب في العودة الى السودان لدخول تجربة المنافسة الحرة في اطار نظام ديمقراطي تعددي لأنها بلا وزن جماهيري على الاطلاق. صفوة القول ان (التجمع) هو في حقيقته تنظيم (الحركة الشعبية لتحرير السودان) ومن ورائها الولايات المتحدة. حركة قرنق هي القاطرة التي تجر وراءها عربات. وقادة الفصائل الاخرى ارتضوا لانفسهم ان تكون فصائلهم مجرد عربات مجرورة لأن ممارسة المعارضة من الخارج بتمويل من قوة عظمى صارت تجارة عظيمة الربح. وعلى هذا المنوال فإن (التجمع) السوداني لا يختلف جوهريا عن رصيفه تجمع المعارضة العراقية في الخارج.