ما الذي أغرى أولئك القادمين من الغرب بالايغال في صحراء تلهب رمالها الأقدام وتحرق شمسها الوجوه وتخترق رياحها الحارة الجافة مسام الجلود فتحيلها من الإحمرار إلى السواد؟ سؤال منطقي يطرح نفسه كثيرا علينا ونحن نقرأ سير أولئك الرحالة الغربيين الذين جابوا بلادنا شرقا وغربا على مدى عقود من الزمن امتدت قرونا, واختلف الدارسون في وصفهم.. فكان من لم يتردد في نعتهم بالجواسيس, وكان من عزا رحلاتهم إلى حب المغامرة والترحال والاكتشاف, وأورد البعض أغراضا علمية لهذه الرحلات تمثلت في رصد الحياة الحيوانية والنباتية على اليابسة وفي البحار, ورصد الحالة الاجتماعية في المجتمعات العربية والاطلاع على العادات والتقاليد, ورسم خرائط لمناطق ظلت لفترة من الزمن مجهولة بالنسبة لهم أو تحديث هذه المعلومات والخرائط لأغراض ليست بالضرورة علمية خالصة. ولئن كان بعض هؤلاء الرحالة قد كشفوا عن أسباب اختيارهم لهذا النوع من الحياة ـ على ما يحمله من مخاطر لا حصر لها ـ فإن فريقا آخر قد اكتنف الغموض أسباب إقدامهم على خوض غمار هذه المغامرة غير مأمونة العواقب خاصة وأن عددا منهم قد قضى نحبه خلال هذه الرحلات لأسباب كان أغلبها الأمراض التي كانت تتفشى على شكل أوبئة كالطاعون والجدري وغيرهما. ولا أدل على ذلك من تلك الحملة التي وجهها فردريك الخامس ملك الدانمارك لاستكشاف شبه الجزيرة العربية بتشجيع من العالم الموسوعي يوهان ميخاليس جونيتجين بعد أن أعدوا لها على مدى خمس سنوات ستة أشخاص ذوي اختصاصات مختلفة, فكان منهم المتخصص في علم اللغات, وكان منهم الطبيب وعالم الطبيعيات والرسام والجندي.. وكان ضمن الفريق كاستن نيبهر الذي تم تأهيله ليكون مساحا وكان مولعا بالرياضيات والهندسة الميكانيكية وملما بطرف من اللغة العربية. وقد لقي رفاقه الخمسة حتفهم بسبب الملاريا التي أصيبوا بها في اليمن ليبدأ نيبهر وحده رحلة العودة, وليسجل نيابة عن زملائه ما أنجزته البعثة في كتاب سماه (وصف الجزيرة العربية) ليعرف الناس في أوروبا لأول مرة أشياء عن العرب وأهل البادية لم تكن معروفة لهم من قبل, إذ أتيح لهم من خلال هذا الكتاب معرفة ما يرتدي العرب وما يأكلون وكيف يبنون بيوتهم وتفاصيل أخرى ما كان لهم أن يعرفوها لولا تلك الرحلة التي لم يعد منها سوى فرد واحد من أولئك المغامرين الستة الذين انطلقوا لتحقيقها. ولعل أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الرحالة الذين كان الشرق العربي الإسلامي وجهتهم شخصية توماس إدوارد لورنس الذي عرف بـ (لورنس العرب) ذلك المغامر والجندي والباحث البريطاني الذي بدأت رحلته بانضمامه إلى بعثة بريطانية للتنقيب عن الآثار في بلاد ما بين النهرين عام 1911 لتمتد اقامته بالأقطار العربية دارسا للغة الدارجة حتى عام 1914 ويلتحق بقسم المخابرات بالجيش البريطاني بمصر عند إعلان الحرب العالمية الأولى, وينضم بعد ذلك إلى القوات العربية المحاربة بقيادة فيصل بن الحسين عام 1916 ليوقد جذوة الثورة ضد الحكم التركي ويعمل في قطع سكة حديد المدينة ـ دمشق, ثم يقود الجنود العرب لاحتلال مدينة العقبة ويدخل بجنوده أولئك دمشق عام 1918 قبل أن يحتلها (اللنبي) .. وعندما خابت أماني العرب في مؤتمر فرساي انضم إلى القوات الجوية البريطانية باسم مستعار هو (رس) . وبعد هذه الحياة الحافلة قام (لورنس العرب) بتسجيل خلاصة هذه التجربة التي امتدت خمسة عشر عاما في كتاب شهير سماه (أعمدة الحكم السبعة) ليصبح كتابه هذا مرجعا مهما في الغرب لكل من يريد أن يفهم الشخصية العربية من وجهة النظر الغربية, وربما كانت هذه هي المهمة التي نذر لورنس نفسه لها وخاض المعارك الحربية من أجل انجازها كي يضع نتائجها بين يدي المهتمين من بني جلدته الذين كان العالم العربي وما زال قبلة لمطامعهم المادية والدينية منذ أيام الحروب الصليبية الأولى وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولم يكتف لورنس العرب بأعمدة الحكم السبعة الذي ألفه عام 1926 فبادر إلى نشر مذكراته عام 1927 وأطلق عليها اسم (ثورة في الصحراء) وبعد هذه الحياة الحافلة المحفوفة بالمخاطر كانت نهايته بحادث اصطدام سيارة بدراجته البخارية عام 1935. الغريب أيضا ان اغراء اكتشاف الشرق لم يقتصر على الرجال فقط, إذ طال عددا لا بأس به من النساء اللواتي سجلن أسماءهن في قائمة الرحالة في خطوة كسرن بها احتكار الرجال لهذا النوع من المغامرة.. نذكر منهن على سبيل المثال الكونتيسة مالمينياشي التي زارت الحجاز بعد الحرب العالمية الأولى وألفت عن رحلتها كتابا, والليدي ايفلين كوبولد التي زعمت انها أول أوروبية أدت مناسك الحج كاملة, ويبدو انها ـ كما يقول عنها روبين بيدول مؤلف كتاب (مسافرون في بلاد العرب) ـ استمتعت بوقتها كثيرا, وعقدت صداقات مع العديد من سيدات المجتمع الراقي, ومن هنا فإن مكة الوثيرة الفخمة التي تتحدث عنها شيء مختلف تماما عمّا رواه الرحالة الآخرون. أما أقرب الرحالة إلى قلوبنا فهو البريطاني ويلفريد تيسيجر المعروف باسم (مبارك بن لندن) الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية ليقوم بعبور صحراء الربع الخالي بين عامي 1946 و1950 بادئا من صلالة إلى ليوا ومنها في طريق شبه دائرية إلى المكلا. وقد رافقته في هذه الرحلة قافلة مكونة من 24 رجلا اضطر توفيرا للماء والطعام إلى تقليص عدد أفرادها بحيث أصبحوا أربعة من الامارات أبلوا معه بلاء حسنا وكانوا من المتمرسين في عبور الصحراء, وقد سبق لأحدهم أن اجتاز الربع الخالي وحيداً دون مرافق. وكانت صحبة هؤلاء الرجال ومحاولة فهمهم ـ كما يقول تيسيجر ـ أهم ما يعنيه من رحلته. وقد أحس بانجذاب حقيقي نحوهم وتعاطف وجداني مع أسلوبهم في الحياة. وعندما ألّف تيسيجر كتابا عن سيرته الذاتية اختار له عنوانا معبرا عن دوافعه لارتياد الصحراء حيث أطلق عليه اسم (حياة من اختياري) في اشارة واضحة للهدف الذي سعى إليه عندما اختار حياة التجوال والتنقل بعد أن أرهقته حياة المدينة فهرب منها إلى الصفاء والنقاء والطبيعة البكر حيث يتعامل الناس على سجيتهم إذ لم تلوثهم بعد المدنية بكل ما أتت به.. وإلى ذلك يشير صراحة إذ يقول: (كم كنت أحنّ إلى الماضي وأكره الحاضر وأرتعد من المستقبل. بينما ناقتي تتأرجح بي ساعة بعد ساعة وهي تزحف للأمام ببطء كأنما ترتقي سلما في اتجاه أفق يصعب تحديد خيوطه) . ثم يمضي في صراحته إلى أقصى حد وهو يقوِّم نتائج رحلته ـ أو رحلة حياته على الأرجح ـ بقوله: (ومع ذلك فقد تبدو رحلاتي للآخرين وكأن لا أهمية تذكر لها, فهي لا تقدم أكثر من خريطة دقيقة لا يحتمل في الغالب أن يستخدمها أحد. إنها مجرد تجربة شخصية, وكانت مكافأتي كأسا من الماء النقي لا طعم له ولا رائحة وأنا قانع بذلك راض تمام الرضا) . وهكذا أوغل في صحرائنا على مدى قرون من الزمن عشرات وربما مئات من المكتشفين لأسباب علمنا بعضها ولم نعلم البعض الآخر, وسجل العديد منهم ـ ممن كتبت لهم النجاة ـ انطباعاتهم عن الأرض والبشر الذين عاشوا عليها.. وقد جاءت هذه الانطباعات مختلفة ومتباينة. ولئن كان قد توفرت للسابقين ظروف خلقت لهم جو الاثارة الذي كانوا ينشدون فإن هذه الظروف لن تتوفر للذين يفكرون في ارتياد تلك الصحاري والدروب مرة أخرى, ذلك لان الكثيرين ـ كما يقول تيسيجر ـ سيأتون لدراسة الجزيرة, ولكنهم سيأتون ويتنقلون بالسيارات, وسيظلون متصلين عن قرب بالعالم الخارجي عن طريق الراديو ـ لم تكن الهواتف النقالة قد ظهرت بعد حين قال ذلك ـ وقد يعودون بمعلومات عظيمة القيمة, أعظم قيمة مما فعلت, ولكنهم لن يعرفوا أبدا روح هذه الأرض ولا عظمة العرب. إنها شهادة من رحالة ومكتشف أوروبي منصف جاء إلى هذه الأرض قبل أكثر من نصف قرن هربا من واقع كان أقل وطأة في عالمه في ذلك الوقت منه الآن.. وقد ظل محتفظا بالرأي نفسه لا يتراجع عنه وهو يحتفل بتجاوزه التسعين عاما قبل أيام مقدما لنا الجواب الشافي للسؤال الذي طرحناه في البداية.. وإنه لعمري جواب ينسينا كل إساءات الحاقدين وأكاذيبهم.