الصراع المحتدم بين النظام والمعارضة في السودان, لم يسفر بعد استنفاد مختلف أساليبه وآلياته السياسية والعسكرية والاعلامية والنفسية لا عن غالب ولا مغلوب, الأمر الذى شجع مصر وليبيا على اطلاق مبادرة مشتركة, بما يعنى تكريس حالة التعادل فى موازين القوى عبر الجلوس معا على مائدة الحوار دون شروط مسبقة, والبحث عن حلول خلاقة ومرضية لكل القضايا الخلافية, ووضع الخطط والبرامج والقوانين والتعديلات الدستورية التى تؤمن مستقبل الحكم فى السودان, وسد الذرائع التى يتولد عنها الشقاق والانقلابات العسكرية التى أطاحت تباعا بثلاثة عهود ديمقراطية منتخبة من الشعب منذ الاستقلال عام ,1956 ومن هنا حظيت بترحيب الجميع وقبولهم بالمبادرة المصرية الليبية, كونها تعالج الأزمة من مختلف جوانبها عبر مشاركة مختلف ألوان الطيف السياسى فى السودان, بينما اقتصرت مبادرة دول الايجاد التى سبقتها, على معالجة مشكلة الجنوب فحسب بمشاركة النظام والحركة الشعبية التى تخوض غمار الحرب الأهلية تحت قيادة قرنق, واستبعاد المعارضة الشمالية. لكن حدث مالم يكن فى الحسبان, واذا بظاهرة الانقسامات تداهم الجانبين, فما أن ظهرت على السطح لأول مرة بوادر الصراع المكبوت بين الرئيس عمر البشير والدكتور حسن الترابى رئيس المجلس الوطنى, (البرلمان) حول سلطة السيادة والقرار, وأسفرت فيما بعد عن عزل الترابى عن مناصبه وتجريده من صلاحياته السياسية والدستورية, حتى سارع الصادق المهدى رئيس حزب الأمة الى الرهان على النتائج المرتقبة للصراع, تارة عبر لقائه ومباحثاته السرية مع الترابى فى جنيف, وتارة أخرى مع البشير فى جيبوتى, وفى كلتا الحالتين لم يشاور التجمع الوطنى الديمقراطي للمعارضة, باعتبار حزب الأمة عضوا فيه, وملتزم بقراراته التى تحظر اللقاء والتفاوض المنفرد مع النظام و.. القصة بعد ذلك باتت معروفة بكل تفاصيلها, فقد راهن الترابى والبشير فى المقابل على الاستقواء بحزب الأمة فى مواجهة خصمه, وبينما راح الصادق المهدى يهاجم التجمع ويعلن تجميده عضوية حزب الأمة بدعوى عدم الاستجابة لاعادة هياكله التنظيمية والتباطؤ فى الاستجابة للمبادرة المصرية الليبية, ثم انتهى الى الانسحاب من التجمع, الا أن التجمع كان حاضرا لتفنيد ادعاءات الصادق, وذلك ان اصلاح الهياكل التنظيمية كانت مسئولية أمينه العام مبارك الفاضل الرجل الثانى فى حزب الأمة, فلماذا لم يبادر الى هذا الاصلاح من قبل؟ ثم ان حرص حزب الامة على المبادرة المصرية الليبية, لا يستقيم مع اتفاق (نداء الوطن) الذى وقعه الصادق المهدى مع البشير فى جيبوتى عبر منح ابناء الجنوب حق تقرير المصير, وليس ماتوخته المبادرة المصرية الليبية فى حل مشكلة الجنوب عبر القسمة العادلة للسلطة والثروة وحق المواطنة المتساوية لكل ابناء السودان حفاظا على وحدة الشعب السودانى وكيانه السياسى الذى تتهدده مخاطر حق تقرير المصير قبل نزع فتيل الحرب الأهلية أولا ثم الولوج الى ساحة الحوار الوطنى, وعلينا اذن أن نأمل خيرا فى ادراك النخب السياسية لمهددات الأمن القومى, وأن السودان بات فى مفترق الطرق, وأن تكون التضحية بالبذل وانكار الذات, أو لا تكون مع التكالب على مناصب السلطة واستدعاء الخلافات العبثية للتدخلات والمؤامرات الأجنبية!