لم تكن الاوطان يوماً مجرد علم ملون نهتف له في طابور الصباح عندما نكون طلابا وننسى بعد ذلك العلم والنشيد والتضاريس فلا نتذكر سوى مصالحنا واستثماراتنا وارصدتنا البنكية. ولم تكن الاوطان يوماً فنادق فاخرة ذات خمسة نجوم, فإذا ساءت الخدمة فيها, أو تعطلت المصاعد أو انطفأت الكهرباء, بحثنا عن فنادق اخرى أو اوطان اخرى, بعد ان نكون قد جرَّدنا تلك الفنادق من كل ممتلكاتها, وسرقنا كل خدماتها الفاخرة, وركضنا بعيداً نبحث عن راحتنا في أماكن اخرى. ولم تكن الاوطان يوماً شركات سياحية مشبوهة, تجلب المزيد من الفتيات والنساء ممن تصدرهن بلاد القلاقل والفقر والاضطرابات والحروب الاهلية لبيع المتع المحرمة, ونشر الامراض والرذائل, ولم تخلق الاوطان لتكون اقطاعيات خاصة لاناس بعينهم يتصرفون فيها كما يشاءون, فيبيعون ويشترون وكأن الوطن, لا يعني أكثر من محل بقالة. ان قضية الشركات السياحية التي كشفت عنها السلطات الامنية في دبي واتهمتها بممارسة الرذيلة, ليست سوى شكل من اشكال بيع الوطن بدم بارد! وهي ليست جريمة عادية أو حتى اخلاقية, انها جريمة ضد الانسانية وضد حقوق الانسان, ففي هذا الوطن حقوق وحرمات وقيم واجيال, تعرض في سوق الرذيلة بمنتهى البساطة فيبيعونهم الموت وكأنهم يمارسون تجارة بيع الايسكريم أو الشيكولاتة. ان هؤلاء الممتلئين جشعا وحقداً على أمننا وسلامتنا ونقاء اخلاقياتنا والخير الذي منَّ الله به علينا, لا يمكن استنكار الاذى الذي قد يأتينا منهم, لكن المؤسف والدافع للغضب ان يساعد المواطن في تدمير بلاده, وان تتهاون الجهات المعنية في تطبيق قوانين الرقابة والتفتيش والمتابعة. ان تجارة الرخص واستصدار تأشيرات الزيارة بالآلاف تحت شعار السياحة المشبوهة, وترك الرخصة التجارية لمن بيعت له أو استأجرها يفعل مايشاء, وبتفويض أو تنازل من المواطن مقابل الكثير أو القليل من الدراهم, اضافة لغيرها من الخروقات والثغرات هي ما يجب ان تقف منه الجهات المسئولة موقف الحزم, لان كلاماً في هذا المقام قد تردد الاف المرات على ألسنة وأقلام الكثير من الكتاب, والحريصين من شباب هذا الوطن, لكن للاسف كل ما قيل حملته الرياح وبعثرته بعيدا, دون ان يسمعه احد ممن يجب ان يسمع ويدقق ويقرر فيما فيه مصلحة هذا الوطن. ان البادرة التي وجه بها سمو ولي عهد دبي للسلطات الامنية, والقيام بالقبض على هذه الشبكة الواسعة تستدعي مزيدا من الاجراءات والمتابعات, وكشف الشركات الاخرى والفنادق, والشقق والاشخاص الذين يديرون هذه الشبكات من خلف أستار المراكز والاموال والمظاهر الخادعة. لا نريد وطنا يسرقه الجميع ويشارك ابناؤه في ذلك, ولا نريد وطنا يمنحنا كل هذا الحب والعطاء, ثم نكافئة بالغدر والنكران ونحرقه هكذا على مرأى الجميع لنصنع على نيران حرائقه مزيداً من الموائد التي نسد بها شراهتنا وجوعنا اللامنطقي للمال والمصالح. فالوطن احلى أحياناً من وجه الحبيب واكثر دفئا من حضن الوالدة.. أفيستحق كل هذه الصفعات؟!