كان هيكل يحلم بمكان في السماء, ليناطح السحاب, ويواجه الشمس, ويمد يده ليلتقط خيوط الضوء المنبعثة من النجوم, او ليشرب من حليبها الصافي اللامع, وربما لهذا السبب كانت اولى امنياته ان يكون طيارا, لكنه تنازل عن هذه الامنية, كما تنازل عن امنية ان يكون نجما في ملاعب الكرة, وراح يتصور نفسه طبيبا مشهورا, وقد قال فيما بعد: انه يجد نفسه في ابنه الاكبر (علي) الذي عمل طبيبا واستاذا مساعدا في كلية (قصر العيني) لكن طريق الطب يبتعد كثيرا عن طريق مدرسة التجارة المتوسطة التي تخرج فيها, بل ان طريق مدرسة التجارة المتوسطة بدا له منتهيا بجدار سميك, مسدود, لا يوصله لحلم واحد من احلامه العريضة. وقد حاول هيكل تجاوز هذا الجدار والقفز فوقه ليصل الى عالم آخر تصور نفسه فيه, ومن ثم لم يتردد في الاستفادة من اول فرصة واتته لذلك, وقد جاءته هذه الفرصة في القسم الحر في الجامعة الامريكية الذي كان يدرس فيه, فقد كان متاحا لطلاب الدراسات الحرة حضور محاضرات (سكوت واطسون) وكان صحافيا في (الاجيبشان جازيت) , اكبر الصحف الاجنبية في مصر, في تلك الفترة, في بداية الاربعينيات, بالتحديد في عام 1942 وكانت مصر تعيش سنوات الحرب العالمية الثانية, وكانت (الاجيبشيان جازيت) تصدر عن شركة (الاعلانات الشرقية) التي تملكها عائلة (ازوالد فيني) وكانت توزع حوالي 250 ألف نسخة, وكانت جزءا من شبكة اعلام الحرب التي يسيطر عليها البريطانيون مثل محطة اذاعة (الشرق الادنى) . كان هيكل من بين الجالسين امام سكوت واطسون يستمع لمحاضرة عن (عناصر الخبر) عندما وجده يتطرق من موضوع المحاضرة الى ذكرياته في تغطية الحرب الاهلية الاسبانية, تلك الحرب التي انقسمت اوروبا بعدها بين الفاشية والديمقراطية, وعبر عنها بيكاسو في لوحته الشهيرة (الجرينكا) , ورصدها فيما بعد رفيق الرئيس شارل ديجول واديب فرنسا ووزير ثقافتها اللامع (اندريا مالرو) في رواية (الامل) واغلب الظن ان سكوت واطسون كان اميل للفكر اليساري, لكن ما جذب هيكل اليه قدرته على عرض معالم هذه الحرب وتضاريسها بما يشبه الملحمة, وهو ما جعل هيكل يعرف من اول لحظة ان الاسلوب المميز للصحافي لا يقل اهمية عن المعلومات والخبرات التي يحصل عليها, وهو ما جعله قبل ذلك يستمع اليه في انبهار وخشوع, وحين ختم سكوت واطسون محاضرته وجه دعوة لمن يريد ان يتدرب عمليا على الصحافة ان يلقاه في مكتبه في (الاجيبشيان جازيت) وفي اليوم التالي, وقبل ان يصل هو الى مكتبه كان اربعة ممن استمعوا لمحاضرته يلبون الدعوة, وينتظرونه, هم محمد حسنين هيكل, وميخائيل فلتس, واكرام عبدالمجيد, ويوسف صباغ.(1) ان هذه الفرصة التي سارع هيكل بالتقاطها لم تنقذه فقط من حيرته الشخصية والعملية وانما وضعته على اول الطريق ليحدد مصيره, ولم تكن الفرصة هينة, فصحيفة (الاجيبشيان جازيت) ـ التي كان رئيس تحريرها هارولد ايرل وهو في الوقت نفسه مراسل (المانشستر جارديان) البريطانية في مصر ـ كانت (ورشة) للخبرة الصحافية في وقت الحرب, فيها ألمع الكتاب والصحافيين, وكانت محطة لكل المراسلين الذين جاءوا لتغطية اخبار الحرب, كان يكتب افتتاحيتها بجانب عمود ساخر فيها الاديب لورانس اورويل مؤلف (رباعية الاسكندرية) وقد جاء هاربا هو وزوجته نانسي وطفلتهما بينيلوبى من وطنهم الاصلي, مدينة كلاماتا في جنوبي اليونان في ابريل 1941 بعد ان دخلت احذية الالمان الثقيلة اثينا, فأبحر في زورق لنقل البضائع من كريت الى الاسكندرية, وقد ساهم في تأسيس مجلة (برسونال لاند سكيب) او (المنظر الشخصي) وكانت اقوى مجلة ادبية في مصر في زمن الحرب, ولكن على الرغم من ذلك لم يكن داريل على مايبدو مستريحا في مصر, فقد وصفها في تلك الايام لتامبي موتو رئيس تحرير مجلة (الشعر) الانجليزية قائلا: (ان عواصف الغبار هي التي تنبىء بمقدم الربيع بينما يأتي الصيف على جناح موجة من الرطوبة لدرجة تتفتح معها عروق الدم في جسم الانسان بل وتمتلىء بالمياه وان كان كتب المرء قصائد هنا فلن تعدو ان تكون مجرد اقماع من الكوسة او القرع(2). وكان يعمل في الصحيفة مصححا للغة الكاتب البريطاني جورج اورويل مؤلف الرواية الشهيرة (مزرعة الحيوانات) التي حاكمت النظام الشيوعي, والكسندر كليفورد مراسل (الديلي ميل) اما اول مراسلة صحافية جاءت لتغطية اخبار الحرب في شمال افريقيا ومرت على محطة (الاجيبشيان جازيت) فهي ايف كوري ابنة العالمين الفرنسيين بيير وماري كوري (مكتشفة اليورانيوم والحاصلة على جائزة نوبل) وقد وصلت القاهرة في نوفمبر 1941. ان هذه الاسماء التي لمعت فيما بعد في الادب والصحافة على مستوى الدنيا كلها كانت خلفية المسرح الصحافي الاول الذي وجد هيكل نفسه على خشبته, وكان عمره حوالي 19 سنة, وان لم يكن يعرف اهميتهم بعد, ولم يكن صعبا في جو الحرب السائد ان تفتح كل الطرق السريعة امام الاجيال الشابة, فهذه هي طبيعة الحروب, يصنعها الشباب وتصنعهم, في انتظار السلام الذي يوقعه الكبار, من دون ان يوقفوا التغير الذي يحدث اجباريا بعد الحرب, بل لم يكن صعبا في جو الحرب السائد ان يعيش هيكل في مسرح اكبر كانت الاحداث والتغيرات بل والخرافات فيه متلاحقة, مسرح الحياة في مصر في تلك الفترة الانقلابية من التاريخ الحديث. فوران لقد وصف هيكل مصر في تلك الفترة بأنها (كانت في حالة فوران) حالة فوران ترتفع احيانا الى درجة الغليان, ثم يهدأ البخار, وتعود الفقاقيع الى الظهور على سطح الحياة تنبىء بأشياء تجري عند القاع وتتفاعل, افكار وتيارات وقوى ومصالح تحتك ببعضها وتصطدم احيانا وتحدث من اثر ذلك شحنات تتراوح حركتها وطاقتها وتتفاوت بمقدار ما تتأثر بما يجري على السطح من افعال وردود افعال (3). كان جو القاهرة في تلك الايام معجزة من معجزات التاريخ لا تتكرر بسهولة, كان البحر الابيض هو بؤرة الحرب, واصبحت القاهرة بشكل ما عاصمة الحرب وعاصمة العالم, كانت كل عواصم الشمال الكبرى في اوروبا (لندن وباريس وروما وغيرها) مكشوفة لحريق القنابل او مكبوتة بظلام الاحتلال, والقاهرة وحدها في مركز فريد, قريبة من مركز الحرب بدرجة كافية, وبعيدة في الوقت نفسه عنه بدرجة كافية, واصبحت ملتقى النخب من كل نوع: قادة الحرب في السياسة وفي ميادين القتال يعيدون بقراراتهم كتابة المقادير, صحافيون ومراسلون رفعتهم الكلمة الى مصاف النجوم, كتاب ومفكرون وفنانون ولاجئون وثوار من كل جنس ومذهب واتجاه يحلمون بعالم جديد بعد الحرب ويظنون انهم يرونه في لحظة الخلق الاولى هناك عند الينابيع المقدسة التي طهرتها النار. ولم يكن هيكل يعيش في هذا الجو فقط, ولكن كما يقول: (كنت آكله واشربه واصحو به وانام, وكان النوم عزيزا في تلك الايام, فقد كنت اشعر شعورا غامرا ان المقادير اتاحت لي ان اكون وسط لحظة تاريخية لا تعوض, لم نكن نستطيع ان نذهب الى العالم وهذا هو العالم يجيء الينا بحروفه وكلماته, بكتبه واناشيده بأفكاره وأحلامه وأوهامه ايضا (4). ويقول هيكل: ان الحرب غيرت كل موازين القوى العالمية والاقليمية المحيطة بمصر, ونقلت الشرق الاوسط من حضن امبراطوريتين لحقت بهما الشيخوخة (هما بريطانيا وفرنسا) ووضعته في قلب الاستراتيجيات العالمية حيث دخلت الى حلبة الصراع امبراطوريتان في عنفوان القوة بالموارد والعقائد (هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) وكانت الحرب ايضا قد جعلت مصر ساحة من اهم ساحات القتال, وعلى ارضها دارت واحدة من اشهر معاركه, وهي معركة العلمين, وتدفقت على الارض المصرية جيوش كان دخولها كلهيب هبوب العواصف, ودارت مواقع مشهورة ارتجت تحتها كل الارض كأنما اصابها الزلزال, وسالت دماء كثيرة كأنهار من النار فيها كتل من الحديد) . ويستطرد: ولم تكن الجيوش الزاحفة والمعارك الدائرة وانهار الدم السائل مجرد حركة واصوات وألوان, وانما كانت جميعا رموزا لصراع عالمي هائل ومهيب لايكتفي بتسوية حسابات مرحلة من مراحل التاريخ مضت وانما يفتح الباب لمرحلة من التاريخ تجيء.. مزدحمة على الآخر بمجموعات قيم جديدة ومبادىء واتجاهات ومواقف ومطالب كانت هي في الواقع دافع الحرب ووقودها) . ايام المخاض كان عدد سكان القاهرة لايزيد عن نصف المليون, اضيف اليهم حوالي 140 ألف جندي اجنبي جاءوا من اربعة انحاء الامبراطورية البريطانية (الزي الاساسي كان القميص الكاكي وطاقية رقيقة كانت تسمى (طاقية الجبهة) ثم شورت طويل منتفخ يصل حتى الركبة, وشهدت شوارع القاهرة ايضا ما يرتديه البولنديون ويسمى ذاباكا, اما الاستراليون فكانوا يرتدون قبعات عريضة بينما ارتدى النيوزيلنديون قبعات منتفخة مثل واقيات الشمس وتباينت اغطية الرأس عند الهنود كي تدل على الطائفة والديانة التي ينتمي اليها لابسوها) (5). كان مقر قيادة الجيش البريطاني وقت الحرب في فندق سميراميس ثم توسع المقر ليشمل عمارة بنيت حديثا هي عمارة (جراي بيرلارز) في حي جاردن سيتي بالقرب من شارع قصر العيني, وفي شقة من هذه العمارة لحن محمد عبدالوهاب احدى قصائد احمد شوقي لتصبح الاغنية الرسمية لجيوش الحلفاء الموجودة في مصر كانت الاغنية تقول: (اعلى الممالك ما كرسيه الماء.. وما سياساته بالحق شماء.. يا جيرة المانش حلاكم قوتكم.. مالم يطوق به الاباء والابناء) . وكانت حياة النخبة في القاهرة ـ سواء على المستوى الاجتماعي او التجاري او السياسي ـ تعيش في دائرة لايزيد قطرها عن ميل مربع, ومركزها ميدان اسماعيل باشا او التحرير فيما بعد, وعلى محورها او في داخلها المركز التجاري للمدينة والبرلمان وقصر عابدين والبنوك ودور السينما والسفارة البريطانية والفنادق وبيوت الاثرياء وكانوا خليطا من جاليات وعائلات مختلفة من المسلمين والاقباط واليهود والمسيحيين الشوام فضلا عن الوافدين من حوض البحر المتوسط وعلى الرغم من الاحتلال الانجليزي فان اللغة الارستقراطية كانت اللغة الفرنسية. وربما لاهمية اللغات الاجنبية على هذا النحو سارع هيكل مبكرا في تعلمها بل اكثر من ذلك سعى مبكرا للقراءة بهذه اللغات كي تزيد معرفته وثقافته ومصادره الصحافية, وفيما بعد في عام 1944 كتب ابراهيم الورداني ـ وكان رفيق ايام اولي لهيكل في الصحافة ـ انه اي هيكل (كثيرا ما ارهقني بوقفة الساعات امام فاترينة الانجلو والهاشيت (اشهر مكتبات وقتها) يقلب في المجلات والصحف الافرنجية وانفاسه تلهث لو يقدر فيشتريها, او لو يسافر وينضم لبلادها) ان هيكل قد اكتشف مبكرا اهمية هذا المصدر المتميز من مصادر المعرفة الصحافية, وهو ما جعله مختلفا عن رفاقه الذين يصف احدهم الوقوف امام المكتبات الافرنجية بأنه ارهاق, وحتى اليوم مازال هيكل يحرص على قراءة الصحف العالمية يوميا, وربما كان الاسرع في الحصول على اهم الكتب التي تصدر في لندن وواشنطن ودلهي, وفي كل مكان يعيش فيه تجد مكتبة تضم صفوفا من هذه الكتب التي اثرت ولاشك في طريقته في كتابة مقالاته وكتبه. وفي هذا الجو المشحون بالمفاجآت والتحولات ظهرت المدرسة الهتلرية في الاعلام, وهي المدرسة التي برع فيها وزير الدعاية النازية جوزيف جوبلز, ومهما كان الرأي الآن في سقوط هذه المدرسة ـ التي تعتمد على الحشد والتعبئة ـ فانه لايمكن انكار انها كانت مدرسة مؤثرة في وقت ظهورها, بل ومتفوقة على المدرسة الغربية التقليدية التي كانت تكتفي بنشر ما تسمح به الرقابة العسكرية, وتحجب ما دون ذلك. لقد انتشرت الاذاعة الالمانية الناطقة بالعربية في عام 1936 بينما لم تبدأ الاذاعة البريطانية الناطقة بالعربية الا في عام 1938 ونجحت الاذاعة الالمانية في الوصول لقطاعات عريضة من المصريين لانها كانت تبث ارسالها على ترددات من السهل على اي جهاز راديو عادي التقاطها, ولانها كانت تبث قدرا كبيرا من الموسيقى والغناء, ولانها اعتمدت على مذيعين بارعين, كان اشهرهم المذيع العراقي يونس بحري, ولانها كانت تحرض المصريين على مقاومة المحتل البريطاني وتتهمه بالعدوانية والاغتصاب, وتؤكد ان دول المحور هي دول صديقة للعرب, وسوف تساعدهم على التخلص من الاستعمار البريطاني والفرنسي, اما الاذاعة البريطانية فكانت تهتم بجمهور اعلى ثقافة, كما كانت برامجها تبث في فترة قصيرة, وبالمقارنة مع (راديو برلين) كانت منمقة وارستقراطية, بل انها كانت تقدم برامج ثقيلة الظل من عينة (مرض السل بين قطعان البقر البريطاني) ويقول كاتب بريطاني عاش تلك الايام في القاهرة, هو جون كونيل في كتابه (المنزل الواقع عند بوابة هيرد) : (لقد استخدمت بريطانيا فكرة القومية العربية للاطاحة بالامبراطورية العثمانية, وها هي دول المحور تستخدم القومية العربية ايضا للاطاحة ببريطانيا) (6). لقد كانت الدنيا تتعارك وتتصارع وتتغير بينما هيكل يخطو خطواته الاولى في الصحافة, وكأن المخاض العام والمخاض الخاص على وشك ان يلتقيا بحثا عن مستقبل جديد لمصر, والمستقبل الجديد في حاجة لوجوه جديدة. المهمة الأولى بدأ هيكل عمله في الإجيبشيان جازيت (مساعد مخبر صحافي ) في 8 فبراير 1942 بعد أربعة أيام فقط من حادث 4 فبراير 1942 الذي كان يوم اربعاء يتسم بالسواد والعار. فقد هدد السفير البريطاني سير مايلز لامبسون الملك فاروق بإقالته لو لم يأت بحكومة جديدة للوفد يرأسها مصطفى النحاس باشا, وحاصرت الدبابات قصر عابدين ومعها 600 جندي بكامل اسلحتهم, ولم يكن امام الملك فاروق سوى القبول, في هذه الظروف السياسية غير العادية بدأ هيكل حياته الصحافية, وان كان دوره في تلك الأيام هو العمل في قسم المحليات الذي كان يرأسه مصري, ممتلىء, أسمر, صعيدي من اسيوط, يمت بصلة قرابة لمكرم عبيد, هو فليب حنين, وهو على حد وصف هيكل لي (شخصية جذابة) وفيما بعد اصبح ابنه فؤاد سكرتيراً لهيكل في (اخبار اليوم) وفيما بعد ايضا, في 8 فبراير 1962 حضر فليب حنين احتفال (الاهرام) بمناسبة مرور 20 عاما على اشتغال هيكل في (الإجيبشيان جازيت) لقد أصبح التلميذ استاذا, واصبح الاستاذ ضيفا مكرما ومجهولا معا. في قسم المحليات اختار هيكل تغطية اخبار الحوادث. ان الجريمة كما يكرر دائما هي ذروة المأساة الإنسانية, والخوض في تفاصيلها يمنح مخزونا من التجارب والتفاسير لسلوك البشر لا تمنحه اقوى الروايات الابداعية مهما كانت واقعية, كما ان تغطية اخبار الجريمة هي البداية التقليدية لمعظم الصحافيين, وقد فرضت هذه التغطية على هيكل أن يتردد بانتظام على مبنى (المحافظة) وهو الاسم الذي كان شائعاً في ذلك الوقت لمقر قيادة بوليس القاهرة, والاقتراب من حكمدارها, الرجل القوي توماس راسل باشا الذي ذاعت شهرته بعد ان سحق تجارة المخدرات في مصر فيما بعد, في عام ,1946 وكان آخر موظف بريطاني يعمل في السلك المدني المصري, وكان طويل القامة, ممشوقا, مهذبا, صارما, لا يتردد في الاستمتاع بمباهج الحياة. وكان واحدا من أربعة عشاق عرفتهم وكتبت عنهم (مريام فوجت) زوجة المستشار النرويجي في القاهرة في كتابها (قصة حب) ويقال أن (دورسيا) زوجة راسل باشا عندما اكتشفت خيانته لم تكن لتسمح له بمغادرة البيت وهو يحمل من المال أكثر من عشرين قرشا في جيبه, إلا أن (هناك من زعم ان الزوجة ربما شعرت بالارتياح اذ اكتشفت ان حيوية ما مازالت تسري في اوصال الثعلب العجوز) . (7) لم يكن من الصعب الحصول على أخبار الجرائم أول بأول مشكلة صعبة على هيكل ورفاقه وكان من الممكن ان تستمر المهام الصحافية سهلة على هذا المنوال التقليدي, لكن كانت هناك مفاجأة من النوع الثقيل تنتظرهم, لقد ألغى وزير الشئون الاجتماعية في حكومة الوفد عبدالحميد حقي البغاء الرسمي في مصر. واثار القرار غضب الجنود المقاتلين في صفوف الحلفاء, وكان هناك طرف ثالث لم يعرف أحد رأيه هو محترفات هذه المهنة انفسهن وهو مافكر فيه رئيس تحرير (الاجيبشيان جازيت) هارولد إيرل الذي طلب استفتاء بينهن بواسطة استمارات طبع منها 500 نسخة, كان على هيكل ان يملأ 100 استمارة منها وجها لوجه معهن في حيهن, وكان الشرط الاصعب هو ان يحصل على صورة لكل منهن توضع على الاستمارة الخاصة بها حتى تتأكد ادارة التحرير من صدق البيانات الموجودة في الاستمارة. والمؤكد أن المهمة كانت صعبة ومحرجة لهيكل ورفاقه الثلاثة, خاصة اذا ما عرفنا من مذكرات ابراهيم الورداني ان هيكل القادم من (الحسين) و(باب الشعرية) كان خجولاً في تلك الأيام (يتضرج وجهه إحمرارا كلما طلبته فتاة للرقص) فكيف سيذهب الى محترفة لاقدم مهنة في التاريخ ويسألها عن رأيها في قرار إلغاء عملها؟ لكن طموح هيكل ـ الذي وصفه الورداني بأنه حارق للوصول لقمة الصحافة ـ لم يكن يثنيه عن ترك هذه الفرصة تفلت من يده. اقدم مهنة في التاريخ لم يكن هيكل يعرف اين تقع أحياء البغاء في القاهرة, فراح يسأل موظفا يعمل مع ابيه, هو محمود افندي النبوي, وفوجىء هيكل بنظرة من الرجل يوجهها اليه وتتسم بالمكر والخبث, لقد تصور انه مثله مثل الشباب في عمره يبحث عن مثل هذه الأماكن, وعلى الرغم من انه قد دله عليها الا انه راح ووشي به عند ابيه الذي انتقل اليه سوء الظن وسوء الفهم من محمود افندي النبوي ولابد أنه خشي ان تتكرر مأساة ابنه الاكبر مجاهد. كان ابرز هذه الاحياء في (كلوت بك) الواقع شمالي الازبكية مباشرة, ومن سخرية القدر أن الاسم كان تخليدا للرجل الذي ادخل مفاهيم الصحة الحديثة في مصر ايام محمد علي باشا الذي منحه درجة البكوية وهو انطوان بارتليني كلوت, ومن سخرية القدر ان اسم هذا الرجل لا يذكر الا في اشد أحياء العاصمة وضاعة, ويحمل الشارع الذي يوازيه اسم (وش البركة) وكان منافسا له في هذا النوع من المهن. ويروي هيكل لي: انه راح لوش البركة ولم يستطع ان يفتح فمه بكلمة واحدة وعاد بخفي حنين لفليب حنين, ولم يكن هو الوحيد الذي أصابه الفشل, فقد أعلن رفاق التجربة الصحافية الاولى انه (لا أمل) . (8) في اليوم التالي قرر هيكل تكرار المحاولة, وتجرأ واقترب من (واحدة منهن) فتصورت انه زبنون, فلم يتمالك هيكل الموقف, فهرب. وفي اليوم الثالث كانت المحاولة الثالثة, اقترب من (واحدة منهن) وقال لها بأدب شديد: (يا هانم!) وقبل أن يكمل سبته, فقد تصورت انه يسخر منها بكلمة (هانم) وعندما اضاف: إنه صحافي, سبت الصحافة, هكذا لوجه الله, فلم يكن امامه سوى ان يجلس على مقهى في الحي ويطلب زجاجة مياه غازية ماركة (سباتس) ليبلع ريقه, ويجفف عرقه, ووضع الاستمارات التي يحملها على المائدة التي امامه, وراح يسجل ملاحظاته عن المكان على الرغم من ان ذلك ليس هو المطلوب منه, ولمحته (المعلمة) التي تدير المقهى كانت امرأة مفرطة في البدانة وتقوم بعمل سري آخر هو ادارة شبكة من الفتيات. وقد طلبت من (الجرسون) ان يذهب الى ذلك (الافندي) الذي بدا موظفا حكوميا في مهمة رسمية, ولم يكن ذلك غريبا فقد كان الحي يتعرض لموظفين رسميين يأتون لمراجعة الرخص أو للتأكد من اجراء الكشف الطبي الدوري, طلب منه الجرسون ان يتحدث معها فذهب اليها, وعرفت منه اصل الحكاية, فنادت ابنها الذي طلب منه بطاقة تحقيق شخصية تثبت انه صحفي في (الاجيبشيان جازيت) لكن هيكل الذي كان (تحت التمرين) لم يكن يحمل مثل هذه البطاقة, لكنه طلب من (عباس) ان يتصل بالجريدة تليفونيا ويتأكد بنفسه.. وكان الرقم 49000 وهو ما حدث بالفعل, فكان ان امرت المعلمة ان يأخذه عباس إلى فتاة اسمها (إحسان) وساعدته (إحسان) في أن تملأ الفتيات الاستمارات وقدمن له صورهن الفوتوغرافية, ونجحت المهمة, وكان هيكل الوحيد الذي عاد الى الصحيفة ومعه 70 استمارة مكتملة. الدرس الاول في تلك الفترة تعلم هيكل الدرس الأول في حياته الصحافية وهو ان المبالغة في تصوير الاخبار قد تؤدي الى التهلكة, لقد روى هيكل في صفحة (20) من العدد رقم (551) من مجلة (آخر ساعة) (في موضوع مشترك بعنوان الخبر الاول) انه كان يمضي فترة التمرين في إحدى الصحف الأجنبية الكبرى, وأنه كان مندوب الجريدة في دوائر البوليس) . وذات يوم علمت ان هناك مشاجرة تدور في مكان ما من القاهرة, وأسرعت الى مكان الحادث الذي يتلخص في ان جنديا من البوليس ضبط لصا, ولما حاول ان يقبض عليه اسرع اللص وجرى فأطلق الجندي عليه رصاصة ارهبته فسلم نفسه وهذا كل شيء. (هذا كل شيء بالنسبة للقصة نفسها, ولكن هل هناك ما يحتم ان يكون هذا هو كل شيء بالنسبة لي, أعملت الفكر أو قل الخيال, فإذا هذه الحادثة البسيطة تتحول الى معركة عنيفة بين اللصوص وبين البوليس, تطلق فيها مئات الطلقات ويقع أثناءها عشرات الضحايا, تماما كما يحدث في شيكاغو. (وظهرت الحادثة بهذا الشكل في الجريدة, وفي اليوم التالي ذهبت إلى مكتب أتلقى أكاليل الغار فإذا بي اجد جنديا ينتظرني, أوفد من المحافظة خصيصاً ليصحب الكاتب الفاضل الى المحافظة, وهناك تلقاني وكيل الحكمدار ووجه إلي تهمة كانت أبعد ما تكون عن خاطري, تهمة الخيانة العظمى, اما الاسباب فهي أنني أنشر صوراً بعيدة عن الحقائق تسيء الى سمعة الامن وتشكك في استقرار قواعد الطمأنينة وتعطي العالم الخارجي كله صوراً مشوهة عن مصر, وحاولت ان اثبت انني اول من يحرص على سمعة الامن وعلى سمعة الطمأنينة وعلى سمعة الوطن ولكن بلا فائدة. (وأحلت إلى ضابط اتصال انجليزي اسمه الكابتن مورلي ليحقق معي, وبدأت ساعات طويلة من التحقيق.. وبين كل سؤال ووسط كل إجابة يضرب الكابتن مورلي بيده المائدة ويقول بالعربية المكسرة: لازمتو خمسة سنين خبس.. ولم يخرجني من هذا المأزق إلا وعد ضمني فيه ولي أمرى ان اطلق الصحافة طلاقا بائنا.. فلم أعد إليها إلا بمحلل) . وبنجاح هيكل في عمله الصحافي اصبح يتقاضى 12 جنيها وهو ما أتاح له الاستقلال بحياته, والسكن في (بنسيون) مدام (سيمون) مقابل 6 جنيهات يدفعها شهريا للإقامة والإفطار وتلميع الاحذية, وكانت مدام سيمون تعمل في خدمة سيدة ثرية ارستقراطية هي (قوت القلوب الدمرداشية) التي تبرعت وأوقفت الكثير من ممتلكاتها لكلية الطب جامعة عين شمس الآن, وكانت قد تبرعت لخادمتها بشقة 6 حجرات وصالة في شارع (عماد الدين) حولتها الى بنسيون, كان اول مكان يستقل ويستقر فيه هيكل, أما أول شقة أجرها في حياته فكانت في إحدى عمارات (الاوقاف) في شارع (سليمان باشا) أو شارع (طلعت حرب) فيما بعد ثم انتقل الى حي الزمالك بعد ان تزوج, واخيرا استقر على النيل إلى جوار فندق (شيراتون) القاهرة. الـهـوامـش: (1) هيكل: (بين الصحافة والسياسة) مرجع سبق الإشارة اليه ـ ص 24 (2) أرتيمس كوبر: (القاهرة في الحرب العالمية الثانية ـ 1939 ـ 1945) ترجمة محمد الخولي ـ الناشر دار الموقف العربي 1996 ـ ص 193 (3) هيكل: المرجع السابق ص 25 و26 (4) هيكل: المرجع السابق ص 27 (5) أرتيمس كوبر: المرجع السابق ص 143 (6) المرجع السابق: ص 126 (7) ارتيمس كوبر: مرجع سبق الإشارة اليه ـ ص 27 (8) حوار جرى بيني وبين هيكل في قرية الرواد بالساحل الشمالي في 30 اغسطس 9991