تركيز اركان (التجمع) الثلاثة الرئيسيين ـ الميرغني وقرنق والتجاني الطيب ـ على منهج الديمقراطية من خلال البيان الختامي الصادر عن اجتماع مصوع يدعو للعجب. فالتنظيم الذي يتزعمه كل منهم أبعد ما يكون عن النهج الديمقراطي.. حتى من حيث المبدأ التنظيري.. والسؤال الذي يطرح في هذا السياق بسيط: هل تطبق الممارسة الديمقراطية داخل اي من التنظيمات الثلاثة التي يتزعمها هؤلاء القادة؟ لقد اضمحل الحزب الشيوعي منذ مطلع عقد السبعينيات عندما فتك به الرئيس نميري بمعاونة نشطة وتدميرية من عناصر قيادية من داخل الحزب نفسه الى ان انتهى كما هو حاله الان الى مجرد مجموعة شللية. لقد كان هذا الحزب حتى نهاية الستينيات نموذجا للهيكلة التنظيمية الديمقراطية والانضباط. اما الان فانه ليس سوى شلة بلا ايديولوجية وبلا تنظيم. (الحركة الشعبية لتحرير السودان) تنظيم عسكري ذو عمود فقري قبلي يخضع لقيادة دكتاتور. ان البناء التنظيمي الذي اقامه قرنق لحركته يتكون على كافة مستوياته من قبيلة جنوبية واحدة.. هي قبيلة (الدينكا) . وبعيدا عن اي ممارسة ديمقراطية فان بقاء اي عضو في هذا التنظيم رهين اولا بمدى عصبيته القبلية وثانيا بمدى ولائه لشخص قرنق الذي نصب نفسه بنفسه. أما الحزب (الاتحادي الديمقراطي) فهو في الاصل حزبان احدهما واجهة سياسية لطائفة (الختمية) . لقد خرج كيان (الاتحادي الديمقراطي) الى حيز الوجود عند اواخر الستينيات عندما اندمج الحزب (الوطني الاتحادي) بقيادة اسماعيل الازهري مع حزب (الشعب الديمقراطي) الذي كان يمثل طائفة (الختمية) . كان هذا الاندماج في الحقيقة عملية اعادة توحيد بعد فرقة دامت 13 عاما ابتداء من منتصف الخمسينيات حتى ذلك الحين كانت القيادات الليبرالية التي كانت تمثل الحركة الوطنية الشعبية متحالفة مع طائفة الختمية وسبب الافتراق هو ان هذه القيادات الليبرالية وعلى رأسها (أبو الوطنية) اسماعيل الازهري ضاقت ذرعا بنهج الختمية واصرارهم على تسيير الحزب ـ وقد كان اسمه (الحزب الوطني الاتحادي) .. فتمردوا على الطائفة مما حدا بزعيم الطائفة الى الانشقاق عن الحزب وانشاء حزب خاص بها.. هو (حزب الشعب الديمقراطي) . وبعد رحيل زعيم الطائفة السيد علي الميرغني عام 1968 ـ ومعه رحل عداؤه الشخصي لاسماعيل الازهري ـ حل مناخ تصالحي هو الذي ادى كما اشرنا الى اعادة توحيد الحزبين تحت اسم (الحزب الاتحادي الديمقراطي) .. ولكن هذه المرة تحت غلبة الليبراليين وليس الطائفيين. لكن هذا التطور لم يعمر. فبعد اقل من سنة على الاندماج جاء انقلاب نميري عام 1969 وجرى حل الاحزاب. وبعد 16 عاما من الحكم اللاحزبي في عهد نميري وسقوطه في منتصف الثمانينيات عاد (الاتحادي الديمقراطي) الى الحياة ـ وهذه المرة استعاد بيت الميرغني هيمنته على الحزب. ففي خلال عهد نميري الطويل رحل اسماعيل الأزهري ومعظم القيادات الليبرالية الى الدار الاخرة. ومرة اخرى وقع الحزب تحت سيطرة الطائفة الدينية بزعامة السيد محمد عثمان الميرغني. وعلى هذا النحو يفتقر الحزب الى الهياكل التنظيمية الديمقراطية. ولمدى 15 عاما حتى الآن يلاحظ ان الحزب لم يعقد اي مؤتمر عام لقاعدته, وبالتالي فإن القياديين الذين يقومون على تسيير الحزب غير منتخبين.