ينقسم عالم المتدينين في إسرائيل إلى قسمين هما: المتدينون الصهيونيون ويمثلهم في الساحة السياسية الإسرائيلية المفدال (الحزب الديني القومي) والمتدينون المتشددون الذين يسمون (حريديم), أو الورعين ويمثلهم حزب شاس وكتلة يهودت هتوراه المشكلة من اتحاد (اجودات يسرائيل, وديجل هاتوراه) . الحزب الديني القومي (المفدال): جاءت نشأة المفدال عام ,1956 عندما توحد كل من حزبي المزراحي والعامل المزراحي, وكان قد انعقد المؤتمر التأسيسي (همزراحي) في مارس من العام 1902 في مدينة (فيلنا) في (ليتوانا) برئاسة الحاخام (رينز) وبمشاركة 72 عضوا من الصهيونيين المتدينين, وكان ذلك ردا على المؤتمر الصهيوني الثاني (بازل 1898) والذي جاء في مقرراته أن الدين مسألة شخصية, وحينما قرر المؤتمر الصهيوني الخامس (بازل 1901) أن التربية اليهودية يجب أن ترمز إلى روح (القومية اليهودية) عندها أدرك أنصار الصهيونية الدينية أهمية تأسيس (همزراحي) على أن يعمل في إطار المنظمة الصهيونية العالمية. وفي أعقاب تأسيس حركة (همزراحي) وفي أغسطس 1904 عقدت الحركة مؤتمرها العالمي الأول في مدينة (بريسيورج) في (المجر) حيث تمت مناقشة مسألة (العودة إلى أرض الأجداد) وقد جاء في دستور الحركة ما يلي: إن المزراحي منظمة صهيونية ملتزمة ببرنامج بازل تسعى للعمل من أجل بعث حياة اليهود القومية, وتعتقد المزراحي أن وجود الشعب اليهودي يعتمد على محافظته على التوراة والتقاليد الدينية وأداء الفرائض والعودة إلى أرض الآباء. إن المزراحي ستبقى في المنظمة الصهيونية وتناضل داخلها من أجل آرائها, ووجهات نظرها ولكنها ستقيم تنظيمها الخاص بها, من أجل إدارة نشاطها الديني والثقافي, إن رسالة المزراحي تنفيذ أهدافها بكل الطرق المشرعة والإعلان عن مبادئها بواسطة نشر الأدب الديني وتثقيف الشباب.وقد تعرضت حركة المزراحي لأول أزمة لها في أعقاب قرار المؤتمر الصهيوني العاشر (بازل 1911) بتكليف اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية, وكان كل أعضائها من غير المتدينين (العلمانيين) بتنظيم النشاط الثقافي العبري في (أرض إسرائيل) و بلدان المشرق, وذلك على الرغم من معارضة حركة مزراحي, ومطالبتها بأن يكون هذا النشاط في يد المتدينين أو على الأقل بمشاركتهم وكان ذلك القرار سببا في قسم الحركة إلى تيارين: تيار طالب بالانفصال عن المنظمة الصهيونية العالمية, وتيار نادى بالبقاء والاستمرار في المنظمة, وهكذا قرر الانسحاب من المنظمة الفريق المنادي بالاستقلال (عناصر متشددة من يهود ألمانيا والمجر) وبالذات بعدما أخذ قرار بالاستمرار, وهكذا نشأت حركة (أجودات إسرائيل) المعارضة للصهيونية في مايو من العام 1912 وشكلت من المنشقين عن المزراحي وانضم إليهم بعض المجموعات الحسيدية (حركة صوفية نشأت في لتوانيا جنوب شرق بولندا) وقد كان وعد (بلفور) الصادر عام 1917 محطة انطلاق مهمة في تطوير حركة المزراحي, حيث نادى رواد الحركة استنادا إلى قرار المؤتمر الأول لحركتهم بالعودة إلى (أرض الأجداد) وهكذا راحوا يوجهون أنظار أنصارهم ومريديهم إلى فلسطين ومن أجل هذا الهدف أسست الحركة فروعا لها في دول أوروبا, كما أقامت منظمات شبيبة في العديد من دولها. (قدامى السكان اليهود في فلسطين) وفي العام 1918م أقامت الحركة فرعا لها في يافا, وفي أواخر العام 1920 نقلت الحركة مقرها الرئيسي من لندن إلى القدس, وكان أول إنجاز للحركة في مقرها الجديد بالقدس إنشاء مؤسسة (الحاخامية الرئيسية) عام 1921 كما توسعت في شبكة المدارس الدينية التابعة لها وأقامت محاكم دينية للأحوال الشخصية. وفي عام ,1922 أعلن عن تأسيس حركة (هبوعيل همزراحي) أي (العامل المزراحي) على يد أنصار حركة الشبيبة التابعة للمزراحي (الفتى المزراحي) المتأثرين بالتيارات الاشتراكية في أوروبا الشرقية وبأفكار الحاخام (شمشون رفائيل هيرش) والقادمين إلى فلسطين ضمن موجة الهجرة الثالثة (1923) وقد رفع رواد تلك ا لحركة شعار (التحقيق الذاتي) للصهيونية عبر (التوراة والعمل) وبواسطة الدمج بين الفكر الديني القومي والفكر الاشتراكي وظلت حركة (العامل المزراحي) تعمل في إطار المنظمة الصهيونية العالمية كجزء من حركة المزراحي, إلا أنها راحت تلعب دورا مستقلا عن حركة المزراحي وبالذات مع (اليشوف) وراحت تقوم بالعديد من الأنشطة (شبكة مستوطنات زراعية ـ كيبوتس ديني عام ,1935 حركة (بني عقيا) الشبابية ـ سلسلة من المدارس الدينية الصهيونية الثانوية في إسرائيل ـ بنك العامل المزراحي ـ مؤسسات اقتصادية وإسكانية, مؤسسات للشباب والمرأة) وقد ساعد ذلك الانتشار بالإضافة إلى النزعة العمالية الاشتراكية لدى العامل المزراحي في الانفصال عن المزراحي وبدأت قوائم العامل المزراحي في الظهور مستقلة في انتخابات المؤسسات اليهودية في فلسطين. وفي عام 1926 عبر رواد المزراحي عن أيديولوجية حركتهم قائلين (المزراحي عبارة عن اتحاد صهيوني قومي وديني يسعى إلى بناء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين وفقا لقوانين التوراة والشريعة) وفي عام 1933 انسحبت المزراحي من المنظمة الصهيونية العالمية احتجاجا على التنكر للتقاليد الدينية في مستوطنات (الصندوق القومي) ولكنها عادت إليها عام 1953 وكانت الحركة المزراحية قد قدمت في عام 1934 ـ اقتراحا بإقامة دولة يهودية في فلسطين فكانت بذلك الحركة الثانية بعد حركة التصحيحيين التي تطالب بهذا في ذلك الوقت المبكر. وبقيام الدولة في عام 1948 تحولت الحركتان إلى حزبين سياسيين مستقلين (المزراحي ـ العامل المزراحي) خاضا ثلاث دورات انتخابية كمستقلين, بعد ذلك برز اتجاه قوي يدعو لدمج الحزبين معا, وقد كانت الخطوة الأولى لتوحيد الحزبين هي توحيد التنظيمين العالميين لهما في الخارج عام ,1955 وفي صيف 1956 تم عقد مؤتمر مشترك لهما في (إسرائيل) نجم عنه الإعلان عن قيام (الحزب الديني القومي ـ المفدال) وفي المؤتمر الثاني للحزب عام 1963 تم تقسيم المسئوليات والمهام كالتالي: يقوم المزراحي بمعالجة الشئون السياسية والإعلامية والدينية, في حين يقوم العامل المزراحي بمتابعة الشئون التنظيمية العامة والاستيعاب والعمل والهجرة والشئون المهنية والاقتصادية وشئون المهن الحرة والدوائر التي تهتم بكبار السن وتطوير المدن. ومن أبرز الشخصيات القيادية في هذا الحزب الموحد, الحاخام (إسحق رينز) مؤسس المزراحي والحاخام الأكبر السفاردي (بن تسيون عوزيئيل) والحاخام (يهودا أليف هكوهين فيشمان) وبعد قيام الدولة برز (موشيه شابيرا) و(يوسف بورج) و(زفولون هامر) و(شاؤول يهلوم) و(إسحق ليفي) و(حنان بورات) . وبرغم الطابع الاشكنازي للحزب إلا أن قاعدته الانتخابية تتكون من عناصر مشتركة سفاردية ـ اشكنازية, ويشكل الاشكنازيون ما يربو على 50% من أعضاء الحزب. ويستند حزب المفدال أيديولوجيا على أفكار الصهيونية الدينية, وينطلق منها في وضع برامجه السياسية والانتخابية, ومنها يحدد مواقفه من كافة القضايا وقد تناولت تلك الثوابت الأيديولوجية التي يعتنقها الحزب الخطوط الرئيسية الآتية: الإيمان التام بـ (الحق التاريخي) لليهود في فلسطين, وبمفهوم (أرض إسرائيل الكاملة) ومن هنا فالاستيطان في كامل فلسطين أمر شرعي توجبه العقيدة. إن انتصارات جيش الدفاع الإسرائيلي ـ خاصة في عام 1967 ـ هي بداية الخلاص النهائي لـ (الشعب المختار) على أرضه, وأن الصهيونية هي بداية عملية الخلاص. ضرورة بناء الدولة والمجتمع ـ في كافة قطاعاتها ـ وفقا لقوانين التوراة والالتزام بتعاليم الشريعة. في مجال السياسة الخارجية اعتبر الحزب أن ما حدث من انتصار في عام 1967 هو بداية تحقيق (وعد الرب لشعبه المختار بالعودة إلى أرض الآباء) ومن هنا فالضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة وكافة الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 تشكل جزءا من أرض إسرائيل تم تحريره (والقدس هي العاصمة الأزلية لشعب إسرائيل) . تأسيسا على ما سبق دعا الحزب إلى ضم الضفة والقطاع والقدس والجولان السورية إلى (دولة إسرائيل) وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها ووضع خطط الاستيطان الخاصة بهذه المناطق والعمل على تحصينها. فيما يتصل بأصحاب الأرض من الفلسطينيين العرب والذي سماهم الحزب (عرب أرض إسرائيل في المناطق) يرى الحزب ضرورة تمكينهم من الاختيار الحر بين (الجنسية الإسرائيلية) أو أية جنسية أخرى, مع منح استقلال ديني تربوي لتجمعات السكان العرب. تلك هي المبادئ الحاكمة لحزب المفدال الذي تعرض إلى العديد من الانشقاقات ـ شأنه في ذلك شأن كل الأحزاب الإسرائيلية ـ لعل أهم تلك الانشقاقات هي (كتلة الإيمان) جوش أمونيم, وقائمة تقاليد إسرائيل, (تامي) بزعامة أهارون أبو حصيرة, وقائمة متساد (المعسكر الديني الصهيوني) بقيادة الحاخام (حاييم دور كمان) وقائمة أوروت (الأضواء) بقيادة عضو الكنيست (حنان بورات) وفي عام 1988 تعرض المفدال لانشقاق جديد بقيادة (يهودا عاميطال) الذي أعلن عن تشكيل حركة (ميماد: معسكر الوسط الديني أو اليهودية العقلانية) . وقد جرت انتخابات الكنيست السابع في 28 أكتوبر 1969 وحصل المفدال في هذه الدورة على 12 مقعدا وكان في الدورة السادسة قد حصل على 11 مقعدا وعندما تم تشكيل حكومة الائتلاف الحكومي (حكومة اتحاد وطني) في 5 يونيو 1967 كان حزب المفدال قد حافظ على ثلاثة مقاعد في هذه الوزارة (الشئون الاجتماعية ـ بورج ـ والأديان ـ زيرح فيرهفتيج ـ والداخلية حاييم موشيه شابيرا ـ وكانت الحكومة برئاسة (ليفي أشكول) ).